عرض مشاركة واحدة
  #9  
قديم 18-10-2020, 10:35 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 48,030
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح سنن أبي داود للعباد (عبد المحسن العباد) متجدد إن شاء الله

شرح سنن أبي داود
(عبد المحسن العباد)

المعاني التي تطلق عليها السنة

صــ 11إلى صــ19
الحلقة (9)

ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء
[شرح حديث: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)]
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء: حدثنا مسدد بن مسرهد حدثنا حماد بن زيد وعبد الوارث عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء قال: عن حماد قال: اللهم إني أعوذ بك، وقال عن عبد الوارث قال: أعوذ بالله من الخبث والخبائث)].
أورد أبو داود رحمه الله هذه الترجمة وهي:
(ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء)،
يعني: إذا أراد الدخول؛ لأن (دخل) هنا ليس المقصود بها أن يقولها وهو في الخلاء، وإنما إذا أراد الدخول،
ومثل هذا قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} [المائدة:6]،
يعني:
إذا أردتم القيام،
فقوله: (إذا دخل) أي: إذا أراد الدخول قال هذا، وليس معنى ذلك أنه يقوله بعد الدخول؛ لأنه لا يجوز أن يذكر الله في الخلاء وداخل المراحيض.هذه الترجمة معقودة لبيان الدعاء الذي يدعى به عند دخول الخلاء.
أورد أبو داود رحمه الله حديث أنس بن مالك رضي الله عنه:
(أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)،
يعني: إذا أراد الدخول دعا بهذا الدعاء، فاللهم نداء، وهو طلب من الله عز وجل.
وقوله: (اللهم) بمعنى: يا الله، لكن جاء في اللغة حذف ياء النداء والتعويض عنها بميم بعد الله، فكلمة (اللهم) هي (يا الله) حذفت ياء النداء وجاء بدلها الميم المشددة، ولا يجمع بين ياء النداء وبين الميم؛ لأنه لا يجمع بين العوض والمعوض،
فلا يقال:
يا اللهم وإنما يقال: يا الله أو اللهم.
ولهذا يقول ابن مالك رحمه الله في الألفية:
والأكثر اللهم بالتعويض وشذ يا اللهم في قريض قوله: (والأكثر) يعني: في الاستعمال (اللهم بالتعويض) يعني: استعمال الميم عوضا عن (يا).وقوله: (وشذ يا اللهم في قريض) يعني: في الشعر.فاللهم هي نداء حذفت (يا) التي قبل لفظ الجلالة وعوضت عنها الميم المشددة بعد لفظ الجلالة.
وقوله: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)،
الخبث:
جمع خبيث، والخبائث: جمع خبيثة،
والمقصود بذلك:
التعوذ بالله من شياطين الجن الذكران والإناث؛ لأن (الخبث) ترجع للذكور، و (الخبائث) ترجع للإناث.فالاستعاذة بالله عز وجل عند دخول الخلاء تكون بهذا اللفظ الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قوله:
[قال: عن حماد: (قال: اللهم إني أعوذ بك وقال عبد الوارث قال: أعوذ بالله من الخبث والخبائث)].
يعني:
الإسناد فيه شخصان في درجة واحدة: حماد بن زيد وعبد الوارث بن سعيد ولكنهما اختلفا في العبارة في رواية متن الحديث،
فالذي جاء من طريق حماد بن زيد قال:
(اللهم إني أعوذ بك)،
أي: فيه لفظ: (اللهم) وفيه: (بك) أما عبد الوارث فبلفظ: (أعوذ بالله من الخبث والخبائث)، وليس فيه (اللهم) وفيه (بالله).
إذا: الفرق بين رواية حماد بن زيد ورواية عبد الوارث بن سعيد: أن حماد بن زيد قال في روايته: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)،
وعبد الوارث بن سعيد قال في روايته:
(أعوذ بالله من الخبث والخبائث)، وهما بمعنى واحد، وكلاهما صحيح، والنتيجة والمؤدى واحد.
[تراجم رجال إسناد حديث: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)]
قوله:
[حدثنا مسدد بن مسرهد].مسدد بن مسرهد ثقة أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي، ولم يخرج له مسلم ولا ابن ماجة.
[حدثنا حماد بن زيد].
هو حماد بن زيد بن درهم البصري وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.[وعبد الوارث].هو عبد الوارث بن سعيد العنبري وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عبد العزيز بن صهيب].
ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أنس بن مالك].
رضي الله عنه، وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم الذين مر ذكرهم آنفا رضي الله عنهم وأرضاهم.
[توضيح اختلاف الروايات في حديث: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)]
[قال أبو داود: رواه شعبة عن عبد العزيز: (اللهم إني أعوذ بك)،
وقال مرة: (أعوذ بالله) وقال وهيب: (فليتعوذ بالله).حدثنا الحسن بن عمرو
-يعني: السدوسي - حدثنا وكيع عن شعبة عن عبد العزيز -هو ابن صهيب
- عن أنس بهذا الحديث قال: (اللهم إني أعوذ بك) وقال شعبة: وقال مرة: (أعوذ بالله)].
ثم أورد أبو داود رحمه الحديث من طريق أخرى من طريق شعبة وفيه:
أنه جاء عن شعبة من وجهين: (اللهم إني أعوذ بك) و (أعوذ بالله)،
يعني: مثلما جاء عن حماد بن زيد في الأول وعبد الوارث بن سعيد في الثاني.
وقوله:
(وقال وهيب) وهو ابن خالد: (فليتعوذ بالله)، وهذا يكون على اعتبار أن هذا قولي، وأما الرواية المتقدمة فهي فعلية؛ لأنها تضاف إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من فعله، وأنه كان يقول إذا دخل الخلاء كذا وكذا،
وأما هنا فقوله:
(فليتعوذ) يعني: أن هذا أمر من النبي صلى الله عليه وسلم للناس أو للذي يريد أن يدخل الخلاء أن يتعوذ بالله من الخبث والخبائث.وأبو داود رحمه الله ذكر الإسناد فيما يتعلق بالرواية عن شعبة ولكنه أشار إلى رواية وهيب بن خالد حين ذكرها بعد ذلك.
[سبب استعمال المحدثين كلمة (يعني) و (هو) في نسبة الراوي]
قوله: [حدثنا الحسن بن عمرو -يعني: السدوسي -] هذا الراوي روى عنه أبو داود وحده، وهو صدوق.
وقوله:
(يعني: السدوسي) هذا مثال لما أشرت إليه آنفا عن النسائي من أن في شيوخه من يقال فيه: يعني، والذي قال هذا هو من دون النسائي، وهذا الذي عند أبي داود مثله؛ لأن الحسن بن عمرو السدوسي شيخ لـ أبي داود،
فـ أبو داود لن يقول:
حدثنا الحسن
-يعني: السدوسي -،
وإنما سيقول:
الحسن بن عمرو فقط ويسكت،
لكن من دون أبي داود هو الذي يقول:
يعني؛ لأن كلمة (يعني) فاعلها ضمير مستتر يرجع إلى أبي داود، وقائلها هو من دون أبي داود.فإذا مر استعمال كلمة (يعني) في شيخ أبي داود فالذي قالها هو من فوق أبي داود،
كحديث عبد الله بن مسلمة بن قعنب الذي يروي عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي وعبد العزيز بن محمد الدراوردي يروي عن محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي وكل منهما قيل فيه:
يعني.هذا المثال يوضح لنا أنه قد يأتي في شيوخ أبي داود التعبير بكلمة (يعني)، ولكن الذي قالها هو من دون أبي داود؛ لأن أبا داود ما زاد في روايته عند ذكر شيخه على كلمة الحسن بن عمرو، وكلمة السدوسي أضافها من دون أبي داود.والحسن بن عمرو هذا انفرد أبو داود بالرواية عنه، وقد مر بنا في النسائي رواة لن يأتي ذكرهم في هذا الكتاب، وهم كثيرون،
مثل:
إسماعيل بن مسعود الذي يروي عنه النسائي كثيرا، وكذلك سليمان بن سيف الحراني لم يرو عنه إلا النسائي.
ومعنى هذا:
أنه سيأتينا أشخاص وأسماء جدد ما مرت بنا في النسائي.
[حدثنا وكيع].
هو وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن شعبة].
هو شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري ثقة وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو لقب رفيع يدل على علو منزلة الرجل وعلى حفظه وإتقانه؛ لأن الوصف بأمير المؤمنين في الحديث من أعلى صفات وألقاب التعديل التي إذا عدل بها الشخص تدل على علو مكانته ومنزلته بمثل هذا اللقب، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد العزيز هو ابن صهيب].
عبد العزيز بن صهيب ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة، وكلمة (هو) هذه هي اللفظة الثانية التي تذكر للتوضيح،
فيؤتى بكلمتين:
إما (يعني) وإما (هو)،
وهذا الإسناد الذي معنا فيه اللفظتان:
لفظة (يعني) عند السدوسي الذي هو شيخ أبي داود، ولفظة (هو) عند ذكر عبد العزيز؛ لأن شعبة عندما روى عن عبد العزيز ما زاد على كلمة عبد العزيز،
بل قال:
حدثنا عبد العزيز، ولم يزد،
فمن دون شعبة أتى بنسبه فقال: وهو ابن صهيب، وأتى بكلمة (هو) حتى يعرف أنها ليست من تلميذه وإنما هي ممن دون تلميذه.
[عن أنس].
رضي الله عنه، وهو صاحب رسول الله، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
[الخلاف في شذوذ رواية شعبة في حديث: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)]ذكر الألباني بأن الحديث شاذ،
يعني:
أن رواية شعبة عن عبد العزيز فيها شذوذ، ولا أعرف وجه هذا الشذوذ؛
لأن الحديث جاء من طريق آخر مثلما جاء من تلك الطرق المتقدمة التي فيها أنه يقول:
(اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) أو (أعوذ بالله من الخبث والخبائث)، فهي طريق أخرى مثل الطرق السابقة وليس فيها مخالفة حتى تكون شاذة، فلا أدري وجه إضافة الشذوذ إلى هذا الحديث مع أنه بمعنى الحديث المتقدم وليس فيه مخالفة بحيث لا يمكن التوفيق، بل هذا مثل ذاك، فالحديث الشاذ مثاله حديث صلاة الكسوف؛
فقد رواه بعضهم:
(أنه صلى كل ركعة بركوعين) ورواه ثقات آخرون: (أنه صلى كل ركعة بثلاث ركوعات)، وهي قصة واحدة لا يمكن أن تتعدد، ولا يمكن أن يجمع بينها، وليس هناك لا ناسخ ولا منسوخ.ورواية ثلاث ركوعات شاذة وهي رواية ثقة لكن فيها خطأ، ورواية الركوعين هي المحفوظة.وكذلك ما جاء في صحيح مسلم في حديث السبعين ألفا، فإن في أكثر الروايات (لا يسترقون)، وفي صحيح مسلم (لا يرقون) ولكنها شاذة.
[شرح حديث: (إن هذه الحشوش محتضرة)]
قال المصنف رحمه الله تعالى:
[حدثنا عمرو بن مرزوق أخبرنا شعبة عن قتادة عن النضر بن أنس عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن هذه الحشوش محتضرة فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث)].
سبق تحت ترجمة ما يقوله إذا دخل الخلاء: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا أراد دخول الخلاء قال: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) أو: (أعوذ بالله من الخبث والخبائث)، إما هذه العبارة وإما هذه العبارة.
وقد ذكر أبو داود رحمه الله هاتين الصفتين:
الأولى من طريق حماد بن زيد،
والثانية من طريق عبد الوارث بن سعيد ثم ذكر أن رواه شعبة رواه عن عبد العزيز وأنه قال:
(اللهم إني أعوذ بك) وقال مرة: (أعوذ بالله).
ثم قال: (وقال وهيب: (فليتعوذ بالله)
يعني:
بصيغة الأمر،
وسبق أن أورد أبو داود رحمه الله الحديث من طريق شعبة وفيه الإشارة إلى الطريقين:
الطريق الموافقة لطريق حماد المتقدمة في الإسناد الذي قبله، والطريق الموافقة لطريق عبد الوارث بن سعيد،
وبعد ذلك قال وهيب عن شعبة:
(فليتعوذ)، ولم يأت ذكر الرواية التي فيها وهيب التي أشار إليها المصنف، فلا أدري هل تركت وأشار الشارح إليها دون أن يسند الحديث، أو ذكر وهيب فيه شيء من التصريف والتحريف؛ لأن الحديث الذي بعده عن عمرو بن مرزوق هو عن زيد بن أرقم وهو بنفس الصيغة التي ذكرها عن وهيب،
وهي بلفظ الأمر:
(فليتعوذ بالله من الخبث والخبائث) وهناك نسخة أخرى فيها: (وقال وهيب: عن عبد العزيز) ورمز لها (ع) و (س) وهذه النسخة هي نسخة محمد عواض وعلى حسب الرموز هي عند ابن داسة وابن الأعرابي.
إذا: هي الرواية المتقدمة إلا أنها لم تذكر،
فما دام أنه قال:
عن عبد العزيز فمعناه أن الرواية لم تذكر، وإنما ذكرت رواية شعبة ولم تذكر رواية وهيب.
والحديث الذي أورده أبو داود رحمه بعد الحديث الأول هو حديث عمرو بن مرزوق وهو عن زيد بن أرقم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(إذا دخل أحدكم الخلاء فليقل: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث).وهو مثل اللفظ الذي أشار إليه المصنف من رواية وهيب عن عبد العزيز التي لم يذكرها المصنف.وقوله: (فليتعوذ بالله من الخبث والخبائث) هذا الحديث حديث قولي وليس حديثا فعليا؛ لأن الروايات المتقدمة فعلية،
أي: من فعله صلى الله عليه وسلم، وأما هذا فهو من أمره صلى الله عليه وسلم.
وجاء في بعض الأحاديث: (ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدهم الخلاء أن يقول: بسم الله)،
وعلى هذا فيجمع بين الذكر والتسمية فيقال:
(بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث).
والخبث: جمع خبيث،
والخبائث:
جمع خبيثة، وفيه الإشارة إلى أن المقصود شياطين الجن ذكورهم وإناثهم؛
لأنه قال في أثناء الحديث:
(إن هذه الحشوش محتضرة)،
يعني:
أن الكنف أو أماكن قضاء الحاجة تحضرها الشياطين،
أي: شياطين الجن.ومن المعلوم أن الجن يتخلص منهم بذكر اسم الله عز وجل، وأما الإنس فلا يتخلص منهم إلا بالمعاملة الطيبة، ولهذا جمع الله عز وجل بين ذكر المعاملة التي يعامل بها الإنس ويحصل بها اكتسابهم وبين ما يقال للتخلص من شر الجن،
فقال سبحانه:
{ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} [فصلت:34]، فالإنسي إذا حصل منه شيء وقوبلت إساءته بالإحسان فإن ذلك ينفع بإذن الله.وقد يحصل من بعض الناس أنه لا ينفع فيه الإحسان، ومع الإحسان يتمرد،
لكن في الغالب أن المعاملة الطيبة ومقابلة الإساءة بالإحسان أن ذلك ينفع: {فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم * وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم} [فصلت:34 - 35]، وليس كل أحد يصبر على أن يقابل السيئة بالإحسان، بل هناك من يقابل السيئة بالسيئة.ومقابلة السيئة بالسيئة سائغ؛
لقوله: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} [الشورى:40]،
وقوله: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين} [النحل:126]، لكن الصبر والتحمل ومقابلة الإساءة بالإحسان هذا هو الذي ينفع في التخلص من أذى الإنس.
أما الجن فقال الله عز وجل فيهم: {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم} [فصلت:36]،
يعني:
أن هذا هو الذي يخلص منه،
ولهذا جاء في بعض الأحاديث:
أن الإنسان إذا دخل بيته وقال: بسم الله،
قال الشيطان لأتباعه ولأصحابه ولجنده:
لا مبيت لكم.
معناه: أنه إذا دخل بيته وسمى الله،
ثم إذا أكل أو شرب سمى الله عز وجل قال الشيطان: لا مبيت ولا عشاء؛ لأن ذكر الله عز وجل يطردهم ولا يتمكنون من الوصول إلى ما يريدون مع ذكر اسم الله عز وجل.
وقوله: (إن هذه الحشوش محتضرة)،
أي:
تحضرها شياطين الجن؛
ولذا قال:
(فإذا دخل أحدكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث).
[تراجم رجال إسناد حديث: (إن هذه الحشوش محتضرة)]
قوله: [حدثنا عمرو بن مرزوق].
هو الباهلي ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود، وهذا من الرجال الذين لم يسبق أن مر ذكرهم في سنن النسائي؛ لأنه ما خرج له النسائي ولا خرج له إلا البخاري وأبو داود، فهو من الأسماء الجديدة التي لم تمر بنا في سنن النسائي؛ لأنه ليس من رجال النسائي.
[عقيدة أهل السنة في الصحابة رضي الله عنهم]
ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري كلمة جيدة عن عمرو بن مرزوق قالها لبعض الخوارج فقال:
وقال عمرو بن مرزوق لرجل من الخوارج: ما أرى الله إلا مخزيك؛ لأنك شتمت واحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم،
يعني: أن واحدا من الخوارج سب واحدا من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم،
فقال له عمرو بن مرزوق:
ما أرى الله إلا مخزيك.
يعني: أن الذي يتوقع أن يحصل لك وأن يحل بك من العقوبة أن الله تعالى يخزيك؛ لأنك شتمت واحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يبين لنا أن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام يجب أن تكون الألسنة والقلوب نظيفة في حقهم،
كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في العقيدة الواسطية:
ومن أصول أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.فالقلوب لابد أن تكون سليمة من الغيظ والحقد والضغينة لهم، والألسنة تكون سليمة ونظيفة من أن تتكلم فيهم بما لا ينبغي،
والله عز وجل يقول بعد أن ذكر المهاجرين والأنصار:
{والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان} [الحشر:10]، وهذا فيه سلامة اللسان؛ لأن قولهم: (ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان) دعاء لهم، فاللسان يستغفر لهم، ثم قال: ((ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا))، وهذا فيه طلب سلامة القلب،
وأن يسلم الله القلوب من أن يكون فيها شيء لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم} [الحشر:10].فأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم يجب احترامهم وتوقيرهم واعتقاد أنهم خير الناس؛
لشهادة الرسول صلى الله عليه وسلم لهم بقوله:
(خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)، فهذه الأمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم هي خير الأمم، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم خير هذه الأمة، فهم أفضل من مشى على الأرض بعد الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه وبركاته على رسله ورضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين.فالواجب هو البعد عن نيلهم والكلام فيهم بما لا ينبغي، وعلى هذا أجمع أهل السنة والجماعة؛ لأن الله تعالى عدلهم وعدلهم رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يحتاجون بعد تعديل الله ورسوله إلى تعديل المعدلين وتوثيق الموثقين، ولا يعني التعديل أنهم معصومون؛ فإن العصمة ليست إلا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والصحابة يخطئون ويصيبون وليسوا بمعصومين، ولكن من حيث العدالة هم عدول، ولهذا فإن المجهول فيهم بحكم المعلوم،
ولهذا نجد أن الذين يؤلفون في الرجال وبيان أحوالهم عندما يكون الشخص من الصحابة يكتفون بأن يقولوا:
صحابي، أو يذكرون شيئا من ميزاته التي هي زائدة على الصحبة، كأن يكون شهد بدرا أو الحديبية، أو أنه من السابقين الأولين، أو أن عنده صفة زائدة على الصحبة فينصون عليها، وأما غيرهم فإنهم يحتاج إلى معرفة أشخاصهم وأعيانهم وأحوالهم.
ولهذا قال الخطيب البغدادي في كتابه الكفاية:
إن الذي عليه العلماء: أنه ما من رجل من رجال الإسناد إلا ويحتاج إلى معرفته إلا الصحابة.ولهذا درج العلماء على الاكتفاء بذكر أن الرجل من الصحابة ولو كان مبهما غير مسمى ما دام أنه أضيف إلى الرسول صلى الله عليه وسلم،
فإذا قيل:
عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يحتاج أن يقال: من هو هذا الرجل؟ وهذا الرجل مبهم لا يحتاج إلى معرفة عينه، ولأنه صاحب الرسول صلى الله عليه وسلم فهو من العدول الذين يعول على حديثهم.لكن لا يعني هذا أنهم معصومون؛ لأن العصمة إنما هي للأنبياء، ولكن من حيث البحث عن أحوالهم، وهل أحدهم ثقة أو ليس بثقة؟ لا يبحث،
ولهذا يأتي في بعض التراجم أن الشخص يقال فيه:
قيل: إنه صحابي،
وقيل:
إنه تابعي،
فقولهم:
قيل: إنه صحابي،
معناه:
أنه يكفي أن يقال: إنه صحابي،
وإذا قيل: ليس بصحابي بل هو ثقة،
فمعناه: أنه بناه على أنه تابعي يذكر حاله، فالذي يذكر أنه ليس بصحابي يتكلم في حاله، والذي يعرف أنه صحابي يكفي في شرفه وبيان منزلته أنه صحابي.ولهذا لا ينظر إلى من يقلل من شأن الصحابة، أو تحدثه نفسه أن يتكلم في الصحابة، أو ينال من الصحابة فيما يتعلق ببيان أحوالهم وما كانوا عليه، أو البحث عن عيوبهم ومثالبهم وما إلى ذلك؛ فإن هذا لا يليق بالمسلم الناصح لنفسه.
ويذكر عن بعض المخذولين أنه قال: إن الصحابة يجب أن يكونوا مثل غيرهم تحت المجهر! يعني: أنهم يعاملون معاملة غيرهم، وأن يفتش عنهم ويذكر كل شيء قيل عنهم كما يقال في حق غيرهم، وأن يبحث عنهم، وهل هم ثقات أو ليسوا بثقات؟ وما إلى ذلك، وهذه ليست طريقة أهل السنة والجماعة، بل هذه طريقة مخالفة لأهل السنة والجماعة، فأهل السنة والجماعة يكفي عندهم أن يعرف أن الواحد صحابي، ولا يزيدون على ذلك شيئا إلا أن يضيفوا بيان منزلته وعظيم قدره، وأن له منزلة جاء فيها نص إما لكونه مشهودا له بالجنة، أو لكونه شهد بدرا أو الحديبية، أو من السابقين الأولين أو من المهاجرين أو كذا أو كذا إلى آخره.أما أن يتكلم فيهم فهذا لا يليق بالمسلم الناصح لنفسه،
كما ذكرت عن شيخ الإسلام أنه قال: ومن أصول أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأبو زرعة الرازي من علماء القرن الثالث الهجري روى عنه الخطيب البغدادي بإسناده في كتابه الكفاية أنه قال:
إذا رأيتم أحدا ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلموا أنه زنديق، وذلك أن الكتاب حق والرسول حق، وإنما أدى إلينا الكتاب والسنة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء
-أي: الذين يريدون أن يتكلموا في الصحابة- إنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة.
يعني: أن القدح في الناقل قدح في المنقول؛ لأن الصحابة إذا قدح فيهم فماذا يبقى عند من قدح فيهم؟! وإذا كان الصحابة ليسوا عدولا والكتاب ما جاء إلا عن طريقهم، والسنة كذلك، فليس بأيدي من سبوا الصحابة إلا الخذلان، وليس بأيديهم شيئا من الحق؛ لأن الحق جاء عن طريق الصحابة، وإذا قدح في الناقل فهو قدح في المنقول.
ولهذا يقول أبو زرعة:
وإنما يريد هؤلاء أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة،
يعني:
أن النتيجة التي تترتب على القدح في الصحابة هي إبطال الكتاب والسنة؛ لأن القدح في الناقل قدح في المنقول.
فمنهج أهل السنة والجماعة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه يجب احترامهم وتوقيرهم، واعتقاد أنهم خير الناس، وأنه ما كان مثلهم قبلهم ولا يكون بعدهم مثلهم، وهم خير من مشى على الأرض بعد الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه وبركاته على رسله ورضي الله عن الصحابة أجمعين.فـ عمرو بن مرزوق الذي في هذا الإسناد هو الذي نقل عنه الحافظ ابن حجر هذه الجملة في مخاطبة ذلك الخارجي الذي سب واحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وقال له عمرو بن مرزوق:
ما أرى الله إلا مخزيك.
يعني: توقع العقوبة من الله وتوقع الخزي الذي يحل بك؛ لأنك سببت واحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين.
[أخبرنا شعبة].
هو شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري ثقة وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهذا لقب رفيع من أعلى صيغ التعديل والتوثيق، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن قتادة].هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو مدلس، ولكن المعروف عند المحدثين أن شعبة إذا روى عن مدلس فقد أمن تدليسه؛ لأن شعبة لا يروي عن شيوخه المدلسين إلا ما صرحوا فيه بالسماع، وإلا ما أمن تدليسهم فيه.وهنا شعبة هو الذي يروي عن قتادة، وقتادة مدلس.وهذا من القواعد التي ذكرها العلماء في معرفة السلامة من تدليس المدلس، وأنه إذا روى شعبة عن مدلس فإن تدليسه مأمون؛ لأنه لا يروي عن شيوخه المدلسين إلا ما صرحوا فيه بالسماع، وقتادة بن دعامة السدوسي البصري أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن النضر بن أنس].
هو النضر بن أنس بن مالك ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن زيد بن أرقم].

زيد بن أرقم صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 39.41 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 38.79 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (1.58%)]