عرض مشاركة واحدة
  #18  
قديم 03-10-2019, 04:23 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 22,551
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الحكمـة ضالـة المؤمن ***متجددة

الحكمة ضالة المؤمن (18)إن الديــن يســــر



د.وليد خالد الربيع









عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي [ قال: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ؛ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَةِ» أخرجه البخاري.




فمن خصائص الإسلام ، ومن سمات الشريعة السماحة واليسر ورفع الحرج ، وهذا الحديث فرد من جملة أدلة تدل على ذلك منها قوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}، وقال تعالى: {يريد الله أن يخفف الله عنكم}، وقال سبحانه: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}، وقال تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج}، وقال [: «أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة»، وقال لمعاذ وأبي موسى لما بعثهما إلى اليمن: «يسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفّرا»، وقالت عائشة- رضي الله عنها-: «ما خُيّر رسول الله [ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما»، ونصوص كثيرة حول هذا الأصل.

وللأسف فإن بعض الناس يسيء فهم هذا الحديث وأمثاله، فيظن أن التهاون في بعض الواجبات، والوقوع في بعض المحرمات، والتنازل عن بعض الثوابت، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يظن أن ذلك من باب أن الدين يسر.

إلا أن المفهوم الصحيح لسماحة الدين ويسره يتمثل فيما قاله الحافظ ابن حجر رحمه الله: «أي دين الإسلام ذو يسر أو سُمِّيَ الدين يسرا مبالغة بالنسبة للأديان قبله؛ لأن الله رفع عن هذه الأمة الإصر الذي كان على من قبلهم، ومن أوضح الأمثلة له أن توبتهم كانت بقتل أنفسهم وتوبة هذه الأمة بالإقلاع والعزم» اهـ.

وقال الشيخ ابن سعدي :» ما أعظم هذا الحديث، وأجمعه للخير والوصايا النافعة، والأصول الجامعة. فقد أسّـس[ في أوله هذا الأصل الكبير، فقال: «إن الدين يسر» أي ميسر مسهل في عقائده وأخلاقه وأعماله، وفي أفعاله وتُروكه؛ فإن عقائده التي ترجع إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقَدَر خيره وشره: هي العقائد الصحيحة التي تطمئن لها القلوب، وتوصِّل مقتديها إلى أجلِّ غاية وأفضل مطلوب، وأخلاقه وأعماله أكمل الأخلاق، وأصلح الأعمال، بها صلاح الدين والدنيا والآخرة. وبفواتها يفوت الصلاح كله. وهي كلها ميسرة مسهلة، كل مكلف يرى نفسه قادراً عليها لا تشق عليه ولا تكلفه، عقائده صحيحة بسيطة. تقبلها العقول السليمة، والفطر المستقيمة. وفرائضه أسهل شيء.

ثم إذا نظر العبد إلى الأعمال الموظفة على العباد في اليوم والليلة المتنوعة من فرض ونفل، وصلاة وصيام وصدقة وغيرها، وأراد أن يقتدي فيها بأكمل الخلق وإمامهم محمد [ رأى ذلك غير شاق عليه، ولا مانع له عن مصالح دنياه، بل يتمكن معه من أداء الحقوق كلها: حقّ الله، وحقّ النفس، وحقّ الأهل والأصحاب، وحقّ كلّ من له حقّ على الإنسان برفق وسهولة، وأما من شدد على نفسه فلم يكتف بما اكتفى به النبي [، ولا بما علَّمه للأمة وأرشدهم إليه، بل غلا، وأوغل في العبادات: فإن الدين يغلبه، وآخر أمره العجز والانقطاع، ولهذا قال: «ولن يَشادَ الدينَ أحد إلا غلبه» فمن قاوم هذا الدين بشدة وغلو، ولم يقتصد: غلبه الدين، واستحسر ورجع القهقرى. ولهذا أمر [ بالقصد، وحثّ عليه. فقال: «والقصدَ القصدَ تبلغوا».

فعلمت بهذا: أنه يؤخذ من هذا الحديث العظيم عدة قواعد:

- القاعدة الأولى: التيسير الشامل للشريعة على وجه العموم.

- القاعدة الثانية: المشقة تجلب التيسير وقت حصولها.

- القاعدة الثالثة: إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم.

- القاعدة الرابعة: تنشيط أهل الأعمال، وتبشيرهم بالخير والثواب المرتب على الأعمال.

- القاعدة الخامسة: الوصية الجامعة في كيفية السير والسلوك إلى الله، التي تغني عن كل شيء ولا يغني عنها شيء، فصلوات الله وسلامه على من أوتي جوامع الكلم ونوافعها»اهـ.

ومن أبلغ الأدلة على سماحة الدين ويسر الإسلام (تشريع الرخص)؛ فالرخصة الشرعية هي حكم استثنائي من حكم كلي شرعت مراعاة لأحوال الناس وحاجاتهم، وقد شرعها الله رحمة بعباده وتخفيفا عنهم كما قال عز وجل: {يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا}، فمن عجز عن الوضوء لفقد الماء أو عدم القدرة على استعماله يتيمم، ومن عجز عن الصلاة قائما صلى قاعدا، ومن عجز عن صيام أيام من رمضان أفطر وقضى أو فدى بشروطه، وغيرها من الرخصة الشرعية التي جاءت بها النصوص الشرعية لتيسر على المكلفين امتثال الأحكام الدينية وترفع عنهم الحرج والضيق، أما اتباع الهوى والبحث عن الحيل لإسقاط التكاليف، وفتح الأبواب إلى المحرمات، فهذه ليست برخص شرعية إنما هي لعب بالأحكام الشرعية، وعبث بالتكاليف الدينية؛ لأن التيسير والتخفيف في حقيقته (حكم شرعي ) ينبغي أن يستند إلى الأدلة الشرعية والقواعد الكلية، أما التيسير المردود فما كان تابعا للهوى بغير دليل شرعي ولا قاعدة كلية .

فلو قال قائل: كيف يتفق هذا المبدأ ـ وهو الدين يسر ـ مع التكاليف الشرعية التي هي إلزام المكلف بما فيه كلفة ومشقة كما يدل عليه أصل الكلمة اللغوي ؟

وقد أجاب عن هذا الإشكال الشاطبي رحمه الله حيث قرر أن المشقة أنواع:

- النوع الأول: مشقة لا يقدر عليها المكلف، كتكليف المقعد بالمشي وتكليف الإنسان بالطيران، فهذا النوع لم يقع التكليف به، ولم يقصده الشارع.

- النوع الثاني: مشقة مقدور عليها إلا أنها خارجة عن المعتاد: مثل إلزام المكلف بالوصال في الصوم، والاستمرار بقيام الليل، أو الصوم حال السفر أو المرض؛ فإن التكليف بهذه الأمور ـ وإن كانت مقدورة للمكلف ـ إلا أنه سيلحقه حرج شديد وضرر كبير مما يخل بنظام حياته ويفوت عليه مصالحه الدينية والدنيوية، فالشارع لا يشرع مثل هذا النوع من التكاليف التي فيها مثل هذا النوع من المشقة ، بل إنه سبحانه شرع الرخص التي تخفف عن الناس وترفع عنهم الحرج.

النوع الثالث: المشقة المقدور عليها إلا أنها زائدة على المعتاد: وهي المشقة الطبيعية التي يستطيع المكلف- تحملها من غير أن يلحقه ضرر في دينه ولا دنياه، مثل التكاليف بسائر الفرائض، وترك المحرمات، فهي في ذاتها ليست بشاقة، ولكن التزامها هو الشاق على النفس؛ لما فيه من الدخول في أعمال زائدة على ما اعتادته النفوس من أعمال الدنيا، فمثل هذه المشقة لا تمنع من التكليف بمقتضاها؛ لأن كل عمل في الحياة لا يخلو من مشقة، غير أن هذه المشقة ليست هي المقصودة للشارع الحكيم ، بل المقصود المصالح المترتبة على التكاليف التي كلفنا بها، كمثل الطبيب الماهر يلزم المريض بتناول الدواء المرّ لا يقصد بذلك إيلامه، وإنما يقصد سلامته من المرض، ولله المثل الأعلى.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 20.02 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 19.40 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (3.11%)]