عرض مشاركة واحدة
  #14  
قديم 04-05-2019, 11:25 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 22,160
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الحكمـة ضالـة المؤمن ***متجددة

الحكمـة ضالـة المؤمن (14) تعوذوا بالله من جار السوء في دار المقامة


د.وليد خالد الربيع




إكرام الجار خلق كريم أقره الإسلام، وزاد الاهتمام به بأن شرع له أحكاما وآدابا تضفي عليه صبغة العبودية لله تعالى عند القيام به، وذلك بربط الإحسان إلى الجار بالإيمان بالله عز وجل، وترتيب الأجر الجزيل على ذلك، ونفي الإيمان عمن يؤذي جيرانه، وغير ذلك من أحكام تجعل من القيام بحق الجار قربة تقرب المسلم إلى ربه عز وجل.

فمن الآيات التي توصي بالجار قوله عز وجل: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم} قال القرطبي: «أما الجار فقد أمر الله عز وجل بحفظه والقيام بحقه والوصاية برعي ذمته في كتابه وعلى لسان نبيه ، ألا تراه سبحانه أكد ذكره بعد الوالدين والأقربين»، وقال أيضا: «فالوصاة بالجار مأمور بها، مندوب إليها، مسلما كان أم كافرا وهو الصحيح، والإحسان قد يكون بمعنى المواساة وقد يكون بمعنى حسن العشرة وكف الأذى والمحاماة دونه».

ومن عظيم حق الجار على جاره أن الوحي تتابع لأجله، والوصاة به تكررت تأكيدا لحقه، وترسيخا لحفظ حرمته وذمته؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله [: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» أخرج البخاري ومسلم.

بل إنه [ جعل من كمال الإيمان إكرام الجار وكف الأذى عنه، فعن أبي شريح العدوي قال: سمعت أذناي وأبصرت عيناي حين تكلم النبي [ فقال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره»، وفي حديث آخر عن أبي هريرة: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره»، وقال [: «وأحسن إلى جارك تكن مؤمنا» أخرجه الترمذي.

وقد أكد النبي [ حق الجار بنفي الإيمان عمن لا يكف أذاه عن جاره ، فعن أبي شريح أن النبي [ قال: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن» قيل: من يا رسول الله؟ قال: «الذي لا يأمن جاره بوائقه» والبوائق جمع بائقة وهي الداهية والشيء المهلك والأمر الشديد الذي يوافي بغتة.

وقال ابن بطال: «في هذا الحديث تأكيد حق الجار لقسمه [ على ذلك، وتكريره اليمين ثلاث مرات، وفيه نفي الإيمان عمن يؤذي جاره بالقول أو الفعل، ومراده الإيمان الكامل، ولا شك أن العاصي غير كامل الإيمان».

ولهذا فإن أذية الجيران سبب لورود النار؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رجل: يا رسول الله إن فلانة تكثر من صلاتها وصدقتها وصيامها، غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، قال: «هي في النار»، قال: يا رسول الله، فإن فلانة يذكر من قلة صيامها وصلاتها، وأنها تتصدق بالأثوار من الأقط ولا تؤذي جيرانها، قال: «هي في الجنة» أخرجه أحمد وأثوار الأقط: القطع من اللبن المجمد المجفف.

ولما كان التأذي من الجار سببا للشقاء والتعاسة وعدم الاستقرار في العيش والسكن فقد أمر [ بالتعوذ من ذلك بقوله: «تعوذوا بالله من جار السوء في دار المقامة؛ فإن جار البادية يتحول عنك» أخرجه النسائي، وفي لفظ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ جَارِ سُوءٍ فِي دَارِ إِقَامَةٍ، فَإِنَّ جَارَ الْبَادِيَةِ يَتَحَوَّلُ» أخرجه ابن أبي شيبة والبخاري في الأدب المفرد، قال: المناوي في التيسير: «اللهم إني أعوذ بك من جار السوء» أي من شرّه «في دار المقامة» بضم الميم أي الوطن فإنه الشرّ الدائم والضرر الملازم (فإن جار البادية يتحوّل) فمدّته قصيرة فلا يعظم الضرر في تحملها.

قال الدكتور محمد لقمان السلفي في شرح الأدب المفرد: «دار المقامة: أي دار الإقامة؛ لأن الجار السيئ في دار الإقامة أحق بالاستغاثة منه لتتابع الأذى منه، ولا يزول عنه ظن الأذى في كل حال، وهي أشد من الأذى».

وقال [: «أربع من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء، وأربع من الشقاء: الجار السوء، والمرأة السوء، والمسكن الضيق، والمركب السوء» أخرجه ابن حبان.

والإحسان إلى الجار معنى كبير ينتظم أمورا كثيرة من المعروف والبر والصلة، قال الشيخ ابن أبي جمرة: «حفظ الجار من كمال الإيمان، وكان أهل الجاهلية يحافظون عليه، ويحصل امتثال الوصية به بإيصال ضروب الإحسان إليه بحسب الطاقة، كالهدية والسلام وطلاقة الوجه عند لقائه وتفقد حاله ومعاونته فيما يحتاج إليه إلى غير ذلك، وكف أسباب الأذى عنه على اختلاف أنواعه حسية كانت أو معنوية.

ويفترق الحال في ذلك بالنسبة للجار الصالح وغير الصالح، والذي يشمل الجميع إرادة الخير له، وموعظته بالحسنى والدعاء له بالهداية وترك الإضرار له.

وقد بين [ أن مجال الإحسان للجار لا حد لأقله، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله [: «يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة» أخرجه البخاري، قال ابن حجر: «أي: لا تحقرن أن تهدي إلى جارتها شيئا ولو أنها تهدي لها ما لا ينتفع به في الظاهر، ويحتمل أن يكون من باب النهي عن الشيء أمر بضده، وهو كناية عن التحابب والتوادد، فكأنه قال: لتوادد الجارة جارتها بهدية ولو حقرت، فيتساوى في ذلك الغني والفقير، وخص النهي النساء لأنهن موارد المودة والبغضاء ، ولأنهن أسرع انفعالا في كل منهما».

وقال [ مبينا حرص الإسلام على مشاركة الجار في أقل القليل تحقيقا للأخوة الإيمانية والتكافل الاجتماعي القائم على الحب في الله: «يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك» وفي رواية: «ثم انظر أهل بيت من جيرانك فأصب منهم بمعروف» أخرجه مسلم.

وجاء في حديث معاذ قالوا: يا رسول الله ما حق الجار على الجار؟ فقال: «إن استقرضك أقرضته، وإن استعانك أعنته، وإن مرض عدته، وإن احتاج أعطيته، وإن افتقر عدت عليه، وإن أصابه خير هنأته، وإن أصابته مصيبة عزيته، وإذا مات اتبعت جنازته، ولا تستطل عليه بالبناء فتحجب عنه الريح إلا بإذنه، ولا تؤذه بريح قدرك إلا أن تغرف له، وإن اشتريت فاكهة فأهد له، وإن لم تفعل فأدخلها سرا، ولا تخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده» ذكره ابن حجر في فتح الباري 10/446.

وعلى المسلم أن يتحرى بإحسانه وبره أقرب الجيران إليه فالأقرب، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: «إلى أقربهما منك بابا» أخرجه البخاري، وذلك لأن الأٌقرب من الجيران إلى الإنسان يرى ما يدخل بيت جاره من خيرات فيتشوف لها بخلاف الأبعد، وقيل: لأن الأقرب أسرع إجابة لما يقع لجاره من المهمات ولا سيما في أوقات الغفلة والراحة فيستحب اختصاصه بالصلة والإحسان.

ولعظيم حق الجار فإن إثم المعصية في حقه والاعتداء عليه مضاعف، فعن أبي ظبية الكلاعي قال: سمعت المقداد بن الأسود يحدث أن النبي [ سألهم عن الزنى فقالوا: حرام حرمه الله ورسوله، فقال: «لأن يزني الرجل بعشرة نسوة خير له من أن يزني بامرأة جاره، قال: وسألهم عن السرقة فقالوا: حرام حرمها الله ورسوله، فقال: «لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من بيت جاره» أخرجه البخاري في الأدب المفرد.

وقال [ لما سأله ابن مسعود: أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك» قال: قلته له: إن ذلك لعظيم، ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك» قلت: ثم أي؟ قال: «أن تزاني حليلة جارك» أخرجه الشيخان، قال النووي: «وذلك يتضمن الزنى وإفسادها على زوجها واستحالة قلبها إلى الزاني، وذلك أفحش وهو مع امرأة الجار أشد قبحا وأعظم جرما؛ لأن الجار يتوقع من جاره الذب عنه وعن حريمه ويأمن بوائقه ويطمئن إليه، وقد أمر بإكرامه والإحسان إليه، فإذا قابل هذا كله بالزنى بامرأته وإفسادها عليه مع تمكنه منها على وجه لا يتمكن غيره منه كان في غاية القبح».

ولم تفرق نصوص الكتاب والسنة الآمرة بالإحسان إلى الجار بين الجار المسلم وغير المسلم، بل أطلقت الأمر بالإحسان لعموم الجيران ليشمل كل من تجاورت بيوتهم على اختلاف دياناتهم، إلا أن الجار المسلم تبقى له الأفضلية في المعاملة والإحسان والصلة لاجتماع حق الإسلام وحق الجوار في جواره للمسلم، قال ابن حجر: «واسم الجار يشمل المسلم والكافر، والعابد والفاسق، والصديق والعدو، والغريب والبلدي، والنافع والضار، والقريب والأجنبي، والأقرب دارا والأبعد، وله مراتب بعضها أعلى من بعض، فأعلاها من اجتمعت فيه الصفات الأول كلها ثم أكثرها وهلم جرا إلى الواحد، وعكسه من اجتمعت فيه الصفات الأخرى كذلك فيعطي كلا حقه بحسب حاله، وقد تتعارض صفتان فأكثر فيرجح أو يساوي».

وقد فهم الصحابة الكرام هذا المعنى وامتثلوه، فعن مجاهد أن عبد الله بن عمرو ذبحت له شاة في أهله فلما جاء قال: أهديهم لجارنا اليهودي؟ أهديتم لجارنا اليهودي؟ سمعت رسول الله [ يقول: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» أخرجه الترمذي.


وجاء في الأثر: «الجيران ثلاثة: فجار له حق واحد وهو أدنى الجيران حقا، وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق، فأما الذي له حق واحد فجار مشرك ولا رحم له، له حق الجوار، وأما الذي له حقان فجار مسلم له حق الإسلام وحق الجوار، وأما الذي له ثلاثة حقوق فجار مسلم ذو رحم له حق الإسلام وحق الجوار وحق الرحم».
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 22.19 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 21.57 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (2.80%)]