عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 22-09-2019, 06:10 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 48,093
الدولة : Egypt
افتراضي رد: حوار الحضارات مقاربة فلسفية في ضوء الدراسات الإسلامية المعاصرة

الحضارة الإسلامية:

إن الحضارة الإسلامية المجيدة التي انبثق نورها مع تنزل الوحي الرباني, وأصبحت ذات اسم راسخ في العالم نتج عنه تأثر العديد من الأمم والشعوب بتعاليم الإسلام وانبهارهم بأخلاقيات أهله؛كله كان انعكاساً لما تحمله هذه الحضارة من قيم راسخة مميزة كان لها القبول المباشر, واستمرت هذه الحضارة بالنمو حتى أوجدت لنفسها مكاناً لائقاً بين الحضارات الإنسانية الكبيرة. وعلى الرغم مما انتاب هذه الحضارة من مراحل إخفاق وأفول إلا أن مكوناتها العقدية الدينية والتشريعية الأخلاقية تمنحها القدرة على البقاء والتجدد الدائم.
(فسنة الله اقتضت أن يكون لبعض الحضارات السؤدد الحضاري في مقابل خمول البعض الآخر, وذلك لفترات زمانية محددة, ثم تتبدل الأدوار...وهكذا, مع الأخذ في الاعتبار أن سنة الله اقتضت أن تشكل الحضارة الإنسانية في مجملها سلسلة مشتركة الحلقات بين الأمم, بحيث تحمل كل حضارة بين طياتها مبدأ الأخذ من سابقتها, والعطاء للاحقتها. وبذلك تتحقق منظومة "التكامل" الإنسانية, وتمثل الحضارة الإسلامية حلقة هامة جداً -إن لم تكن أهم الحلقات- في سلسلة الحضارة الإنسانية التي لا يمكن أن يكتمل بناءها بعيداً عن أسس ومبادئ تلك الحضارة المجيدة) ([16]).
لقد كان للحضارة الإسلامية على امتدادها إسهام فاعل في تحولات الحضارة الإنسانية وازدهارها, ويتضح ذلك بما قدمته من عطاءات على المستويين المادي والنظري والتي استمرت آثارها إلى وقت حاضر ومن المنتظر لهذه الأمة أن تنهض من جديد وتسهم كما أسهمت من قبل.
فالحضارة الإسلامية تشغل مكاناً مرموقاً بين حضارات العالم المختلفة, وذلك بفضل ما قدمته للإنسانية جمعاء, وعلى وجه الخصوص في المجال العلمي التي أفادت منه الحضارات الأخرى وكانت بمثابة الأساس القوي المتين الذي قامت عليه الحضارة الغربية الحديثة, لذا لابد من الاعتراف بفضل الحضارة الإسلامية, واحترامها وحمايتها بدلاً من الحملات ضدها بين الحين والآخر للقضاء عليها ([17]).
إن ما يميز الحضارة الإسلامية قدرتها على التماهي مع كافة أنساق الحضارات الأخرى السابقة لها والمعاصرة على حد سواء, فقد تعاملت معها تعامل الند للند واعترفت بما لديها من مكتسب إنساني أخلاقي, واستطاعت أن تبرهن على ضعف وخطأ بعض الممارسات التي لا تستند على أصل قيمي ثقافي أخلاقي بكل هدوء وحكمة مستخدمة الأسلوب الرباني في التوجيه والإرشاد.
المقومات الأساسية للحضارة الإسلامية:

ترتكز الحضارة الإسلامية وتقوم على عدة دعائم مهمة أولها مصدرها الرباني وقيامها على أصل من المعتقد الصحيح وتوحيد الله, وبناء علاقة المرء بربه وبغيره, وسن التشريعات التي تحفظ للجميع حقوقهم, وكذا أصلها الأخلاقي السامي فهي تدعو إلى الحفاظ على الأخلاق الفاضلة, وتحث عليها, في حين يرى البعض (أن التركيز على الدين كمكون أساسي وحاكم في الهوية هو بمثابة ردة فعل للهجمات الغربية المتوالية على العالم الإسلامي)([18]), و(الحضارة مثل الكائن الحي تقوم في مجتمع أو أمة يؤمن أفرادها بالمعتقد الديني الذي قامت عليه الحضارة. أما الحضارة الميتة أو المندثرة, فهي الحضارة التي لم يعد هناك مجتمعات تؤمن بالمعتقد الديني الذي قامت عليه)([19]).
فهناك مقومات كثيرة جداً مشتركة بين الحضارات, وهو ما أطلقت عليه (المشترك العام بين الحضارات), وهذه الأمور المشتركة بين الحضارات أغلبها مفيد جداً في مجال التقدم العلمي, والاقتصادي, والصناعي, والتقني, أي في جانبها المادي.
(وحضارة الإسلام أعطت البشرية مكارم الأخلاق, ورسخت في المجتمعات الإنسانية معالم الأخوة والتسامح والتعايش وكرامة الإنسان, وخلفت أمة وحدها الفكر والمشاعر والارتباط بالله, أما الحضارة الغربية فقد قدمت للبشرية مع التقدم المادي كل ضروب العدوان والأثرة, والاستغلال والجشع, والعنصرية والغزو والقتل والاستبعاد, وخلفت في نختلف جنبات الأرض أشنع مظاهر الفقر والظلم, باعتراف خيرة علمائها ومفكريها)([20]), فحوار الحضارات ليس للمتعصب ولا لأحادي الثقافة المتشبث بها, بل يسود فيها الجانب الروحي وهو من طبيعة الإنسان.
إن الحضارة الإسلامية تدعو للحياة, والعمل الجاد المثمر, وكذا فإن من أهداف الحوار تحقيق التعايش السلمي والتناغم بين الشعوب.
خصائص الحضارة العربية الإسلامية:

تتميز الحضارة الإسلامية بالعديد من الخصائص منها أنها (حضارة إيمانية, وحضارة إنسانية, والنزعة السلمية والتسامح, الدعوة إلى الحرية والمساواة والعدل والإخاء والمحبة وتحرير الرقيق, النزعة الشورية, والنزعة العقلية, والنزعة الأخلاقية, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, والتأمين والضمان الاجتماعي, والحضارة العربية الإسلامية حضارة عملية, والجهاد لتحقيق الدعوة الإسلامية, والتوازن بين المادة والروح)([21]), والذي يميز الحضارة الإسلامية أنها تقر بتعدد الحضارات لا تصادمها. وإمكانية أن تتعايش هذه الحضارات المتعددة بسلام في ظل عالم متعدد الأصول الحضارية.
(إن تأخر المسلمين وتخلفهم الذي نقر به ونعترف آسفين بوقوعه, إنما يرجع لإهمالهم وتراخيهم وتفرقهم, وبعدهم عن تعاليم ربهم, وليس نقصاً في دينهم)([22]).
السمات العامة للخصوصية الثقافية:

للحضارة الإسلامية جملة من السمات التي تميزها عن غيرها من الحضارات, وهي عوامل قوة لهذه الحضارة, وهي مسهم كبير في نضج الحضارة الإنسانية, فــــ(السمات العامة للخصوصية الثقافية: ارتباطها بالميراث الحضاري, وجاهزيتها للدفاع عن النفس, والجمع بين الثابت والمتغير, والاضطلاع بأدوار حضارية, وأنها وعاء يضم روافد مشتركة, والقدرة على الصمود والبقاء, وغلبة الطابع الديناميكي)([23]).
تحديات أمام الخصوصية الثقافية:

هناك تحديات تقف أمام الخصوصية الثقافية ومن ذلك:عقدة الخوف من الآخر, ومحاصرة اللغة العربية, وطغيان المادية المفرطة, والتخلف العلمي والتكنولوجي, ومساعي الهيمنة الغربية([24]).
مما سبق عرضه يتبين مكمن الخلل في فهم مقصد الحوار, بحيث أن كل فريق يكيف مقصد الحوار بين الحضارات من قبيل منطلقاته هو, دون أن تكون هناك أسس يتم الانطلاق منها, فهناك من يرى أن خيار حوار الحضارات خيار حتمي لا مناص عنه, ومن يرى أنه جهد ومضيعة للوقت ومناورة لكسب مواقف محددة سلفاً.
ومن هنا لا بد من التأكيد على ضرورة رسم خارطة واضحة المعالم للسير وفقها في هذا المسعى, مع التأكيد على أن تكون المقاصد نبيلة والأهداف معلنة محددة.

المقاربة الأولى: الموقف من حوار الحضارات ومجالاته. (ما الخيار الأمثل؟).

لتتضح مجريات حوار الحضارات ومجالاته لابد من الحديث عن الموقف العام من هذا الحوار, وبيان موقف الإسلام من حوار الحضارات ومجالاته.
المطلب الأول
موقف الإسلام من حوار الحضارات
يتأكد الحديث عن موقف الإسلام من حوار الحضارات ذلك أن القيم الإسلامية عنصر فاعل ومؤثر في مسيرة حوار الحضارات وهي موجهة له, وأحد أسس نجاحه واستمراريته, وللإسلام موقف مشرق من عموم الحوار, فهو يدعو له ويحث عليه ويؤسس لضوابطه وأصوله.
ونستطيع أن نجمل موقف الإسلام من حوار الحضارات في النقاط التالية:

أن الحوار قاعدة ثابتة من قواعد الإسلام, أرسى أركانها القرآن الكريم وجسدتها في الواقع السيرة النبوية الشريفة.
أن الأمة الإسلامية تقبل مبدأ الحوار وتساهم فيه بكل اقتدار نظراً لما تزخر به من قيم التسامح ومبادئ التكافل والتضامن والتعاون والإحسان.
من الدعائم القوية التي يقوم عليها الحوار في الإسلام أن الاختلاف بين الناس سنة من سنن الله في الوجود ï´؟وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَï´¾([25]).
أن الكون قائم على التعددية سواء أكان ذلك في الشرائع أم في الأجناس والقوميات التي تبدو في اختلاف الألوان والألسنة, وأن هذا الاختلاف ليس للتصادم والعنف الذي يفضي إلى القضاء على الآخر وإفنائه, وإنما هو سبيل للتعارف ومن ثم للتعاون, فالتنوع في الإسلام تنوع تكامل وتعايش وليس تنوع تضاد وتصادم ï´؟يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْï´¾([26]).
أن التعاون يقتضي بالضرورة الاعتراف بالآخر والتفاعل معه دونما تبعية, بحيث تكون علاقة المسلم بغيره علاقة الأداء المشترك لإنفاذ إرادة الله في عمارة الأرض بالخير.
أن التعارف مصطلح يمثل قيمة حضارية تستوعب جميع أشكال الاختلاف والتباين, وتؤسس لعلاقات إنسانية سوية تقوم على التعايش والتساكن وتبادل المصالح والمنافع.
تُعد سنة التدافع إحدى صور العلاقة التي تربط بين هذه الحضارات والثقافات المختلفة, فهو تعبير حي عن طبيعة النشاط الإنساني المعتاد, ويوحي بما يفرزه البشر بعضهم ببعض لقضاء مصالحهم ومزاولة وظيفتهم في الحياة من تنافس على حيازة الخيرات, وتحقيق المآرب, وإشباع الحاجات, والسير بالإنسانية دوماً إلى الأمام.([27])
فلسفة الإسلام قائمة على أنه لا يعمد إلى الصدام مع غيره من الثقافات بل يسعى للتعايش معها وعدم إقصاءها والقضاء عليها, ولهذا شواهده الكثيرة من التاريخ الإسلامي, فمن المهم تخليص الحضارات ذات الرغبة في التحاور من عقدة الذاتية المادية والرغبة في التغلب لذات التغلب, وإن محاولة رسم بنية الصراع أنه بين الغرب كعمق جغرافي والإسلام كإرث حضاري ثقافي هو محاولة لخلط الأوراق وتكريس مبدأ أن هوة الصراع مبعثها هو ارتكازها على أصل ديني ! فلماذا لم يقال: الصراع بين الغرب والشرق؟ مثلاً! أو الشمال والجنوب؟
فليس عامل النجاح في أي حضارة كانت قيامها باتهام الحضارات الأخرى أنها حضارات انحطاط!, إن انهيار الشيوعية كان سبباً في تصور كل من الغرب والعالم الإسلامي أنهما أصبحا أعداء بعد أن سقط العدو المشترك بينهما, فنتج عن ذلك تلك النظريات التي تؤجج العداء, كمحاولة للبحث عن عدو فحسب!.
إن الموقف يتطلب تسخير كافة الإمكانات المتاحة لتفعيل الحوار البناء وتعزيزه للوصول إلى قدر من المشتركات الإنسانية, والتعايش السلمي المدروس.
إن حاضرنا (يشهد في كل مراحل الزمن على الاختلاف والتعددية بين البشر, فلابد إذن من الحوار الذي يمثل الأداة الحضارية المثلى لضبط الاختلاف المذموم "اختلاف التصادم والتضاد", وإيجاد أرضية مشتركة بين الأطراف المختلفة أفراداً وجماعات, لتفعيل قيم التعارف والتعاون بين الناس, والانفتاح عليهم, وفهم وجهات نظرهم, والاستفادة الإيجابية من معطياتهم, وتحقيق المصالح المشروعة معهم, ولا سيما في هذا العصر الذي يدخل العالم فيه مرحلة من المتغيرات الجذرية والتطورات والتحولات الكبرى والسريعة على مختلف الأصعدة, ويشهد ثورة هائلة من وسائل الاتصال والإعلام وتدفق المعلومات, وما تفرضه هذه الثورة من إمكانات غير مسبوقة للتواصل الثقافي والفكري والقيمي بين الأطراف المختلفة في الشعب الواحد وبين الشعوب الكثيرة المتعددة)([28]).
موقف أهل الإسلام تجاه الحضارات:

ويمكن عرض مواقف أهل الإسلام تجاه الحضارات وفق التالي([29]):
أولاً: موقف الرفض:

وهو يعبر عن موقف الصراع بين الحضارات بوضوح, لكونه لا يرى سبيلاً للتفاهم والتعايش مع تلك الحضارات.
ثانياً: الموقف التغريبي:

وهو عكس موقف الرفض تماماً, فهو لا يرى للإسلام أي تميز يذكر, ولا يشعر بأدنى مسؤولية عند الله تعالى, ويدعو إلى مشاركة الحضارات في فكرها وأدبها ونظرياتها وإنجازاتها والاندماج بها بدون تحفظ.
ثالثاً: الموقف التوفيقي:

هو بين الموقفين السابقين, فهو يلتقي مع موقف الرفض في أهمية الاستمساك بالأصول الإسلامية وعدم التفريط بها, ويلتقي مع موقف التغريب في توسيع مفهوم دائرة الدين المقبول, والاتجاه نحو العقلانية في فهم النصوص وتفسيرها, فهو يؤمن بمبدأ الحوار مع الحضارات, وتلاقحها, وتمازجها, بدون أي تحفظ.
رابعاً: الموقف التأصيلي (المحافظ):

يقف موقفاً وسطاً بين موقف أهل الرفض المتجاهل للحضارات العالمية, وموقف التغريبين والتوفيقيين الذين يمدون حبال الأخوة والمودة والصداقة والثقة المطلقة بالحضارات, موقف يقوم على مبدأين, التسامح مع الحضارات العالمية, مع أخذ الحذر. والثاني: العزة الإسلامية.
إن الحوار مع المغاير الديني له سبله وطرقه التي يلزم الإلمام به و(المسلك الذي سلكه الإسلام مع المغاير الديني؛ عبر التعارف والاحتضان, الذي يجوز أن نطلق عليه "التعددية الدينية" في مقابل "التعددية الثقافية" المطلوبة اليوم, هدفاً محموداً ومنشوداً في الزمن الحالي. وفي حقيقة الأمر ثمة تقارب لافت بين مفهوم التعارف الإسلامي, الذي سميناه تجاوزاً "التعددية الدينية" ومفهوم التعددية الثقافية-أو الحضارية-, جراء اشتراكهما في المقصد نفسه. إذ يهدف كلاهما إلى بناء وفاق اجتماعي منفتح على الأفق الإنساني, ينتفي منه التسلط ويراعي الخصوصيات ويقر بالتنوع)([30]).
حوار الإسلام مع الحضارات:

من الأهمية أن يكون للإسلام كعقيدة ربانية وكسلوك إنساني إسهامه الخاص في مجال حوار الحضارات, من منطلق مبعث الصفاء في تعاليمه, إن (حوار الإسلام مع الحضارات يبدو فيه؛ حوار عام: وهو مطلق التفاهم والتعاون بين الإسلام والحضارات الأخرى, وتبدو ملامحه جلية في عموم العلاقات الدولية في جانبها السلمي التعاوني, وحوار خاص: وهو عقد المحاورات والمناظرات العلمية بين الإسلام والحضارات, والحوار بنوعيه يمكن أن يكون وسيلة تفاهم وتعاون بين الأطراف المختلفة)([31]).

التلاقح الحضاري:

إن معرفة الموقف من حوار الحضارات لابد أن يبنى على أصل أن الحضارات كان بينها قدر من التمازج, وأن بعضها كان يأخذ من بعض في جانبها المادي على وجه الخصوص, إن (من أهم أهداف الحوار تحسين علاقة الإنسان بالإنسان, بل الدول بالدول؛ ذلك أن تلك العلاقات إن قامت على أساس الحوار, واعتمدت المنطق الذي يقوم على العقل, كُتب لها النجاح.والحوار ضرورة حتمية لا تستغني عنها أي حضارة في سبيل تطوير ذاتها, فمن المعروف أن عملية التلاقح الحضاري تتم من خلال الاقتباس, والنقل, والتبادل المعرفي, وهذه أمور متداولة بين الشعوب قاطبة, فكل حضارة أبدعت, ونقلت, وأخذت, وأعطت. ولم توجد حضارة أبدعت, ولم تنقل عن غيرها؛ فالنقل, والتلاقح, والتفاعل, والأخذ, والعطاء الثقافي ليس وباءً, وإنما ضرورة حضارية وظاهرة صحية)([32]).
وكما أن لكل أمة خصوصيتها في جانبها الحضاري, فإن للأمة الإسلامية خصوصيتها الروحية في هذا المجال, ولا يعني التلاقح الحضاري الانصهار في الغير والتخلي عن الثوابت والأصول (وهناك ضابط لا ينبغي تجاهله في أثناء إجراء الحوار بيننا وبين الشعوب والأمم الأخرى, يقوم على ضرورة التمييز بين ما هو مشترك إنساني عام, لا غضاضة في الانفتاح عليه وتقبله, والسعي إلى تحصيله, وبين ما هو خاص بالأمة ذاتها, فلا يفهم من الحوار والتلاقح الحضاري, أنهما أدوات لتذويب الثقافة والهوية الحضارية لأمتنا)([33]).
نماذج حوار الحضارات:

عند الحديث عن نماذج الإسلام في ثقافة حوار الحضارات فإنه لا يغيب عنا تلك الممارسات في صدر الإسلام زمن النبوة, والخلافة الراشدة, وما تبعها من أزمنة الفتوحات والاختلاط بالأمم الأخرى في الأمصار والبلدان, (ولابد من الحوار لبناء المفاهيم الصحيحة وإيضاح الحق للناس وهذا ما سلكه النبي e)([34]). ومن النماذج:
حوار النبي e مع يهود المدينة ومعاهدته معهم.
تفاعل المسلمون مع الحضارات الأخرى واختلاطهم بها في الفتوحات الإسلامية.
امتداد الدعوة الإسلامية على يد الدعاة والعلماء والتجار أتاحت مجالاً واسعاً للتعايش مع الحضارات الأخرى لا إلغاؤها, ومن أبرز النماذج الحضارية التي سجلها التاريخ؛ ما حصل في بلاد الأندلس (لقد قدم الإسلام تجربة تعايش ناجحة بين الأديان الثلاثة في الأندلس, أتاح فيها لدينين كتابيين الحضور والنشاط. وكانت عملية التوازن الديني والاجتماعي من إنتاج الإسلام وبرعايته, باعتباره الدين المهيمن.والإسلام في روحه يعترف بالآخر وهو ما يميزه عن غيره من الأديان. واللافت في التجربة الإسلامية الأندلسية أن المسيحي الذي تعايش معه الإسلام هو مسيحي غير عربي, ولا تربطه صلات وثيقة بالتراث الشرقي)([35]).
كما ينبغي الإشارة هنا إلى أن القيم الدينية لا تأخذ موقفاً ضد التمدن والصناعات المبتكرة, وما يساعد في رفاهية الإنسان, بل هي تفرزه وتقوية وتدعمه, فلا يتصور أن الدين يقف في وجه الحضارة والمدينة بل هي تشجع عليها.
وهكذا يتضح لنا موقف الإسلام من أصل حوار الحضارات, أن هذا الحوار إذا بني على أساس واضح سليم فإن أهل الإسلام يرحبون به ويدعمونه.
المطلب الثاني

مجالات حوار الحضارات في الإسلام

تتعدد مجالات حوار الحضارات في الإسلام وتتنوع بحسب موضوعها ومقصدها, فهناك حوار تعارف, وحوار تعلم, وحوار تقارب, وحوار تعايش, وحوار تبادل مصالح وتجارة...وهكذا, ويمكن التركيز هنا حول أبرز تلك المجالات الحيوية والتي لها مسيس صلة بحياة الناس ومعاشهم ومنها: الحوار في الشأن المشترك من أمر الدنيا, وتبادل المصالح, وسن القوانين الكفيلة بحماية الحقوق, ودفع الظلم, وهذا قد يأخذ الطابع الفردي أو المؤسسي العام.
فمنها قضايا و(مسائل حقوق الإنسان وأوضاع الديمقراطية, والتغطية الإعلامية للقضايا والاستفادة من تكنولوجيا الإعلام, والإنفاق على المشاريع الخيرية, وتنمية وتطوير التعليم والتعاون بين الجامعات, والمشاركة في الفعاليات والمناشط الثقافية للتعرف على ثقافات الأمم والشعوب)([36]), وحوار بين الأفراد (عامة الناس, أو النخب, علماء الدين ومفكرون وجامعيون ومثقفون وغيرهم, وحوار بين الشعوب, وحوار بين الجماعات, وحوار بين المذاهب, وحوار بين الحكومات -ثنائي أو في إطار المنظمات والمؤسسات-, وحوار مع الأديان الأخرى, وحوار مع المدنيات والحضارات الأخرى)([37]), وتشمل تلك المجالات الحوار بين أتباع الأديان, وهذا النوع له أصوله وضوابطه, وسنتعرف فيما يلي على جملة من أهداف وقواعد حوار الحضارات وأسسه, وشروط الحوار الحضاري.
أهداف حوار الحضارات:

يسعى مشروع حوار الحضارات إلى تحقيق حزمة من الأهداف اللحظية أو بعيدة المدى (تغيير الوعي الثقافي, وإحلال نظام عالمي جديد يتسق مع متطلبات المستقبل, وكبح جماح التصور الغربي التسلطي العنصري, وتغيير مفهوم الإنسان الغربي عن العالم, والانفتاح على الإمكانات المستقبلية, والمشاركة والتعاون بدلاً من التسلط والتصارع, والتخلي عن النزعة العنصرية الفردية, وإثراء الجوانب الروحية بملء الفراغ الروحي أو الديني)([38]), فلا يتصور أن يكون غاية حوار الحضارات وهدفه الأساسي تنازل أي من أطرافه عن معتقداته وقيمه؛ لكنه يُعد أرضية صلبة لفهم الآخر والتعامل معه وفق المشتركات والقيم السائدة, ثم تأتي الغلبة والتأثير لأكثر الأفكار والثقافات ملائمة للفطر السوية.
(إن من أبرز أهداف الحوار حل النزاعات بين الأفراد والمجتمعات والدول, وكذلك العمل على تجديد فكر الأمة, والنهوض بالمشروع الحضاري, فالتنوع والتعدد يفترض له أن يسهم في إثراء فكر الأمة في مختلف جوانبه العقائدية, والفكرية, والاقتصادية؛ وذلك في إطار ممارسة الفكر بطرقه السلمية عبر مقارعة الدليل بالدليل, والحجة بالحجة, في حوار ينفتح فيه الجميع وتتبادل فيه الآراء والطروحات الفكرية بموضوعية وعلمية بعيداً عن التعصب)([39]).
و(يشترط الحوار حيثما مورس شيئين: من جهة أرضية مشتركة, نقف عليها ونبدأ تعاوناً سلمياً مشتركاً, ومن جهة أخرى اختلاف الأصل, وخاصة اختلاف الاقتناع, الذي لو كان غائباً لما كنا في حاجة لحوار)([40])
ويمكن الحديث عن قواعد الحوار مع الحضارات وأسسه من خلال أن:
هل ما تطرحه الثقافة الإسلامية من أسس للحوار وضوابط له تُعدُ هي التأسيس المثالي أم يمكن له أن يتطور ويتماها مع الحاجات المتجددة؟
للإجابة على هذا السؤال ينبغي لنا النظر بتجرد لمعايير المرونة الكبرى المتمثلة بحدود هذه الأسس والأصول, ففيها قدر من الملائمة لظروف الناس, وحاجاتهم.

شروط الحوار الحضاري:

تتمثل شروط الحوار المتصل بالحضارات بجملة من المحددات يمكن إيرادها في التالي:
الإنسان كأرضية مشتركة للحوار يقول الله تعالى: ï´؟قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَï´¾([41]).
الشرط الأخلاقي لهذا الحوار, ويمكن أن يبنى وفق القيم العليا المشتركة.
العقل كآصرة وحدة فهو يعد مصدر ثانٍ يجمع بين كل الناس.
الحقيقة كشرط للتعاون المشترك.
الانطلاق دوماً من المشتركات, ونقاط الالتقاء.
ولا يعني هذا أوتوماتيكياً بأن الفلسفة ستعوض العقيدة الدينية, كما لا يعني بأنها ستقضي على الاختلافات العقائدية, لكنها ستساعد على إيجاد قاعدة عريضة, يمكن أن نؤسس عليها في عالمنا بأكمله([42]), ومن نواتج ذلك التأسيس تفعيل حوار الحضارات, ونورد هنا مزيداً من الشروط, ومنها:حسن صياغة الأفكار وجودة مضمونها وترتيب أولوياتها, وملاءمتها جو الحوار بما لا يخل بثوابتها, والندية والتكافؤ: حيازة قدر معقول من الأهلية الحضارية, وإعادة اكتشاف الآخر, والاحترام المتبادل, والتفاهم والتعاون([43]), واحترام خصوصية الآخر, والتسلح بالشجاعة العلمية, والانطلاق من القضايا المتفق عليها([44]).
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 35.99 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 35.36 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (1.73%)]