عرض مشاركة واحدة
  #19  
قديم 25-07-2019, 04:22 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 47,431
الدولة : Egypt
افتراضي رد: من مشاهير علماء المسلمين ..

فضل بعض علماء الطب المسلمين في تطوير العلوم الطبية (4)

د. حذيفة أحمد الخراط


(مهذب الدين البغدادي)












هو أبو الحسَن عليُّ بن أحمد، المعروف بمهذَّب الدِّين البَغداديِّ، الذي وُلد في بغداد في سنَة 1117 للميلاد، ودرَس بها الطبَّ والحديث، وقد اشتُهر بالذكاء الشديد، وعدَّه الذهبي واحدًا مِن أذكياء ذلك الزمان وأنبَغِ أهله.



زاول مهذَّب الدِّين البغدادي مِهنَة الطبِّ في بغداد والمَوصل، وعُيِّن طبيبًا في بلاط الشاه أرمان، وقضى بقية عُمرِه في تدريس الطبِّ والحَديث، إلى أن مات في سنة 1213 للميلاد.



وَرث عن البغدادي نبوغَه في الطبِّ ابنُه شمس الدِّين البغدادي، الذي ذاع صيته فبلَغ إمبراطور الرومان الشرقي، فدعاه وبالَغ في إكرامه.



ولمُهذَّب الدِّين البغدادي موسوعةٌ علمية كبيرة تُعرف بـ"المختار في الطب"، وقد نشَرتْها في أربعة مجلَّدات دائرةُ المعارف العُثمانية في عام 1943 م، في حيدر أباد، وأعيدتْ طباعته ثانيةً عام 1996 م مِن قِبَل معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية في فرانكفورت، وتُرجمتْ أجزاء منه إلى الفرنسية والألمانية والإنكليزية.



ناقَش كتاب "المختار في الطب" هذا، العديدَ مِن الموضوعات الهامة المتعلِّقة بعلوم الطب المُختلفة؛ ومِن ذلك ما كُتب في شأن الاهتمام بتعليم طالب الطبِّ، وضرورة إشراف أُستاذه المباشِر عليه أثناء فترة التدريب في البيمارستان.



ومما كَتَب عنه البغداديُّ في هذا الكتاب، أهميةُ الوقاية مِن حدوث الأمراض، وركَّز على الحِكمة التي تقول بأن "الوقاية خير مِن العلاج"، واعتمد في ذلك على أحاديث سُنن الفِطرة التي وردتْ في السنَّة المطهَّرة، والتي حثَّتْ على الاهتمام بالنظافة الشخصيَّة، والغذاء المتوازِن، ونَظافة البيئة.



ومما ركَّز عليه البغدادي في كتابه أيضًا، العنايةُ بالطفل الرضيع والأمِّ الحامل، وخصَّص فصلاً كاملاً للكلام حول معالَجة أمراض الأطفال، وتلاه بمُتابَعة عملية النموِّ، مرورًا بمرحلة الطفولة والشباب والكُهولة، وأخيرًا الشيخوخة والهَرَم، وما يَعتري كلَّ مرحلة منها مِن أمراض، وما تحتاجه مِن رعاية وتعهُّد.



تكلَّم البغدادي بإسهاب عن عِلم التشريح، وعدَّه واحدًا مِن أساسات العلوم الطبية التي لا غِنى عنها للطبيب الفاحِص، وقد خصَّص فصلاً كاملاً، للكلام حول التشريح العام لجِسم الإنسان، وفصلاً لاحقًا في تشريح كل جهاز في الجسم على حِدَة، وقد زوَّد فصل التشريح في كتاب "المختار في الطب" بالعديد مِن الرسوم الإيضاحيَّة، التي ساعَدتْ في فهم هذا العِلم المُعقَّد، وتمَّ اعتماد تلك الرسوم في المؤلَّفات التي تلتْ كتاب البغدادي ذلك.



وللبغدادي في مجال جراحة الجهاز البَولي، الكثيرُ مِن المشاركات العلمية التي لم يَسبقه إليها أحد، ومِن ذلك إحكام وصْف المثانة البَولية بصورة تشريحيَّة دقيقة، كما أنه وَصَف عملية التبوُّل الطبيعيَّة، ورسم ذلك كلَّه في بعض المُخطَّطات والرسوم الإيضاحيَّة.



كما أجاد البغدادي في وصْف ما يعتري الجهازَ البَولي مِن عِلل وأمراض، وما يُصاحب ذلك مِن أعراض مرضية، وعلامات تُساعد في وضع التشخيص النهائي، كما أنه ميَّز بَين الحصى التي تتكوَّن في الكلى، وتلك التي تتكوَّن في المثانة البَولية.



ومما تكلَّم عنه هذا العالِمُ الجليل كذلك، وسائلُ التفريق بين ألمِ الأمعاء وألم الكلى، ومِن المعروف أن آلام البطن الحادَّة تَتشابه في صورتها، أيًّا كان مصدرها مِن أعضاء جوفية، وتحتاج معرفة مَصدر الألم إلى دِراية وبُعْد نظر.



وقد وضَع البغداديُّ في مجال حصى الكُلى والمسالك البولية، بعضَ الخُطط العلاجيَّة والوقائيَّة، وقدَّم بعض الوصفات الدوائية التي لاحَظ إفادة المريض منها، ووصَف سبعين دواءً وثلاثة عشر مزيجًا مركَّبًا لعلاج تلك الحصى، واعتمد في ذلك على العديد مِن نباتات ذلك الزمان وأعشابه.



كما شجَّع البغدادي على أكل اللحوم البيضاء؛ كالسمك، والدجاج، والتخفيف مِن تناول اللحوم الحمراء والحَليب ومُشتقاته مِن قِبَل المرضى المؤهَّلين للإصابة بحصى الجهاز البَولي، وقد جاء العِلم الحديث مؤيدًا لتلك النظرية، ومُثبِتًا لصحَّة الكثير مِن هذه الاقتراحات.



ومما وصَفه البغداديُّ مِن عمليات جراحيَّة تختصُّ بجراحَة المسالك البوليَّة، طريقةُ إخراج الحصاة الضخْمة مِن المثانة، وقال بصعوبة إخراجها عَبر الجرْح أو الشقِّ الجِراحي المحدَث؛ وذلك لكِبَر حَجمِها، ونصَح حينها بتكسيرها باستِخدام كلاليب خاصة تعمل على تفتيت تلك الحَصاة إلى حصيات صغيرة، يَسهل بالتالي استِخراجُها.



ووصَف عالِمنا هذا أيضًا، جهازَ قسطرة البول بدقَّة مُتناهيَة، وفضَّل استخدام معدن الفضَّة على الرصاص في صناعتِها، وركَّز على مواصَفاتها الفنية التي يجب توافُرها في كل قسطرة، وتوجد بعض تلك الخصائص والمواصَفات في الأدوات الجراحيَّة الحديثة التي يتمُّ تصنيعها في وقتنا الراهن.



بقي تأثير مذهب البغدادي العِلمي واضِحًا في الأجيال العديدة مِن الأطباء الذين ظهَروا بعده، كما ترَكتْ مدرستُه بصماتها واضِحة في ما تلاها مِن المدارس الطبيَّة، وقد ساهَم كتابه "المختار" في تطوير المبادئ الطبيَّة وأُسُس الطبِّ السريريِّ وعِلم الصيدلة، وبقي واحدًا مِن أهم المراجع العلمية التي تمَّ اعتمادُها قرونًا عديدة لاحِقة.



وأخيرًا، فإنّ ما ذكَرْنا مِن علماء الطب المسلمين وجهودهم العلمية التي ترَكتْ بصماتها الواضِحات في سماء دائرة العلوم، ما هو إلا غَيض مِن فيض، فهناك كثير كَثير غيرهم ممَّن ذكَرهم التاريخ، وكَتب أسماءهم على صفحاته بأحرُفٍ مِن نور وذهبٍ، وحُقَّ للمسلمين أن يُفاخِروا بهم غيرهم مِن الأمم.





وما أعظم أن تُبعث في الأمة الإسلامية ثانيةً روحٌ جديدة مِن الصحوَة، وعُلوِّ الهمة، والنشاط البحثيِّ، تُعيدنا إلى ما كنّا عليه مِن مجد سابق تليد، حين سُدْنا العالَم قرونًا طويلةً!




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 19.98 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 19.36 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (3.11%)]