عرض مشاركة واحدة
  #18  
قديم 12-07-2019, 03:42 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 47,525
الدولة : Egypt
افتراضي رد: من مشاهير علماء المسلمين ..

فضل بعض علماء الطب المسلمين في تطوير العلوم الطبية (3)

د. حذيفة أحمد الخراط



(ابن النفيس)




هو أبو الحسن علاء الدِّين بن أبي الحزْم، المعروف بابن النفيس القُرشيِّ، الطبيب العربيُّ المسلم والفيلسوف الفقيه اللُّغويُّ، الذي ولد بدمشق عام 1210 للميلاد، وتوفي بالقاهرة سنة 1288 للميلاد.

نشأ ابن النفيس في دِمشق، ودرَس الطب على يد مُهذَّب الدِّين بن الدَّخْوَار، وهو أشهَر أطباء عَصرِه في ذلك الوقت، ومارَس في دِمَشق الطبَّ ببَراعة ونجاح، ثم حضَر إلى القاهِرة زمَن الملك الكامل الأيوبي، وكانت القاهِرة في ذلك الوقت مركزَ العلوم، ومَقصد الفُنون، فمارَس الطبَّ هناك، واشتُهر بها طبيبًا حاذِقًا، وصَلتْ سُمعته إلى أرجاء الدولة الإسلامية.

اختار السلطان بيبَرس ابنَ النَّفيس طبيبًا خاصًّا لبلاطه، فأصبح عميدًا للبيمارستان المَنصوريِّ، وعميدَ أطباء مِصر لاحِقًا، واستمر يُزاول مُداواة المرضى في دارِه الخاصَّة التي وقَفها بما فيها على البيمارستان المنصوريِّ.

اشتُهر عن ابن النفيس جمُّ الذكاء، وسَعة المعرِفة، والتضلُّع في مُختلِف العلوم، والاستِقامة في كلِّ الشؤون، بما في ذلك الحِكمة في مُزاوَلة مهنة الطب، وقد كان باحثًا مِن الطراز المُمتاز؛ إذ ألَّف في علوم الطبِّ كما ألَّف في علوم أخرى؛ مثل: المنطِق، والفلسَفة، واللغة، والبيان، والحَديث، وأصول الفِقه.

ومما امتاز به ابن النَّفيس استِقلالُ الفِكر، واعتماد المنهج التجريبيِّ في إثبات الحقائق العلميَّة؛ مِن رصد، ومُشاهَدة، ومُقارَنة، وملاحَظة، وإجراء تجارِب، وكان لا يتردَّد في نقد أخطاء كبار الأطباء السابِقين؛ كجالينوس، وابن سينا، وغيرهم.

اعتمدتْ طريقة ابن النفيس في العلاج على تنظيم الغذاء أكثرَ مِن استِخدام الدواء، وخضَعتْ أبحاثُه لمنهج علميٍّ واضِح؛ فقد درَس أعمال مَن سبَقه من العلماء والأطباء، قبل أن يَحكُم على غير السليم منها، ويَعتمد الجيِّد لِبناء نظريات جَديدة، واهتمَّ بالعوامل المؤثِّرة في جسم الإنسان أكثر مِن اهتمامه بالطبِّ العلاجيِّ، وبكلمات أخرى نرى أن ابن النفيس مِن أوائل مَن اعتمد على الحِكمة المعروفة: (الوقاية خير مِن العلاج).

حَفظ ابن النفيس كتاب "القانون" لابن سينا عن ظهْر قلب، وكان يُلقي المحاضَرات عن جالينوس وابن سينا دون سابِق تَحضير، وممّا قاله عن كتُبه التي ألّفها: "لو لم أكنْ واثِقًا من أن كتُبي ستَعيش بعدي عشرة آلاف سنَة، لما كَتبتُها".

كسَر عالِمُنا الجَليل طوقَ التقيُّد بالطُّرق الموروثة عن السابِقين، ودَعا في ذلك إلى التحرُّر مِن هيمنة الأفكار التي ظهَر فسادُها، في الوقت الذي كان غيره لا يَجرؤ على انتِقادها أو مُخالفتها، إلا أنه مع ذلك اشتُهر بالإنصاف والأمانة العلميَّة وعدم تنكُّره لفضْل العلماء الآخَرين، ومما قال عن مخالفته لابن سينا مثلاً: "خالَفْناه في أشياء يَسيرة، ظنَّنا أنها مِن أغاليط النساخ".

تتبَّع ابن النفيس مَسار الدم في أوعية الجِسم الدمويَّة، واستطاع بذلك وصفَ الدَّورة الدموية في جِسم الإنسان، فكان بذلك المُكتشِفَ الأول لها قبْل أن يدَّعي اكتِشافها مَن جاء بعده مِن الأطباء الذين خانوا الأمانة العلميَّة، ونسَبوا أقوال ابن النفيس واكتِشافاته إلى أَنفسِهم زورًا منهم وبهتانًا.

وقد أثبتَ ابن النفيس أن عملية تنقيَة الدم تتمُّ في الرئتَين، واهتدى إلى أن اتِّجاه الدم ثابِت، وأنه يمرُّ مِن التجويف القلبيِّ الأيمن إلى الرِّئة؛ حيث يُخالط الهواء، ويتَّجه مِن الرئة إلى التجويف الأيسر للقلب، ومِن هناك يتمُّ ضخُّه إلى أنحاء الجِسم المُختلِفة.

ومما تطرَّق إلى ذِكْره عالِمُنا هذا، تشريحُ الرِّئة والشُّعَيرات الدموية الدقيقَة، والحُويصِلات الرِّئوية، كما أنه درَس وظائف الرئتَين والأوعية الدموية التي تتَّصل بينها وبين القلب والرئتَين، وخالَف بذلك فهمَ ابن سينا وأرسطو مِن قَبلِه.

لعلَّ أهمَّ مؤلَّفات ابن النفيس موسوعتُه المَعروفة بكتاب "الشامِل"، وهي أضخَم موسوعة علمية طبيَّة، تُكتَب في التاريخ الإنساني، وقد وُضعتْ مُسوَّدتها في ثلاثمائة جزء، إلا أن المنيَّة عاجَلتْ عالِمَنا، فلم يَتمَّ منها سوى تبييض ثمانين جزءًا، وتُمثِّل هذه الموسوعة الصيغة النهائية والمُكتمِلة للطبِّ والصيدلة في الحَضارة الإسلامية بعد خمسة قرون مِن الجهود العلميَّة المتواصِلة.

ومِن مؤلفاته أيضًا:
كتاب "شرح القانون"، وهو عِدَّة أسفار، شرَح خِلالها كتاب ابن سينا، وكتاب "موجَز القانون"، وهو اختِصار لقانون ابن سينا، كما أنَّه شرَح كتاب أبقراط، في كتاب أسماه: "شَرح تَقدِمة المعارف".

سبَق ابن النفيس أطباءَ العُيون، حينما قرَّر أن عَين الإنسان آلة ناقِلة للإبصار، وليستْ باصِرة بحدِّ ذاتها، وأشار إلى أن العَين تَنقل دلالات الجِسم المُبصَر ومَعانيه إلى المخِّ، وجاء العِلم الحديث، مؤكِّدًا صحَّة افتراضات ابن النفيس، وتمَّ اكتِشاف العصَب البَصريِّ الذي يَنقل الصورة، ويَربط العَين بأجزاء مُتخصِّصة في الدِّماغ، تقوم بتفسير المرئيات.

عاش ابن النفيس طوال حياته مُطيعًا لربه، أمينًا لدِينه، لا يَشغله غير العِلم والتعبُّد، حتى جاءه مرض الموت الذي عانَى منه ستَّة أيام، نصَحه فيها بعض أصحابه مِن الأطباء أن يَتناول شيئًا مِن الخَمر؛ لتسكين ما به مِن آلام مُبرحة، فأبى أن يَتناول شيئًا منه، وقال كلمته المعروفة: "لا ألقى الله - تعالى - وفي بطني شيء مِن الخمر".


وتوفِّي - رحمه الله - بمدينة القاهرة التي أقام بها مُعظم حياته عن عُمرٍ قارَب الثمانين عامًا، وترك وصيَّة وهَب فيها داره ومكتبتَه إلى البيمارستان الناصِريِّ، الذي قضى فيه معظم حياته طبيبًا، سجَّل له التاريخ بمداد مِن نور أعظم الصفحات المُضيئات.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 19.86 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 19.23 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (3.13%)]