الموضوع: تنظيم المال
عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 08-09-2020, 05:08 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 48,239
الدولة : Egypt
افتراضي تنظيم المال

تنظيم المال


الشيخ أبو الوفاء محمد درويش







المال عصب الحياة، وقيام الناس في الدنيا، يقوم بمعاشهم ويصلح أمورهم، لا يتم للأفراد ولا للأمم أمر إلا به، فإذا صفرت منه يد الفرد ضاقت عليه الأرض بما ربحت، وسدت في وجهه فجاجها، إن جاع لم يجد ما يقيم صلبه، أو يمسك حوباءه، وإن خلقت ثيابه لم يجد ما يستر به سوأته، أو يدفع به غوائل الحر والقر.


وإن خلت منه خزائن الدولة ضعف شأنها، واستهان بها أعداؤها، وطمع فيها من يليها ومن يبعد عنها، وعجزت عن الدفاع عن نفسها، وأصبحت لقمة سائغة لكل من يحاول ازدرادها. وحوادث الماضي تشهد بذلك وتثبته، وأحداث الحاضر تنطق به وتؤيده.


والإسلام هو الدين الخالد الذي أنـزله الله لينظم به شئون العالم إلى يوم القيامة؛ فلا تعجب إن رأيته يُعنى بالمال عناية بالغة: يحض على كسبه من كل وجه مشرع، وينظم تداوله بين الناس، وإنفاقه في الوجوه الصالحة، ويحرم إضاعته بغير نفع.


دعا الإسلام إلى العمل وكسب المال، حتى لا يكون المسلم عالة على غيره، وحتى يصون ماء وجهه أن يريقه بين أيدي الناس.


قال تعالى: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ﴾ [الجمعة: 10].


قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾ [الملك: 15].


وقال عليه الصلاة والسلام: "لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير له من أن يسأل أحدًا فيعطيه أو يمنعه"[1]، إلى غير ذلك من النصوص التي تحض على كسب المال، والترفع عن ذلة السؤال.


ولكن النفس إذا ذاقت لذة المال وكسبه فتنت به، وأغرمت بجمعه، وأحضرت الشح، وولعت بالحصول عليه بكل وسيلة ومن كل سبيل، وحرصت عليه فلم تنفقه في وجوهه، وضنت بحق الله فيه فلم تخرج منه حق السائل والمحروم، ولم تطعم يتيمًا ولا مسكينًا، ولم تصل به رحمًا، ولم تؤت ذا قربى، فأراد الله أن يحد من شره النفوس ويقف من اندفاعها وجماحها؛ فنبهها إلى ما في الشح من سوء المغبة على النفس وعلى الجماعة، وإلى أن المال بلاء يمتحن الله به عباده ليتبين المصلح من المفسد، والكريم من الضنين، ويمتاز الشاكر من الكنود، فقال تعالى: ﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾ [البقرة: 195].


وقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ [التغابن: 15].


وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر: 9].


وقال تعالى: ﴿ هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾ [محمد: 38].


وقال تعالى: ﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾ [الليل: 8 - 10].


وقال تعالى: ﴿ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى ﴾ [الليل: 11].


وقال تعالى: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: 92].


وقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَكْنـزونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنـزتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنـزونَ ﴾ [التوبة: 34 - 35].


وقال تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ ﴾ [التوبة: 75 - 77].


والنصوص في هذا المعنى كثيرة، وكلها تهيب بالإنسان إلى أن يتحرر من أسر المال، وأن ينفقه في سبيل الخير ووجوه البر، ابتغاء مرضاة ربه.


وعلم الله أن من الناس من يأتيه المال عفوًا صفوًا لم يحرك لجمعه يدًا، ولم يتعب فيه بدنًا، فيكون هينًا عليه، فينفقه في شهوات الشيطان والنفس الأمارة ذات اليمين وذات الشمال من غير أن يتحرى به وجوه الحق والنفع والخير له أو لأمته، فأراد الله أن يعالج هذه الحال بالحكمة السامية والموعظة الحسنة، فنهى عن التبذير والإسراف، وأنذر بسوء المصير كل مبذر ومسرف.


قال تعالى: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا ﴾ [الإسراء: 29].


وقال تعالى: ﴿ وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ﴾ [الإسراء: 26 - 27].


ووضع دستورًا حكيمًا يعلم الناس القصد في المال.


فقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾ [الفرقان: 67].


وضرب على أيدي السفهاء الذين ينفقون المال في غير وجهه؛ ويعيثون فيه فسادًا، ولا يحسنون تدبيره، وسلبهم حرية التصرف وأمر بالحجر عليهم إرعاء على أموالهم، واحتفاظًا بمصلحتهم.


قال تعالى: ﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾ [النساء: 5].


كما أمر الأوصياء بالحرص على أموال اليتامى وتثميرها، وحسن الرعاية لها حتى لا تذهب ضياعًا، فإذا تبين رشدهم، دفعت إليهم تامة موفورة، ونهاهم عن أن يظلموهم منها شيئًا.


قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ [النساء: 10].


وقال تعالى: ﴿ وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾ [النساء: 6].


وقد تضمنت هذه الآية الكريمة من الفقه المالي ما فيه بلاغ: دعت إلى امتحان اليتامى، إذا بلغوا سن الرشد، فإن تبين رشدهم وظهر بالاختيار حسن تصرفهم دفعت إليهم أموالهم، وإن تبين سفههم، وقلة خبرتهم بألوان التصرف، وفنون المعاملات لم تدفع إليهم، بل تظل في يد الوصي أو القيم، ينميها بالمعروف.


ونهت عن إتلاف أموال اليتامى بالإسراف فيها، والمبادرة إلى إضاعتها وأكلها واغتيالها قبل أن يبلغوا السن التي تمكنهم من المطالبة بها، ومحاسبة القائمين عليها.


كما أوصت الغني الذي بسط الله له في الرزق أن يتعفف عن هذه الأموال فلا ينال منها شيئًا، وأباحت للفقير الذي قدر عليه رزقه أن يأكل منها بالمعروف، بقدر ما يستحق من الأجر، جزاء عمله فيها ورعايته لها.


وأوصت بالإشهاد على اليتامى إذا دفعت إليهم أموالهم حين يستبين رشدهم، دفعًا لما عسى أن يقع من التغابن بين القصّر والأوصياء، وحسماُ للتنازع بينهما، وقضاء على كل ادعاء.


نهى الإسلام عن أن يخرج الإنسان من ماله كله، ولو في وجوه الخير والبر، فقد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كعب بن مالك لما أراد أن يخرج من ماله كله صدقة لله تعالى، حين تاب الله عليه.


فقال له "أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك"[2].

وروى البخاري عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: "جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - يعودني - وأنا بمكة، وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها - فقال: "يرحم الله ابن عفراء" قلت: يا رسول الله، أوصي بمالي كله؟ قال: "لا"، قلت: فالشطر؟ قال: "لا". قلت: فالثلث؟ قالفالثلث، والثلث كثير، إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس"[3].


فما أروعه من نظام، وما أعدله من تشريع.


جعل الإسلام في أموال الأغنياء نصيبًا مفروضًا للفقراء الذين لا يجدون ما ينفقون، إبقاء على كرامة المؤمنين أن تجرح بذل التكفف والسؤال، وتوثيقًا لأواصر الود بين الأغنياء والفقراء، حتى لا يحسدوهم على ما آتاهم الله من فضله، فيتعاونون على الإثم والعدوان عليهم، وانتزاع الأموال من أيديهم بغيًا وعدوًا، وسفك دماءهم عدوانًا وظلمًا.


ولا أظنك غافلًا عما أحدثت الاشتراكية الهدامة من الفساد في الأرض، والعدوان على الأبرياء، وانتهاك الحرمات، هذه الاشتراكية الجامحة التي برأ الله منها الإسلام والمسلمين، وجعل دونها سدًا منيعًا بما شرع من فريضة الزكاة المقدرة تقديرًا حكيمًا، هو أحكم ما يمكن أن يتصوره فكر إنسان عليم.


إن جزءًا من أربعين جزءًا من مال الغني الذي ظل في حراسة الله حولًا كاملًا لا يرزأ صاحبه شيئًا، إذا طابت به نفسه لأداء حق الله، وإعانة الفقراء والبائسين على أمر معاشهم، وقد ضمن الله تعالى إخلافه فضلًا منه ونعمه. ﴿ والله واسع عليم.


لقد أظل المسلمين عصر كان الغني يحمل زكاته على كفه ثم يطوف بها على الفقراء، فغني أولئك الفقراء بالمال، وغنيت نفوسهم بالفضيلة، فما كانت أيديهم ولا أعينهم لتمتد إلى ما لا يحل لهم أخذه، ولا يجمل بهم تناوله، تعففًا وقناعة.


ذلك يوم كثر المال في أيدي المسلمين بما أفاء الله عليهم من الفتوح، وما غنموا من الغنائم، وما تدفق في خزائنهم من مال الجزية، وما كسبوا من مزاولة الأعمال الشريفة مع ما صبغت قلوبهم به من الرحمة والإحساس وحب الآخرة.


وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ يقول كما روى الإمام البخاري: "تصدقوا فإنه يأتي عليكم زمان يمشي الرجل بصدقته فلا يجد من يقبلها، ويقول الرجل: لو جئت بها بالأمس لقبلتها، أما اليوم فلا حاجة لي بها"[4].

فهل رأت الدنيا عصرًا كهذا العصر الذي اغتنى فيه الناس بالمال والفضائل؟ يوم كان الناس مستمسكين بدينهم، حراصًا عليه، مستقيمين على سنته، فما أجمل الإسلام من دين، وما أعدل شريعته من شريعة.
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 36.96 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 36.34 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (1.68%)]