عرض مشاركة واحدة
  #17  
قديم 09-07-2019, 10:45 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 47,525
الدولة : Egypt
افتراضي رد: من مشاهير علماء المسلمين ..

فضل بعض علماء الطب المسلمين في تطوير العلوم الطبية (2)

د. حذيفة أحمد الخراط





خلف بن عباس الزهراوي:
وُلد أبو القاسم في الأندلس سنة 936 م، ولهذا العالِم الكبيرِ الكثيرُ مِن الإسهامات الطبية والجراحيَّة، التي تركَتْ بصماتها واضِحة حتى عَهْدِنا الحاضِر، والزهراوي هذا علَمٌ كبير مِن أعلام عِلم الجِراحة، وهو واضِع كتاب "التصريف لمَن عجَز عن التأليف"، الذي قال عنه ابن محمد المقري التِّلمِساني: "وكتاب التصريف لأبي القاسم الزَّهراويِّ، وقد أدرَكْناه وشاهَدْناه، ولئن قُلنا: إنه لم يؤلَّف في الطبِّ أجمَع منه، ولا أحسن للقول والعمل في الطبائع، لنَصدُقنَّ".

وقد وقَع كتاب التصريف في ثلاثين مَقالة، بحَثتْ كل واحدة منها في فنٍّ مِن فنون الطبِّ، وخُصِّص الأخيرة منها لفنِّ الجراحة، أو فنِّ صناعة اليد كما كان يُطلق عليها في ذلك الوقت.

برَع الزهراوي في فنِّ الجراحة، حتى أصبَحتْ مؤلفاته الجراحية المَرجِعَ الأول لأطباء ذلك العصر عدةَ مئات مِن السنين، ورفَعتْ ابتكاراتُه الجراحية مِن شأن هذا الاختِصاص، في وقت كانت فيه أوروبا تخضَع لقرارات الكنيسة التي تُحرِّم تدريس علوم الجراحَة في مدارِس الطب.

وكان مِن ضمْن اهتِمامات الزَّهراويِّ أيضًا، دراسة عِلم التشريح، الذي عدَّه أساسًا لفهْم عِلم الجِراحة، ومِفتاحًا لإتقانه، فقال في ذلك: "مَن لا يَبرع في التشريح، لا بدَّ أن يقَع في خطأ قد يُودي بحياة المريض"، وقد أكَّد عِلم الجراحة الحديثُ صحَّةَ هذه المقولة؛ إذ يترتَّب على الجرَّاح معرفة سَير مشرطه في الجسم بصورة دقيقة، ويتمُّ ذلك بفهم تشريحيٍّ عميق؛ حتى لا يُصاب أثناء الجِراحة عضو أو نسيجٌ ما؛ كأوعية الدم أو الأعصاب مثلاً، مما قد يترتَّب عليه الضرر الكبير.

ومن إسهامات الزهراوي في عِلم الجراحة، ما يُذكر بأنه أول مَن قام بعملية لإيقاف النَّزف الدمويِّ عبر ربط الشِّريان النازف، وبالتالي منْع تدفُّق الدم خلاله، وما تزال هذه العملية إحدى دعائم وقف النزيف حتى أيامِنا هذه.

وكان مِن جُلِّ اهتِمام الزهراوي، ابتكارُه للآلات الجراحيَّة، وبراعته في وَصفِها، وإجادته في رسمها وذِكْرها في تصانيفه، وقد أوضَح طريقة استِعمالها وتطبيقها، وامتلأ كتابه "التصريف" بالكثير مِن الرسوم الإيضاحية التي أُعدَّتْ بعناية فائقة، وصار هذا الكتاب مرجعًا رائدًا، أفاد منه الأطباء والجراحون، وتُرجم إلى لغات عديدة؛ كاللاتينية، والعِبرية، وكان أول كتاب يَصِف خطوات العملية الجراحية، ويَدعمها بالرسوم الإيضاحيَّة.

وهَوِيَ الزهراويُّ اقتِناء تلك الأدوات، التي كان يُفيد منها أثناء جراحاته، حتى قيل: إنها ضمَّتْ مجموعةً كبيرةً ربَتْ على مائتي أداة جراحيَّة لها استخداماتها المتعدِّدة والمختلفة.

اعتبر الزهراوي بحقٍّ أولَ من فرَّق بين الجراحة وغيرها من المواضيع الطبية، فقد أفرد للجراحة مقالاً خاصًّا، بعد أن كان هذا العِلم مُتناثرًا، ويَندرِج تحت أبواب العلوم الطبية الأُخرى، وقد اعتَرف بهذا الفضل للزَّهراويِّ الكثيرُ مِن الجراحين الغربيِّين، ومِن ذلك ما قاله أحدُهم: "إن جميع الجرَّاحين الأوروبيِّين الذين ظهَروا بعد القرن الرابع عشر، قد نهَلوا واستقَوا مِن مبحث الزهراوي"، ويقول آخر: "لا شكَّ في أن الزهراويَّ أعظم طبيب في الجِراحة العربيَّة، وقد اعتمده واستند إلى بحوثه جميع مؤلِّفي الجراحة في القرون الوسطى".

وكان مما تكلَّم عنه الزهراوي بعضٌ مِن جوانب جراحَة العيون، ومِن ذلك وصفه لعلاج الناسور الدمعي Fistula بالكيِّ وسكْب الرصاص المُذاب، وقرَّر استخدام الجراحَة في حال فشَل تلك الطريقتَين، ومِن جهوده الأخرى في نفس الاتجاه ما كان مِن وصفه لطريقة جراحيَّة تعتمِد على إحداث فتحة بين كيس الدمع وغشاء الأنف عبر عظْم الأنف، وهي طريقَة ابتكَرها عالِمُنا هذا، واستَخدم لها عددًا مِن آلات الجراحَة الجديدة.

أما في مجال جراحَة الأذن والأنف والحنجَرة، فقد تكلَّم الزهراويُّ في استِئصال الزوائد اللحميَّة في الأنف، وأنواع العمليات الجراحية التي تُحقِّق هذا الهدف، والمُضاعَفات التي تواجِه الجرَّاح أثناء العملية وبعدَها، كما أنه تكلَّم بإسهاب في عملية استِئصال اللوزتَين Tonsillectomy، وشقِّ الحنجَرة واستِئصال أَورامها.

يقول أحد أطباء الغرْب: "إن الزهراويَّ أول مَن نبَّه إلى الاحتياطات التي يجب اتخاذها لمنْع أخطاء العمليات الجراحية، وقد ذكَرها عند الحديث عن كل عملية جراحيَّة".

وفي مجال صحَّة الفم والأسنان وجراحة الفكَّين، تحدَّث الزهراويُّ عن قَلعِ الأضراس، وشرَح كيفيَّة قَلعِ الأسنان، وأسباب كُسور الفكِّ أثناء القلع، وطرُقَ استخراج جذور الأضراس، وطُرُق تنظيف الأسنان، وعلاج كسور الفكَّين والأضراس النابِتة في غير مكانها.

كما برَع الزهراويُّ في تقويم الأسنان، واستعمَل لذلك خُيوطًا مِن الذهب والفضَّة، وهو أول مَن كتب عن علاج عاهات الفم الخِلقيَّة، وتشوُّهات الأقواس السنيَّة، وعلاج القِطع اللحميَّة الزائدة في اللثة، وكان أول مَن قطَع الرباط تحت اللسان الذي يُعيق الكلام، وقطَع ورمَ اللهاة.

وتتجلى عبقريَّة الزهراويُّ في عِلم المسالك البولية، وابتكَر في ذلك عمليات جديدة، لم تزل تُستخدم حتى الآن مِن قِبَل جراحي المسالك البولية، فهو أول مَن ابتكَر القَسطرَة البوليَّة واستعملها لتصريف البَول، أو لغسْل المثانة، أو لإدخال بعض العلاجات الموضعيَّة بداخِلها، وأبدع في وصْف عمليات استِئصال حصيات المثانة جراحيًّا أو تفتيتها بآلاتٍ خاصَّة رسَمها في موسوعته، كما وصَف عمليات استِخراج حصيات مجرَى البَول عِند الذُّكور، والشُّقوق الجراحيَّة الخاصة باستِئصال حصيات المثانة والإحليل عند النساء.

واهتمَّ الزهراويُّ أيضًا في طبِّ التوليد وأمراض النساء، فوصَف طُرُق التوليد، وما قد يُصيب الحامل مِن مشكلات تُعيق سَير الولادة الطبيعيَّة، وشرَح طرُق تدبير الولادات العَسيرة، وكيفيَّة إخراج المشيمة المُلتصِقة، وتحدَّث عن الحَمل الذي قد ينشأ خارج الرحم، وطرُق علاج الإجهاض، وابتكَر آلة خاصةً لاستِخراج الجنين الميِّت مِن رحم الأم، وكان أول مَن ابتكَر بعض الآلات الخاصة بالجراحات النسائيَّة التي لا تَزال تُستخدَم إلى يومِنا هذا.

وللزهراويِّ أيضًا بصماتُه الواضِحة في الجراحة العامة؛ ومِن ذلك براعته في جراحَة الفتْق، وتطرُّقه إلى ذكْر المُضاعَفات التي يُتوقَّع حُدوثها أثناء العملية، ومِن ذلك أيضًا علاجه للأورام عن طريق الشقِّ، وجراحة الورم الذي يَعرض في الحلقوم، وهو ما يُعرف الآن بالغدة الدرَقيَّة، ويَكفي الزهراويَّ فخرًا أن يكون أول مَن تجرَّأ فحاول ونجح في استِئصال هذه الغدَّة، ولم يَجرُؤ أطباء أوروبا على عمل ذلك إلا بعدها بتسعة قرون، واعتمدوا في عملياتهم على مُلاحَظات الزهراويِّ التي سجَّلها في مُصنَّفاته.

وكان الزهراويُّ دائم التطرُّق إلى ذكر طُرق تخدير المريض التي استعملها في عملياته قبْل الشروع بالجراحَة، واستخدم لذلك الإسفنجة المُخدِّرة، التي تَحوي بعض النباتات؛ كنبتَة الزوان وست الحسن والحشيشة، وذكَر كذلك طُرق تعقيم ما يَستخدمه مِن الأدوات الجراحية، وتطهير الجروح، والضمادات، بطُرق تُقرُّها مبادئ الطبِّ الحديث.

يُمدُّنا الأسلوب الأدبي الذي تَسلكه كِتابات الزهراويِّ، ومناهِجه المتَّبعة في التعليم والعلاج، باستِقاء بعض الأخبار عن شخصيَّة هذا العالِم الفذَّة؛ إذ يبدو لنا ذا مُيول إنسانيَّة واضِحة، وهذا ليس نتيجة مهنتِه الطبية فحسب، بل هو نِتاج شخصية مُتوازِنة فريدة، فلم يكن الزهراويُّ مثلاً يَرعى مرضاه فقط، بل وطلابه وجميع مَن قصَده أيضًا، وكان يَستمتِع بتقديم عِلمه لتلاميذه ومُناقَشتهم بالمَسائل الطبيعيَّة، وهو الذي كان يَدعوهم في كتابه بأبنائه الذين علَّمهم الزهراوي أن يَحترموا مَرضاهم بغضِّ النظر عن مكانتِهم الاجتماعيَّة، وأن يُطوِّروا علاقة جيِّدة بين الطبيب والمريض.

كما علَّم الزهراويُّ هؤلاء التلاميذَ أيضًا أهميةَ تشخيص كل مُشكلة طبيَّة باعتِبارها حالة فريدة، آخِذين بعين الاعتِبار كل العوامل التي ربما تَكون ذات صلة بها، وفي المقابل أوصاهم بألا يَحفظوا الكتاب عن ظهْر قلبٍ، وألا يُطبِّقوا العلاجات الواردة فيه قبل أن يَنظُروا في أوجُه اختِلاف كل حالة عن المِثال الوارد عنها، ومما يَصِف طبيعتَه الشخصيَّة ونزاهتَه الواضِحة: إصرارُه على المعايير الأخلاقيَّة، ومُعارضته لأي علاج غير مُنصِف مدفوع بأسباب شخصيَّة؛ مثل: المكاسب المادية.


ونَختِم حديثنا عن الزهراويِّ، بقول الدكتور عزِّ الدين فرَّاج، في كتابه "فضْل عُلماء المسلمين على الحَضارة الأوروبية": "فما وصَلتْ إليه الجراحَة الآن، ما هو إلا جهْد قرون مِن الزمان، وآلاف مِن الباحِثين، رسم لهم الزهراويُّ الطريق، فساروا عليه".





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 22.34 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 21.72 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (2.78%)]