عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 18-09-2020, 03:20 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 47,699
الدولة : Egypt
افتراضي يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة

يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة


د. محمد بن لطفي الصباغ







يقول الله - تبارك وتعالى -: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ [البقرة: 208].



السِّلم في الآية هو الإسلام؛ كما قال ابن عباس - رضِي الله عنهما - أي: يأمر الله - سبحانه - الذين آمَنوا أنْ يدخلوا في الإسلام في جميع شرائعه.



قال ابن كثير: "يقول -تعالى- آمِرًا عبادَة المؤمنين به المصدِّقين برسوله أنْ يأخُذوا بجميع عُرَى الإسلام وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره ما استَطاعُوا من ذلك".



إنَّنا مُطالَبون أنْ ندخل في الإسلام في كلِّ أحكامه، وعندئذٍ نكون مسلمين حقًّا، وهذا الذي كان عليه أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لقد وقَف الصحابي الجليل والخليفة العظيم الأوَّل سيدنا أبو بكرٍ الصديق - رضِي الله عنه - الموقف العظيم عندما قال عن قومٍ رضوا بأنْ يأتوا بأركان الإسلام كلها إلا الزكاة، قال: والله لأقاتلنَّ مَن يُفرِّق بين الصلاة والزكاة.



إنَّ الإسلام كلٌّ لا يتجزَّأ، وكلُّ مَن اقتصر على الأخْذ بجزء وواحد منه وأهمل الأجزاء الأخرى ضلَّ ضلالاً بعيدًا ووقَع في الفتنة.

وقد أنكر الله - عزَّ وجلَّ - على بني إسرائيل أنْ يؤمنوا ببعض الكتاب ويكفُروا ببعض؛ فقال -تعالى-: ﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 85].



ويلجأ أعداء الله فيعمدون إلى مَقالةٍ من هذا القَبِيل فيقول قائلهم: إنَّنا نقبَل منكم أنْ تأخُذوا من الإسلام النِّظام الروحي، وقانون الأحوال الشخصيَّة، ثم نُطالِبكم بالأخْذ بالأنظِمة المعاصرة، فهذا يتَّفق ورُوح العصر ويجعَلكم في مَصافِّ الأمم المتقدِّمة، خُذُوا من هذه الأمم القانون المدني، والقانون الجنائي، والأنظِمة الاقتصاديَّة، إنها مرحلةٌ لزَحزَحتنا عن دِيننا؛ ولذلك فقد حذَّر الله - تبارك وتعالى - رسولَه من هذه الخطوة فقال: ﴿ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ [المائدة: 49].



إنَّ من الواجب أنْ نأخُذ بكلِّ ما جاء في الكتاب والسنَّة، وألاَّ نقتصر على جانبٍ ممَّا جاء فيهما، ذلك هو الحق، إنَّ الدُّخول في الإسلام كلِّه يحتاج إلى عزيمةٍ وهمَّة، وتخطيط وجُهد وصبر، أمَّا الاقتصار على جانبٍ فَذاك أمرٌ سَهل، ولا يحتاج جُهدًا ولا عَناءً.



إنَّ المسلمين عندما يعمَلون الصالحات، ويُطبِّقون أحكامَ الإسلام كلها فيُؤدُّون الواجبات ويترُكون المحرَّمات، ويتخلَّقون بالخُلُق الإسلامي العظيم - يكونون عندئذٍ قد حقَّقوا للناس واقعَ الإسلام العظيم، ولكنَّهم عندما يقتصرون على بعض الجوانب من الإسلام ويترُكون الجوانب الأخرى يكونون صورةً للإسلام لا حقيقة له، فهم قانِعُون بالمظاهر...



ونحن المسلمين عندما فاجأَتْنا الحضارة النصرانيَّة الغربيَّة الحقودة واجَهْناهم بصورة المسلمين لا بحقيقتهم، وهم واجَهُونا بحقيقة القوَّة والعلم، فانتصرت الحقيقة على الصورة.



فقضوا على دولة الخلافة، واستولوا على بلادنا، وقسموها وتقاسَموها، ووضعوا الخطط لإفساد شَبابنا وبَناتنا، وما يزالون ينكلون بنا عن طريق إسرائيل وعملائهم.



لا بُدَّ لنا من أنْ ندخل في الإسلام كافَّة من جديد، وكنت قد قرأت مقالةً بهذا المعنى عنوانها: "بين الصورة والحقيقة"...

وقد أُعجِبت بها، يقول كاتبها أبو الحسن الندوي - رحمه الله -: "إنَّ كلَّ شيءٍ له صورة وحقيقة، وبينهما فرقٌ كبير رغم الشَّبَه العظيم، تُميِّزون بينهما بسُهولةٍ في حَياتكم، وتُعامِلون الحقيقة بما لا تُعامِلون به الصورة.



وأضرب لذلك مثَلين: هذه مثلٌ للثمار المصنوعة من الخزف، تتراءى للناظر كأنها تفاح ورمان وبرتقال وعنب وموز في لونها وشكلها، ولكن أين الصورة من الحقيقة؟ وأين طعم هذه الثمار ورائحتها؟ إنها ليست إلا للزينة.



إنَّكم ترَوْن في المتحف كلَّ نوعٍ من السباع والأنعام والطيور الجميلة، والعصافير الصغيرة؛ ففيها الأسد والذئاب والأفيال والدببة، وفيها كلُّ طائرٍ جارح، وكلُّ سبع مخيف، ولكنَّها جُثَثٌ هامدة لا حراك بها، وأجساد ميتة محشوَّة بالليف والقطن، ليس فيها رمق من حَياة وقوَّة تهجم بها وتَصُول، حتى لا تحس منها من أحدٍ ولا تسمع لها ركزًا.



إنَّ الصورة لا تستطيع أنْ تسدَّ مكان الحقيقة وتَنُوب عنها، ولا يمكنها أنْ تُمثِّل دور الحقيقة في الحياة وتأتي به من عملٍ ونشاط، ولا يمكن أنْ تقاوم الحقيقة وتكافحها.



فإذا وقَع صِراعٌ بينهما انهارَت الصورة، ولا يمكنها أنْ تحتَمِل عِبء الحقيقة، والصورة ولو كانت مَهِيبة هائلة تتغلَّب عليها الحقيقة ولو كانت ضعيفة متواضعة، وإنَّ الولد يقدر أنْ يسقط الأسد الميت المحشو بالليف والقطن بيده الضعيفة الناحلة؛ لأنَّ الولد يحمل حقيقة ولو كانت حقيقة صغيرة، والأسد ليس إلا صورة ولو كانت صورة مهيبة".



وقد قرَّر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذا المعنى مُفرِّقًا بين الصورة والحقيقة؛ فقال في الحديث الصحيح: ((إنَّ الله لا ينظُر إلى صُوَرِكم وأجسادِكم، ولكنْ ينظُر إلى قُلوبكم وأعمالكم))؛ رواه مسلم برقم 2563، 2564.



فالذين يتصوَّرون أنَّ الإسلام مقصورٌ على بعض المظاهر الطيِّبة التي دعتْ إليها النصوص الصحيحة، ولا يقرنون ذلك بالنيَّة الخالصة والعمل مخطئون، إنَّ الصورة مطلوبة، ولكن لا بُدَّ من أنْ تكون مع العمل الصالح والنيَّة الخالصة.



إنَّ المرء الذي يلتَزِم بالمظهر الطيِّب في الملبس ونحو ذلك من المظاهر، ثم يأتي ما حرَّم الله من أكْل مال الناس بالإثم والباطل، ويقتَرِف الفواحش والكبائر، ويقَع في أعراض إخوانه من المسلمين والمسلمات بعيدٌ عن حقيقة الدين الذي يَرضاه الله.



وهناك آية كريمة جامعةٌ رائعة تنصُّ على أنَّ الاقتصار على أمرٍ واحد من أمور الشريعة ليس من البر، بل لا بُدَّ من الأخْذ بما يستطيع من أمور الشريعة كلها؛ يقول الله - تبارك وتعالى -: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 177].




إنَّ الصلاة - وهي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين - لا يكفي الاتِّصاف بها وحدَها في التزكية عند عُلَماء الحديث، بل لا بُدَّ من أنْ يكون معها سَلامة الراوي من أسباب الفِسق وخوارم المروءة، فما بالنا بالأمور الأخرى التي عبَّر عنها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالصور والأجسام؟!


والحمد لله ربِّ العالمين.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 24.24 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 23.62 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (2.57%)]