عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 20-10-2020, 06:25 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 52,759
الدولة : Egypt
افتراضي كيف تكتب بحثا شرعيا

كيف تكتب بحثا شرعيا


د. محمد بن علي البيشي





1. توسع الدراسات الإسلامية في الزمان والمكان والموضوع:
الدراسات الإسلامية واسعة الميدان؛ من حيث:
الزمان، على امتداد أربعة عشر قرناً بما ضمَّته من ليالٍ وأيام وشهور وأعوام.
وأما المكان، فقد شارك في الدراسات الإسلامية عقول ونوابغ من جميع الأرجاء وكل الأنحاء؛ من الصين شرقا إلى الأطلسي غرباً، ومن سيبيريا شمالا إلى نهايات إفريقيا جنوباً، والبقاع التي لم تشارك في الدراسات الإسلامية فيما مضى، وفاتها ركب الأمس؛ تتدارك القافلة اليوم، وسواء أكانت الكتابات صحيحة قويمة أم سقيمة لئيمة، لا يهم ذلك، إلا أنها دراسات إسلامية.

وأما الموضوع، فقد تفتقت في رحاب هذا الدين علوم كثيرة جدا، ولا زالت في نماء واطراد، وكلها تستند إليه، وعلى سبيل المثال قد أحصى حاجي خليفة في كتابه (كشف الظنون) 300 فن وعلم.

فإذا أخذا علوم القرآن الكريم المتعلقة بالنص العزيز كمثال، وجدنا أنها تبلغ ثمانين علما، وعلم التفسير واحدا منها، بما ضمه أيضا من أنواع عشرة، كما ذكره الإمام السيوطي في (الإتقان).

وكذلك علوم السنة التي بلغت أزيد من 90 علما ً، كل هذا دليل على السعة زمانا ومكاناً وموضوعاً.

2. مقاصد التأليف، وغايته:
أي أن البحث ينبغي أن يكون له غاية يرومها وهدف يصبو إليه، وهي مجموعة في رؤوس سبعة ذكرها الإمام ابن خلدون في المقدمة:
أ‌- استنباط العلم بموضوعه، وتقويم أبوابه وفصوله، واستنباط مسائل تعرض للعالم يحرص على إيصالها لغيره؛ ومثاله كتاب (الرسالة) في أصول الفقه للإمام الشافعي.

ب‌- أن يقف على تواليف الأولين، فيجدها مستغلقة، في حاجة للكشف والإبانة.

ت‌- العثور على غلط أو خطأ في كلام المتقدم - ممن اشتهر فضله - فيودعه الكتاب مع الاستيثاق بالبرهان؛ ليقف الناظر على ذلك؛ إذ تعذر المحو.

ث‌- نقصان مسائل أو فصول في فن، فيقصد المطلَّع عليه إكمال ما نقص؛ إتماماً للفن.

ج‌- وقوع مسائل العلم غير مرتبة في أبوابها، فيقصد المطلع ترتيبها وتهذيبها، كما وقع في (المدونة) من رواية سحنون عن ابن القاسم، فهذبها ابن أبي زيد القيرواني؛ بنسبتها لأبوابها.

ح‌- أن تكون مسائل العلم مفرقة من أبوابها في علوم أخرى، فيتنبه بعض الأذكياء إلى موضوع ذلك الفن، فيفعل ذلك، ويظهر به فنٌّ ينظِمُه من جملة العلوم التي ينتحلها البشر، مثل كتاب (البيان والتبيين) للجاحظ الذي جمع فيه كثيرا من كتابٍ مجموع للمسائل نحوية.

خ‌- أن يكون مؤلفاً من أمهات الفنون طويلاً، فيقصد المطلَّع إلى تلخيصه واختصاره، أو حذف المكرر منه.
وما سوى هذه الأغراض ففعل غير محتاج إليه، قال أرسطو: (وما سوى ذلك ففضلٌ أو شَرَه)؛ بعد أن عدَّد مقاصد التأليف.
فيجب على الباحث يضع نصب عينيه الغية والهدف من كتابته، و يطرح على نفسه سؤالا مهمَّاً وهو: ماذا سأستفيد من عملي هذا في ديني ودنياي؟ وماذا سأفيد القرَّاء بعد خروجه إليهم؟.

3. خطوات البحث مضموناً وشكلاً:
أولا: المضمون:
أ‌- الأهلية والاستعداد للبحث:
فالاستعداد والأهلية قائمة على الرغبة والميل لذات البحث، وهو أساس لا بد منه، والباحث في علوم الشريعة؛ يجب عليه أمران:
الأمر الأول: أن يكون على معرفة بأصولها ومفاهيمها الأساسية - الكتاب والسنة - وذلك في الحد الأدنى من علومهما، فمن حُرم ذلك أو فاته فلا يتعنَّ، والأولى له أن يسدَّ على نفسه أبواب القدح والتجريح،وبمقدار رسوخه فيهما؛ يكون قد اقترب من الحق والصواب.

وقد ذكر المجربون من العلماء معالم هداية للوصول للمعرفة الصحيحة، بقولهم:
( فطالب العلم في بدايته شرطه الاستماع والقبول، ثم التصور والتفهم، ثم التعليل والاستدلال، ثم العمل والنشر) فمتى قد رتبة عن محلِّها حرم الوصول لحقيقة العلم من وجهها.

الأمر الثاني: أن يكون قد رسخ في العلم الذي هو بصدده، فمن لم يكن متمكنا فيه فماذا سيبدع؟ أو أي شيء سيستدرك، وماذا يفهم ليشرح؟..

وإن من تمام الرسوخ في علم ما:
1. معرفة المصطلحات الخاصة به، ودلالاتها بدقة.
2. التفريق بينها عند تداخلها بمصطلحات علم لآخر.
3. حسن استعمالها فيه: تعبيراً وتحبيراً.

قال الشاطبي في (الموافقات):.. الطريق الثاني مطالعة كتب المصنفين ومدوني الدواوين، وهو نافع في بابه بشرطين:
1) أن يحصل به فهم مقاصد ذلك العلم المطلوب، ومعرفة اصطلاحات أهله، ما يتم به النظر في الكتب.
2) أن يتحرى كتب المتقدمين من أهل العلم المراد، فإنهم أقعد من غيرهم من المتأخرين.

كما أنه ليس من العلم أن ينقل مصطلحات العلوم الأخرى التي يتشابه لفظها مع مصطلحات هذا العلم، ويكثر من تعريفها والإشارة إليها.

ب - معرفة ميدان البحث، والتمكن منه:
يجب على الباحث في ميدان أن يُلمَّ بأبعاد ميدانه الذي يخوضه معرفة تامة، قبل أن يشرع، وذلك من خلال:
1) الاطلاع على أحوال ذلك العلم، وأمهات كتبه، التي شهد لها أهل الاختصاص بالقبول.
2) أن يتناول كتابا جامعاً منها، فيدرسه بإتقان.
3) ثم يطلع على ما كتبه المعاصرون من أبحاث ورسائل حوله.
4) كثرة التفتيش والمطالعة، والتحقيق والمراجعة.
5) النظر في كلام مختلف الأئمة؛ ليعرف المتفق والمختلف، والواضح والمشكل.

فهذا يجعله من أهل الاختصاص بحق وصدق.

والتمكن هو المَلَكة، فمن لم تكن عنده ملكة في تخصصه، وحذق في مسائل ذلك التخصص على العموم، فلن يكون في التصنيف والتأليف قادراً على التصرف، أو تقديم جديد.

ج - البحث العلمي، وفائدته الإنسانية:
يلزم الباحث أن يلاحظ الفائدة التي سيسديها للناس حوله، وهل سيقدم حلاًّ لمشكلة متوقعة أو قائمة، عامة أو خاصة، وإلا فلن يكون لعمله أثر ولا فائدة، بل مضيعة للوقت.

وإننا نسمع اليوم عن أناس يحاضرون عن السبحة، والقميص، ولون أصحاب الكهف، ويبحث عن الإماء والعبيد؛ وهذا غباء لا مثيل له. ومن هذا المنطلق كان سلفنا عندما يُسألون عن حكم، يستفسرون: هل هذا كائن؟ فإن أكّدوا ذلك أجابوا لهم عنه وإلا فلا؟.

كما أن هناك مباحث لا صلة لها بالواقع؛ لأنها مباحث ميتة لن تتحرك أبدا، إما لأنها في غير زمانها ومكانها، أو أنها قد قُتلت بحثاً وانتهى الناس منها.

د- تقسيم البحث وإحكام خُطته:
بعد هذا، يبدأ الباحث بوضع تصور شمولي عن بحثه، فيقسمه إلى أبواب بحب كبره، وفي الباب الواحد فصول، وفي الفصل الواحد مباحث، أو فقرات؛ بهذا يقدم القضية المطروحة وحلها، من جميع جوانبها بما لها وعليها.

ويجب أن يراعي في ذلك:
1) تمهيد القضية الداعية إلى إيجاد هذا البحث، في المقدمة.

2) أهمية الوقوف عليها، ومسوغات ذلك.

3) ثم يقسِّم موضوعه إلى أجزاء سميناها أبوابا وفصولا.

ومن وسائل اكتساب المعارف الحسية؛ التقسيم والجمع: أي التقسيم الكلي إلى جزئياته و إلى أصنافه، وجمع الجزئيات المتفرقة في كلياتها؛ المسماة السبر والتقسيم؛ وما التقسيم للبحث ألا لتحقيق هذه الغاية المبنية من درس الجزئيات، ووضعها تحت الكليات.

4) لا بد أن يكون الباب الأخير متناولاً قمة الفكرة وتمام الرأي، ويكوِّن بذلك ثمرة كاملة لما تقدمه من أبواب وفصول؛ لأنه خلاصة حَلهِّا ونهايةُ القول فيها.

5) الخاتمة؛ تأتي لتبين لنا - بإيجاز وتركيز - القول الفصل والرأي المَرضِي.

ومن أهم أسباب الاهتمام بكتب الإمام الشافعي رحمه الله كما قال البيهقي:
1. حسن التنظيم والترتيب.
2. ذكر الحجج في المسائل مع مراعاة الأصول.
3. تحري الإيجاز والاختصار.

هـ- جمع المعلومات بوعي وبصيرة:
بعد وضع المخطط الشمولي للبحث، يبدأ بالقراءة الهادفة، وجمع المعلومات التي تنضوي تحت بحثه، وتتعلق بدراسته من قريب أو بعيد، ويجب عليه أن:
1. يعرف قيمة كل كتاب على خير وجه.
2. توجهات كل مؤلف؛ ليتأتى الاستفادة منه.
3. يعرف مواطن القوة والضعف فيه، ليعتمد هذا ويتجنب ذاك.
4. معرفة ما زاده غيره، أو تفرد به، وأصالته أو عدم أصالته في ميدانه، فإن لم يكن في الكتاب ما ذكرنا فلا يضيع الباحث الوقت فيه؛ كما قال ابن العربي.
5. أن يجمع المادة بيقظة وحذر ووعي، فيكتب كل ما يمكنه أن يستفيد منه في البحث، كما قال المحدِّثون (إذا كتبت فقمِّش، وإذا حدَّثت ففتِّش)، وللجمع طرق أهمها:
ضم المعلومات في بطاقات صغيرة، ويضع لها عناوين كبرى عامة، ثم عناوين صغرى، أو أن يكتب على أوراق كبيرة يضمها تبعاً الأبواب والفصول؛ كلٌّ حسب فهمه وإدراكه واستعداده.

و- إحكام النظر في المادة العلمية، و صياغتها، وترتيبها:
بعد جمع المادة، وتوثيق ما جمعه، لا بد له من طول النظر فيه وتجوال الفكر على صفحاته، وتقليب الرأي في جنباته، ويدون مع كل فكرة ما يستنبطه، وغلى جانب كل قول ما يستفيده.

ثم يبدأ بصوغ مادته المتوفرة، ويبينها بالكيفية التي تحلو له.

ويتوجب عليه أن يراعي عرض الفكرة الواردة، حسب الأقدم فالقدم، ممن تعرض لها أو طرحها، من نشأتها إلى نموها واتساعها، إلى بلوغها غايتها وإحكامها، على ما اعتراها من معارضة أو مناقضة، أو تأييد أو موافقة، وما لحق بها من تفسير وتعليل، وبيان وتفصيل، مقدما في ذلك أصل المسألة من آي القرآن، وصحيح السنة النبوية، قال الإمام النووي: (فلهذا لا أترك قولا، ولا وجها، و نقلا، ولو كان ضعيفا أ و واهيا؛ إلا ذكرته إذا وجدته إن شاء الله تعالى، مع بيان رجحان ما كان راجحا، وتضعيف ما كان ضعيفا... ).

ويجب عند نقل فكرة عن مصنف أن يستوعبها كلها، ويدرك قائلها من ناقلها، وصاحبها من منتحلها.

ويعرض لتفسير الآية والحديث من مصادرها المعتمدة، حسب الأقوى فالأقوى، أو حسب ما يراه موصلا للهدف. وفائدة طريقة تقديم الأقدم والأقوى:
تبيين مدى تطور الأفكار، أقدار أهل العلم ومراتبهم منه، إدراك أثر الزمان والمكان، بيان موضع الخلل والنقص في الفكرة؛ ومَن تممّها أو عدَّلها أو أصلحها، إظهار قيمة عمله هو، وأهمية تصنيفه ومدى الحاجة إليه.
يتبع


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 27.79 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 27.17 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (2.24%)]