الموضوع: ثمرات الصلاة
عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 27-09-2020, 04:20 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 47,871
الدولة : Egypt
افتراضي ثمرات الصلاة

ثمرات الصلاة
د. طالب بن عمر بن حيدرة الكثيري







الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102] أما بعد - عباد الله -:
فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلاله، وكل ضلالةٍ في النار.


معاشر المسلمين، دعوةٌ، دعاء بها إبراهيم خليل الرحمن، خليل الرحمن يدعو الله بدعاءٍ، ويسأل الله أن يتقبل منه دعائه، فأي شيءٍ دعاؤك يا خليل الرحمن؟، تدرون بأي دعوةٍ دعا: ﴿ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ ﴾ [إبراهيم: 40]، والمسيح عيسى ابن مريم، روح الله وكلمته، يلخص رسالته التي أرسله الله بها رحمة للناس، فيقول في كلماتٍ معدودات: ﴿ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ﴾ [مريم: 31]، ما دامت روحي في جسدي، وما دامت الحياة تدب في عروقي، فقد أوصاني الله ما بقيت حياً أن أحافظ على صلاتي وزكاتي، أن أقوم عليهما، أن أرعى حقوقهما، أن ألوذ وأعتصم بهما، ﴿ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ﴾ [مريم: 31].


إنها صلاتك، إنها صلتك بربك، إنها مفرحة القلب، ومقوية النفس، وطاردة الهم، وجالبه البركة، إنها مبيضة الوجه، وجالبة الرزق، وحافظة الذرية، إنها صلاتك، كل فرائض الإسلام فرضت ورسولك محمد - صلى الله وسلم على محمد - كان على الأرض، لكن لما أراد الله أن يفرض على رسولك الصلاة رفعه إلى سدرة المنتهى، إنها صلاتك، وصية محمدٍ الأخيرة قبل موته: "الصلاة الصلاة، الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم"، إياك أن تفرط فيها وأن قُطعت أو حُرقت.


إن الصلاة - يا عباد الله - لها من الفوائد، ما يجعل أحدنا يحرص عليها كل الحرص، ويستمسك بها خصوصاً في دنيا الأحزان، إن من فوائد الصلاة - يا عبد الله- أنها تخلصك من هموم الدنيا، ومن مشاغلها، ونكدها، وتعبها، فتنـزوي في زاوية، تبتعد بها عن دنياك، وعن همها ونكدها، وتقبل في هذه اللحظات إلى مولاك، إنها معراج الروح، إلى رب الأرض والسماء، فإذا بك له تركع، ولأجله تسجد، ولوجهه الكريم تدعو، وإذا بك تركت الناس، وأخذت تسبح وتقدس وتحمد وتسأل رب الناس، فارتاحت نفسك، وقوي قلبك، وأمدك الله سبحانه وتعالى بقوته وعونه.


إنها الصلاة، يضيق صدرك، يا ضائق الصدر، كم في الدنيا من هموم وغموم؟!، ألا أدلك على ما يجلو به همك، ويذهب به غمك؟، ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ ﴾ [الحجر: 97]، حتى محمد عليه الصلاة والسلام كان يضيق صدره، فإلى من يلجأ؟!، ماذا يفعل؟!، أي دواء يتعاطى؟، أي وسيلة هي التي تسلي القلب؟، هل هي المعاصي؟، هل هي الذنوب؟، هل هي السلا المحرم؟ لا، ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾ [الحجر: 97 - 99]، هكذا كان رسولك عليه الصلاة والسلام، حمل هداية الأمة، على عاتقه، حمل هم اليتيم، والمسكين، والضّال، والبعيد، لكنه كان عليه الصلاة والسلام إذا أقلقه أمرٌ، أو حزبه فزع إلى الصلاة، هذا في شأن صلاة النافلة، وكان يقول "يا بلال، أرحنا بالصلاة"، وهذا في شأن صلاة الجماعة، أرحنا بالصلاة، إنها الراحة يا من فقد الراحة.


إن من فوائد الصلاة، أن فيها نهيًا عن الفحشاء والمنكر فيما تستقبل من الأيام، تضعف النفس مع الفتن، يخطئ الإنسان مع تلاطم بحار الشهوات، فأي شيء يحفظه؟، وأي شيءٍ يقيه؟، ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ [العنكبوت: 45]، جعلها الله موزعة على مدار اليوم، ليله ونهاره، وهي أكثر في ساعات اليقظة، لكي تجدد العهد بالله كل حين، فأنت إما خارج من صلاة، وإما داخل في صلاة، فمتى تفعل الذنب، وأنت تراقب الله سبحانه وتعالى؟؟!، وفيها أيضاً، تكفيرٌ للسيئات التي مضت، لن تجد مثل الصلاة، إذا قمت تصلي وضِعت سيئاتك على عاتقك، فإذا كبرت وسجدت، وإذا بها تتساقط عنك، وإذا بك تخرج من ذنوبك كيوم ولدتك أمك، إنها الصلاة، تكفيرٌ للسيئات، من منا لم يذنب؟، من منا كلما تذكر ذنبه زاده هماً وغماً وألماً؟، كان يود أنه لم يفعله، وهو الآن يود لو يمحى عنه، إنها الصلاة، جاء رجلٌ إلى رسولك صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فقال: يا رسول الله، لقيت امرأة لا أعرفها، فأصبت منها ما يصيب الرجل من امرأته، غير أني لم أجامعها، فسكت صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فمن الذي سيجيب الرجل؟، فعل معها ما يفعل الرجل مع امرأته غير أنه ما جامعها، من الذي سيجيب الرجل إذا سكت رسول الله؟، إنه الله سبحانه وتعالى تكفل بالإجابة، فقال له سبحانه: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ ﴾ [هود: 114]، أي الفجر والعصر، ﴿ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ ﴾ [هود: 114]، أي المغرب والعشاء، ﴿ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ﴾ [هود: 114]، فقال رسولنا صلى الله عليه وسلم للرجل: "قم توضأ، وصلِ"، وأنت إذا أذنبت ذنبًا، وخشيت الله أن يأخذك بالذنب، فقم توضأ وصلِ ركعتي التوبة، قلنا: يا رسول الله، أهي له خاصة أم للمؤمنين عامة؟، قال صلى الله عليه وسلم: "بل هي للمؤمنين عامة".



إن من فوائد الصلاة أنها تحفظ لك جسدك، تنتشر الأمراض، فهذا يعاني من مرض، والآخر من غيره، وكثرة الأدوية، ويبحث الإنسان عن الصحة، وتجد في حركات الصلاة ما يقوي البدن، ويدفع عنه الداء، وتجد في أذكار الصلاة ما يقوي القلب، ويجعله أنشط في دفع الأمراض، ترى من الناس من يأمر بالصحة الوقائية، فتسأله، فيخبرك بالتمارين الرياضية، وهذا كذا، وهذا كذا، وهذا لعضلات كذا، وهذا ينفعك في كذا، ويبحث الإنسان عن الصحة، مع قراءته واستماعه لهذه التوجيهات، وإذا به يتفاجأ بأن رسوله عليه الصلاة والسلام يدله على ما هو أحسن من هذا وأكبر، إنها الصلاة، وخصوصاً إذا طالت، طالت في حركاتها، طالت في ركوعها، طالت في قيامها، طالت في سجودها، ورسولنا يوجهنا ويقول لنا: "عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين من قبلكم، وقربة إلى الله ربكم، ومنهاة عن الإثم، ومكفر للسيئات، ومطردة للداء، عن الجسد" هكذا يقول رسولك وحبيبك صلى الله عليه وسلم يحفظ لك صحتك.


إن من فوائد الصلاة، أنها تُعلم المؤمن ترتيب الوقت، وانتظام المواعيد، صلاة لها وقتٌ محدد لا تقبل قبله، ولا تقبل بعده، لابد أن تنتظم في أدائها، وصلاة تعلّم الناس درجات الانتظام؛ فمن كان يبكر من أول الوقت، فهذا هو الأفضل، ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾ [النساء: 103]، كم قرأنا وبحثنا عن دورات إدارة الوقت، وكيف تنظم وقتك؟، وتأتي الصلاة، لتنظم لك أوقاتك النهارية، وأوقاتك الليلية، وتنظم بها أنت من حولك، فتعده وتقابله بعد الصلاة أو قبل الصلاة.


إنها الصلاة، صورةٌ جميلة من صورة اتحاد الأمة ووحدتها، ومع تفرق الناس وكثرة الفتن، والقتال والحروب التي لا تنتشر إلا في بلاد الإسلام، يحزن القلب، ويكثر كلام السياسيين والمحللين، يبحثون عن اجتماع هذه الأمة، ثم تأتي لوحة جميلة، وصورة تبعث الأمل في النفوس، وتجدد الأمل في اتحاد المسلمين، أيّ صورةٍ هذه؟!، (الله أكبر الله أكبر)، وإذا بمؤذن المسجد الحرام يؤذن، وإذا بالمسلمين يصفون بالملايين، في صفوف منتظمة، ولا يتقدم أحدٌ منهم ولا يتأخر قبل إمامه، اختلفت لغاتهم، واختلفت أجناسهم، لكنهم كلهم يعرفون معنى الله أكبر فيركعون، ويعرفون كلهم سمع الله لمن حمده فيقومون، فما أجمل هذا والله!، أما والله لو أننا أتقنا الصلاة بالقلوب كما أتقناها بالأبدان، إذن لتوحدت هذه الأمة المحمدية، وكانت عزتها.


أيها المؤمن - يا عبد الله - تخرج مبكراً، تتعب في طلب الرزق، همك رزق الغد، ورزق بعد الغد، ورزق السنوات المقبلة، وتقرأ، وتسمع، كيف تقيم مشروعًا من مشاريع صغيرةٍ أو متوسطة؟، وتريد أن توفر مصروفاً وتجمع مالاً، تدخره لدائرات الأيام، عفواً، دعني مع اشتغالك بهمّ الكسب والرزق وأنت فيه مأجور، أن أنبهك تنبيهاً: إذا اشتغلت بالرزق فلتشتغل به الجوارح، أما القلب فليتعلق بالرازق سبحانه، إن الله أمرك بعبادته، وتكفّل هو برزقك، فلا تضيع العبادة لأجل الرزق، افعل ما أمرك الله، وسيتكفل الله لك بما وعدك، ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ﴾ [طه: 132]، أخي المسلم، إن الله أمرك بعبادته، فإذا عبدته تكفل برزقك، فلو سعيت بأدنى سبب، ولا بد من السبب، لأمطر الله عليك الرزق، ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾ [الذاريات: 56 - 58]، إن من أعظم أسباب الرزق، أن تتوكل على الرزاق سبحانه.


يا من تخاف على مستقبل أولادك، وتريد حفظ الذرية، وتقرأ كثيراً، وتتعلم كثيراً في وسائل التربية الحديثة والمعاصرة، ألا فاعلم أن من أجمل الأسباب التي ترعى بها ذريتك أن تحافظ أنت على صلاتك، كان إمام التابعين سعيد بن المسيب يقول لولده: لأكثرن من الصلاة، رجاء أن يحفظني الله فيك، ويقرأ قول الله تعالى: ﴿ وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا ﴾ [الكهف: 82]، ومن ذلك أن تتذكر ما بدأتُ به هذه الخطبة، خليل الرحمن يترك ذريته، في وادٍ غير ذي زرع، يترك زوجته وابنه في مكان قفر، لا ماء، لا أنس، لا حياة، لكن يتركهم عند البيت المحرم، ويقول: ﴿ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ ﴾ [إبراهيم: 40]، ادعُ الله لأولادك بالصلاة، فإذا صلوا حفظهم الله لك، وحماهم الله لصلاتهم، وعلّمه يا ولدي احفظ الله يحفظك، يا ولدي أنا مهما كنت سندك وظهرك، فإني سأموت وأتركك، لكني أوكلك للحي الذي لا يموت، يا ولدي احفظ الله يحفظك.


اللهم احفظنا في ذرارينا، اللهم اجعلنا مقيمين الصلاة ومن ذريتنا، اللهم وتولنا برحمتك، قلت: ما سمعتم، واستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر لله على توفيقه وامتنانه، أحمده ربي تعظيماً لشأنه، وأصلى وأسلم على رسوله الداعي إلى رضوانه، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.


لمّا سمى الله سبحانه وتعالى الصلاة في القرآن قال ربي: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ﴾ [البقرة: 143]، فسمّى الصلاة إيماناً، ولمّا أراد صلى الله عليه وسلم أن يبين لنا أهمية الصلاة في الدين، قال: "وعموده الصلاة"، فهي عمود هذا الدين.


إنها الصلاة -يا عباد الله- جالبة الرزق، حافظة الذرية، مبيضة الوجه، مقوية القلب، مسلية النفس، دافعة المرض، مقرّبة من الرحمن، إنك لن تجد في هذه الحياة رجلين، ابتليا بنفس الهم، ونفيس المحنة، ونفس الفتنة، إلا وجدت أقلهما منها حظاً ذاك المصلي، وأحسنهما عاقبة.


فإن سألتني، وقد اشتقت أنا وإياك لهذه الصلاة، التي كنت أبحث، وأقرأ، واستمع لكثير من الكلام باحثًا عن هذه الفوائد، وإذا بك - الآن - تنبهني على ما كنتُ قد نسيته، نبهتني أن كل هذه الفوائد التي أبحث عنها، جعلها الله في قربي منه في صلاتي، فكيف أحصل عليها؟، وأنا أصلي، وأجد شيئاً مما ذكرتَ وأفقد أشياء؟، فأحياناً أُرزقـ وأحياناً يُتعسر، وأحياناً أُحفظ من المرض، وأحياناً أُصاب، وأحياناً يقوى قلبي، وأحياناً أعيش لياليٍ طويلة بهم وغم، مع أني أصلي، فإني أجيبك -أخي الكريم-، على قدر ما تعطي صلاتك على قدر ما تعطيك، فإذا أردت أن تظفر بنصيبٍ كبير مما سمعت من ثمرات الصلاة، فصلِ صلاةً خاشعة، لا تنشغل بغيرها، لا في خطرة، ولا في فكرة، ولا في لحظة، اقبل على صلاتك بكليتك، ووالله ما أن تسّلِم إلا وتشعر بالبرد نزل على قلبك، وبالتوفيق والسداد كان معك مصاحباً لك، نعم، صعبة، لكن ثمراتها كبيرة: ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾ [البقرة: 45].


فإن قلت: ذكرتَ ما أبحث عن جوابه، ورجعنا في المشكلة من جديد، فكيف أصلي صلاةً خاشعة؟، فأقول: يقول ربي: ﴿ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ [البقرة: 45، 46]، إذا قمت في الصلاة فصلِ صلاة مودع، "اذكر الموت في صلاتك؛ فإن الرجل إذا ذكر الموت في صلاته حريٌ أن يحسن صلاته"، ﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ [البقرة: 46].


والثانية: لكي تدرك هذه الثمرات التي تبحث عنها كثيراً، عليك بقيام الليل، فيه السلوى والنجوى بينك وبين الله، عليك بقيام الليل، خصوصاً هذه الليالي، طال الليل فيها حتى أن الإنسان ينام ويقوم، وينام ويستيقظ، ويشبع من كثرة النوم، فما أجمل أن تجعلها في قيامٍ لوجه الله سبحانه!، ما أجمل هذا والله!، يُسأل صلى الله عليه وسلم عن أفضل الصلاة؟، فيقول: "طول القنوت"؛ يعني طول القيام، وأنت تقرأ القرآن، وتذكر الرحمن، وتدعو الله الملك الديان، وأنت تركع وتسجد لله سبحانه تسأله الجنان.


قيام الليل – أيها الإخوة-، قيام الليل: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر"، ثم قال عليه الصلاة والسلام: "اقرؤوا إن شئتم"، تدري لمن هذه؟، للذين وصفهم الله: ﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [السجدة: 16، 17].


يا صاحب الهم، يا صاحب الغم، يا صاحب المرض، يا صاحب الحاجات، الله الله في محراب الليل، والناس سكون، وأنت تشكو إلى ربك، وتسأله من فضله سبحانه، ومن أجره سبحانه، وأجر الله غير ممنون، رأوا رجلاً، يقال له أبو فاطمة الأزدي، وقد اسوّد جبينه، واسودت ركبته، فقالوا: ممَّ هذا يا أبا فاطمة؟، ممَّ هذا يا أبا فاطمة؟، قال: جئت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: أخبرني بعمل أعمله واستمسك به، يريد عملأ واحدًا، فماذا قال له عليه الصلاة والسلام؟، قال: "يا أبا فاطمة، إذا أردت أن تلقاني"، وفي رواية: "يا أبا فاطمة، أكثر من السجود، فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة"، إلى أي درجة؟، يقول عليه الصلاة والسلام: "حتى تلقاني".


اللهم فاجمعنا بحبيبنا ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم اجمعنا بحبيبنا ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم في أعلى جنات النعيم، اللهم اجمعنا على حوضه يا رب العالمين، اللهم اجمعنا حوله في جناتٍ النعيم، اللهم شفّع محمداً صلى الله عليه وسلم فينا، وفي رفعة درجاتنا، اللهم اجعلنا مقيمين الصلاة ومن ذرياتنا، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم احفظنا بالإسلام قائمين، واحفظنا بالإسلام قاعدين، واحفظنا بالإسلام راقدين، اللهم واحشرنا مع المصلين، وادخلنا من باب الصلاة يا رب العالمين، اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأنت تغفر لنا وترحمنا يا رحمن يا رحيم، وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، اللهم فك الحصار عن المحاصرين، اللهم فك الحصار عن المحاصرين، اللهم ارحم إخواننا المستضعفين، اللهم انصر إخواننا المظلومين، اللهم اجعل بلدنا هذه خاصة، وبلاد المسلمين عامة، بلد أمن وإيمان وسلامة وإسلام، اللهم اجمعنا على كتابك وعلى سنة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم آمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 31.52 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 30.89 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (1.97%)]