عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 12-09-2019, 03:57 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 47,470
الدولة : Egypt
افتراضي الداعية.. وحتمية الترقي

الداعية.. وحتمية الترقي
عصام زيدان

من أفضل الوظائف التي يقوم بها بني البشر مهمة إبلاغ دعوة الله - عز وجل - إلى الناس كافة، فمن أجل هذه الدعوة اصطفى الله - تبارك وتعالي - الرسل، وبعث الأنبياء، كي ينيروا للناس الطريق ويأخذوا بأيديهم من ظلمات الشرك والكفر والجهالة.
وهذا المعنى الكريم هو ما جاء في أكثر من موضع في كتاب الله - عز وجل -، قال - تعالي -: (الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ)[إبراهيم: 1]، وقال تعالي: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ)[إبراهيم: 5].
ويقول صاحب الظلال في تفسيره: "لتخرج هذه البشرية من الظلمات.. ظلمات الوهم والخرافة.. وظلمات الأوضاع والتقاليد.. وظلمات الحيرة في تيه الأرباب المتفرقة، وفي اضطراب التصورات والقيم والموازين.. لتخرج البشرية من هذه الظلمات كلها إلى النور.. النور الذي يكشف هذه الظلمات، يكشفها في عالم الضمير وفي دنيا التفكير، ثم يكشفها في واقع الحياة والقيم والأوضاع والتقاليد".
وهذه المهمة الربانية إخراج الناس من الظلمات إلى النور لم تكن مهمة الأنبياء وحدهم ولا المرسلين وفقط، بل هي مهمة كل من سار على نهجهم واقتفى آثارهم وكانت غايته أن يلحق بهم في جنة النعيم.
وقد وجدنا ربنا -تبارك وتعالي- في كتابه يزين للدعاة والمصلحين هذه المهمة الرسالية، فيقول: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)[فصلت: 33]، يقول السعدي في تفسيره: "هذا استفهام بمعنى النفي المتقرر، أي: لا أحد أحسن قولا. أي: كلامًا وطريقة، وحالة: (مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ) بتعليم الجاهلين، ووعظ الغافلين والمعرضين، ومجادلة المبطلين، بالأمر بعبادة الله، بجميع أنواعها، والحث عليها، وتحسينها مهما أمكن، والزجر عما نهى الله عنه، وتقبيحه بكل طريق يوجب تركه، خصوصًا من هذه الدعوة إلى أصل دين الإسلام وتحسينه، ومجادلة أعدائه بالتي هي أحسن، والنهي عما يضاده من الكفر والشرك، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر".
وقد جعل نبينا - صلى الله عليه وسلم - العلماء والدعاة ورثة الأنبياء، فجاء عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن العلماء هم ورثة الأنبياء إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما إنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر))[صحيح ابن ماجه: 183]
الاستزادة المستمرة من العلم
وكي يقوم الداعية إلى الله بوظيفته تلك على الوجه الذي يرضي ربنا - تبارك وتعالي - كان حتما أن يرى موطأ قدمه كل يوم ليستزيد من شتى المجالات التي تعينه على أداء دعوته وتبليغ رسالته، مقتديا بالرسول الكريم الذي طلب من ربه مزيدا من العلم، قال تعالي: (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا)، قال ابن كثير في تفسيره "أي: زدني منك علمًا"، قال ابن عُيَيْنَة، - رحمه الله -: "ولم يزل - صلى الله عليه وسلم - في زيادة من العلم حتى توفاه الله - عز وجل -".
كما أمره ربنا بقيام الليل وترتيل القرآن كي يستطيع القيام بمهام الرسالة العظيمة، فقال تعالي: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا)[المزمل 5: 1].
فالداعية - كما أسلفنا القول - بحاجة دائمة إلى الرقي في كافة المجالات التي تعينه على أداء هذه المهمة، فإذا ما استمر في الأداء دون برهة يتوقف فيها ليرى بضاعته ويتفقد علمه وينظر في أحوال قلبه لأفلس وانصرف الناس عنه إلى من يجود بضاعته ويحسن تفقد ما عنده ويزيد عليه.
النظر في أحوال القلب
ويحتاج الداعية، أول ما يحتاج، إلى النظر في أحوال قلبه، وعلاقته بربه، فإذا وجد خيرا حمد الله - تبارك وتعالي-، وطلب المزيد من التزكية والتطهير، نجاة بنفسه من الهلكة، ورغبة في أن تخرج الدعوة إلى الله من قلب طاهر لتدخل قلوب الناس مباشرة فتحدث التأثير المطلوب.
فالداعية ليس لسانا يترنم بالمواعظ، يلقيها إلى الناس وفقط، بل قلب يتحرك بالهداية والتوفيق، فما خرج من اللسان لن يتجاوز الآذان، أما تلك الموعظة التي تخرج من القلب فهي تعرف طريقها جيدا إلى القلوب، ولو كانت من ألفاظ متناسقة وجمل بلاغية ضخمة.
ثم هو يحتاج مع ذلك إلى تفقد بضاعته من العلم وسائر المعارف التي يبلغها للناس، فيجود ما كان في حوزته، ويذهب يستزيد من ذلك، ويجعل له من وقته نصيبا للمطالعة وطلب العلم، فهما كان حظه من العلم، فهناك الكثير الذي فاته، والذي قد يحتاج لمدارسته وفهمه ودعوة الناس إليه بعد ذلك.
فحاجات المدعوين متجددة، فإذا ما وقف الداعية يدور في فلك واحد لا يتخطاه، لتخطاه الناس إلى من هو أكثر علما وفهما والذي هو على دراية واسعة وفهم عميق بحاجاتهم تلك المتجددة، فيستطيع أن يفتيهم فيما استجد لهم من أمور، ويوجههم إلى حيث شرع الله - تبارك وتعالي - في تلك الحوادث.
بصيرة متجددة بالواقع
كما يحتاج الداعية إلى بصيرة متجددة بواقعه، على كافة المستويات الاجتماعية والسياسية وغيرها، فهذا الواقع بإفرازاته المتجددة يحتاج إلى ذهن متجدد يفهمه ويحسن التعامل معه، خاصة في الجانب المتعلق بمكر الماكرين ودهاء المتآمرين.
فكثر هم الذين يتربصون بالدعوة والدعاة إلى الله.. وكثيرة هي دعوات الضلال والتشكيك.. وما لم يكن الداعية على بينة من وقعه هذا لوقع في شراك هؤلاء المخادعين، ولغفل عن فضح مخططات المتآمرين فمرت من تحت قدميه وتسللت إلى الأمة لتحدث فيها خبالا ما كان ليقع لو فطن له الداعية وحذر الأمة منه.
وكان هذا من إرشاد الله - تبارك وتعالي - لنبيه الكريم، قال تعالي: (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ)[الأنعام: 55]، قال السعدي في تفسيره: "فإن سبيل المجرمين إذا استبانت واتضحت، أمكن اجتنابها، والبعد منها، بخلاف ما لو كانت مشتبهة ملتبسة، فإنه لا يحصل هذا المقصود الجليل".
الحاجة للمعارف العلمية
ثم هو الداعية الذي يحتاج إلى المعارف العلمية التي تعينه وتدفعه إلى تجويد خدمته، من نحو العناية بعلم الإدارة والتخطيط والتنمية البشرية، علوم الحاسب الآلي، وما إلى ذلك من معارف باتت شديدة الأهمية لكافة الدعاة والمصلحين في حياتنا المعاصرة.
أيها الداعية الحبيب، إن حق الدعوة عليك، وحق نفسك عليك يدعوانك إلى الالتفات إلى ذاتك مطورا إياها في شتى المجالات الحياتية والدينية، فكل خطوة في طريق التدريب وتطوير الذات ليست خطوة تهدر الوقت وتضيع الأعمار، بل هي خطوة مباركة في طريق الدعوة إلى الله على بصيرة وهداية أمر بها شرعنا الحنيف: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [يوسف: 108]
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 20.23 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 19.61 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (3.07%)]