عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 07-10-2020, 07:30 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 48,525
الدولة : Egypt
افتراضي رد: :: سلسلة رموز الإصلاح

العلاّمة الطيب العقبي


أسامه شحادة


العلاّمة الطيب العقبي




تمهيد:
الشيخ الطيب العقبي من أركان الإصلاح في الجزائر، ومن أعمدة جمعية العلماء المسلمين فيها، كان صاحب مواقف قوية ضد الشرك والبدع والخرافات، حتى كان الطرقيون والمبتدعة يطلقون على دعاة التوحيد لقب "عقبي" !!
مولد العقبي ونشأته

هو الطيب بن محمد بن إبراهيم، ولد في شهر شوال سنة 1307هـ الموافق لـ 1890م في الجزائر بضواحي بلدة «سيدي عقبة» التي ينسب إليها.
هاجرت أسرته إلى الحجاز للحج سنة 1313هـ وكان صغيراً، ثم في السنة التالية سكنت عائلته المدينة النبوية في أول سنة 1314هـ /1895م، هرباً من حملات الفرنسيين بتجنيد الجزائريين في صفوف الجيش الفرنسي، ولايزال بعض أقاربه في السعودية لليوم ويحملون جنسيتها.
وفي المدينة المنور قبر أبويه وعمه وعم والده وأخته، وجلّ من هاجر من أفراد عائلته، كلهم دفنوا هناك ببقيع الغرقد رحمة الله عليهم، وقد توفي والده والعقبي في سن الثالثة عشر، وبعد وفاة والده أصبح يتيماً فتربى في حجر أمه، وقد سخر الله له شقيقه الأصغر حيث كان هو من يقوم بقضاء ما يلزم من الضروريات المنزلية فتفرغ للعلم.
فقرأ القرآن على أساتذة مصريين برواية (حفص) ثم شرع بحضور دروس بعض العلماء بالحرم النبوي، مثل الشيخ محمد بن عبد الله زيدان الشنقيطي الذي أخذ عنه الأدب والسيرة، والشيخ حمدان الونيسي والذي كان من أبرز العلماء السلفيين في الجزائر وكان مربي ابن باديس، ثم هاجر للمدينة المنورة، وقد قابله ابن باديس في المدينة حين قدم للحج، وفي المدينة المنورة كان أول لقاء للعقبي مع ابن باديس والبشير الإبراهيمي، وكان لتأثرهم بالشيخ حمدان الونيسي أن اجتمعت أفكارهم ونشاطهم السلفي على الإصلاح.
وقد نبغ العقبي في العلم برغم عدم انتظام دراسته في معاهد علمية وتميز في نظم الشعر والأدب، ثم عمل العقبي بالتدريس، وبدأ مسيرته الإصلاحية بالكتابة في الصحف الحجازية داعياً للإصلاح والعمل فلقيت مقالاته قبولاً عند المسلمين وفتحت له صداقة ومراسلة مع بعض المصلحين المعروفين كشكيب أرسلان ومحبّ الدين الخطيب، وأصبح من أنصار ودعاة فكرة الجامعة الإسلامية ضد أنصار الاستعمار والقوميات الضيقة كحزب الاتحاد والترقي، وبذلك ترسخ منهجه السلفي الإصلاحي وانتشر صيته ودوره بين المصلحين والنهضويين.
ولهذا قام ساسة ورجال حزب تركيا الفتاة بنفيه إلى شبه الجزيرة التركية أكثر من سنتين، عقب ثورة الشريف حسين بسبب مقالاته في الصحف ولعدم تعاونه معهم، وقد لحقت به عائلته بعد خراب المدينة، وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى عاد إلى مكة المكرمة، فأكرمه الشريف حسين وتولى رئاسة تحرير جريدة «القبلة» وإدارة «المطبعة الأميرية» في مكة خلفا للعلامة محب الدين الخطيب.
وفي مكة زاد اطلاعه على الدعوة السلفية في نجد (دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب)، حتى لقب في الجزائر بالوهابي، بسبب نشاطه الكبير في الدعوة للعقيدة السلفية ونبذ الشرك، ومن الطريف أن العقبي يشابه الإمام ابن عبد الوهاب من حيث أنه حين عاد لبلده عاد سلفيا يحمل الدعوة للتوحيد ونبذ الشرك فعاداه قومه، وانظر للعقبي يلخص دعوته ومنهجه في أبيات شعرية فيقول:
ماتت السنة في هذي البلاد قبر العلم وساد الجهل ساد
أيهـا الـسائـل عـن مـعـتـقــدي يـبـتـغي مـنـي مــا يحوي الفؤاد
إنــني لــست بــبدعــي ولا خــارجــي دأبــه طــول العــناد
منهجي شرع النبي المصطفى واعتقادي سلفي ذو سداد
لم أطُف قط بقبر لا ولا أرتجي ما كان من نوع الجماد
لا أنادي صاحب القبر أغث أنت قطب أنت غوث وسناد
لا أسوق الهدي قربانا له زردة يدعونها أهل البلاد
ويقول:
مذهبــي شــرع النبي المصطفى واعتقادي سلفـي ذو سـدادْ
خطتـي علـمٌ وفكــرٌ ونظـرْ في شؤون الكون بحثٌ واجتهادْ
وطريـق الحــق عنـدي واحـدٌ مشربي مشربُ قـربٍ لا ابتعادْ

رجوعه إلى الجزائر
رجع الشيخ العقبي إلى الجزائر في 3/1920م بهدف حماية أملاك العائلة من اعتداء البعض عليها، وبسبب اضطراب الأوضاع في الحجاز بين الشريف حسين والملك عبد العزيز بن سعود، فعاد للجزائر بنية حماية أملاكهم المعتدى عليها، ثم الرجوع إلى الحجاز.
لكن لم يكتب له العودة للحجاز وبقي في الجزائر، وقد جوبه العقبي بمعاملة فظة من الاستعمار الفرنسي إذ عاملوه معاملة مهينة واستقبلوه باعتقال لنحو شهرين واستجواب وتفتيش ووضع تحت المراقبة!
ثم اصطدام بالجهلة والمزيفين من أهل العلم فأثرت على نفسيته فانزوى وانقطع عن العلم والكتابة في الصحف، وحين كتب بعد عدة سنوات بعض الآراء والأفكار في مسائل تخص العلم والدين ثارت ثائرة الجامدين ضده.
وقد عاد العقبي للجزائر بشخصية حجازية في ملبسه ومنطقه وفكره، وبقي يحنّ للحجاز والعودة إليهم، وقد وصف الشيخ ابن باديس حنين العقبي للحجاز أثناء سفرهم إلى باريس ضمن وفد المؤتمر الإسلامي، في سنة 1936م وهم على متن السفينة التي تقلّهم قائلا: "فلما ترنحت السفينة على الأمواج وهبّ النسيم العليل هب العقبي الشاعر من رقدته وأخذ يشنف أسماعنا بأشعاره ويطربنا بنغمته الحجازية مرة والنجدية أخرى ويرتجل البيتين والثلاثة، وهاج بالرجل الشوق إلى الحجاز فلو ملك قيادة الباخرة لما سار بها إلا إلى جدة، وإن رجلا يحمل ذلك الشوق كله للحجاز ثم يكبته ويصبر على بلاء الجزائر وويلاتها ومظالمها لرجل ضحّى في سبيل الجزائر أي تضحية"، ومن شعر العقبي في الحجاز قوله:
سلام على أرض الحجاز سلام ولست على حبي الحجاز أُلام
سلام على آل وصحب عهدتهم وإن بعـدت منهم عليك خيام

بداية نشاطه الدعوي
أقام بمنطقة بسكرة حين رجع إلى الجزائر، وكانت دروسه العلمية والوعظية لطلبة العلم والعامة في مسجد «بكار» والذي لم يكن يخضع للطريقة التيجانية، فكان يدرّس كتاب الجوهر المكنون وكتاب القطر في النحو، ودرس في التفسير للعامة من تفسير المنار، وكان يعقد مجالس أدبية يحضرها أدباء ومثقفون أمثال الأمين العمودي ومحمد العيد آل خليفة.
وبسبب هذا النشاط سرعان ما قامت السلطة الفرنسية باعتقاله قرابة شهر ثم أفرج عنه، فعاد أقوى مما كان في الدعوة للتوحيد والأخلاق الفاضلة وحرب الطرقية والخرافات، في المساجد والصحف التي يشرف عليها العلامة ابن باديس (المنتقد والشهاب) وكانت مقالاته من المقالات الهامة فيهما، فتجمع حوله مجموعة من الأدباء والمصلحين، وتحالف ضده الطرقيون الخرافيون والجامدون.
وقد سعى الطرقيون إلى الطلب من والد ابن باديس أن يوقف هذه المقالات، فاستجاب ابن باديس لهم ونشر بياناً بعنوان «في سبيل الوفاق» يطلب من العقبي وبقية كتاب المنتقد والشهاب الكتابة في مواضيع أخرى، جاء فيه: «بما أنّ هذا الموضوع قد أخذ حظّه من البحث والنّقاش فإنّ الجريدة تعتذر لقرّائها عن اضطرارها لإغلاق هذا الباب،... وعلى كتّابها الأكارم أن يواصلوا مراسلاتهم في غير هذا الموضوع، فالمواضيع واسعة وخدمة المجتمع فيها أجدى وأنفع...» فرفض العقبي ذلك واعتبر الطلب مهادنة للطرقيين وتوقف عن الكتابة، فما كان من ابن باديس إلا أن ذهب إليه في بسكرة وقابله للعودة للكتابة، فكانت النتيجة أن تراجع ابن باديس عن توقيف المقالات ومعاودة الكتابة ضد مفاسد ودجل الطرقيين.
يرى بعض الباحثين أن اختلاف البيئة التي نشأ فيها كل من العقبي وابن باديس هو سبب تنوع طرائقهم في الدعوة والإصلاح، فالعقبي نشأ في بيئة حجازية لم تكن بمستوى مظاهر الكهنوتية الشركية التي ابتدعتها الطرق الصوفية في الجزائر تضلل الناس بها وتبتز أموالهم، وتسوقهم سوق الأنعام في صور مجموعات بشرية ساذجة، والأكثر من ذلك أنها تجعلهم يستطيبون العيش تحت حذاء الأجنبي الكافر، بينما كان ابن باديس، ابن مدينة قسنطينة، أكثر اطلاعاً ومعرفة بعقلية الجزائريين، ولذلك كان العقبي يتخذ طابع الصراحة التامة وترك المجاملة مع المعارضين خصوصا في الأمور الدينية، في حين كان ابن باديس يتبع اللين والمرحلية مع المعارضين، وقد جعل أولويته نشر التعليم والتربية للناشئة وتهيئتها لخوض غمار المستقبل، بينما كان همّ العقبي نشر الإصلاح وتعميقه وتعميمه على الجميع، فكان السلاح الأول خفيا بطيء التأثير، وكان السلاح الثاني ظاهرا سريع التأثير.
وبسبب هذه الحادثة سعى العقبي لتأسيس مجلة له ولإخوانه في بسكرة فظهرت جريدة «صدى الصحراء» في ديسمبر 1925م، ثم انفرد بتأسيس جريدة «الإصلاح» وذلك في 8 سبتمبر 1927م، وقد صدر من هذه الأخيرة 14 عددا ثم أوقفتها السلطة الفرنسية وذلك في سنة 1928م.
وحين أسس "الإصلاح" اعتذرت المطبعة الإسلامية بقسنطينة عن طباعتها فطبعها في تونس، ولذلك عزم على تأسيس مطبعة، وفعلاً تم تأسيس «المطبعة العلميّة» مع مجموعة من زملائه، ولكن هذا استغرق منهم ثلاث سنوات، ولذلك صدر العدد الثاني في السنة الثالثة من عمر المجلة، وهذا يدلنا على الإرادة والإصرار اللذين كان يتحلى بهما العقبي، ومنهجه القائم على البحث عن الحلول وعدم البقاء في مربع المشاكل والعوائق.
وهذا الاهتمام من العقبي بالصحف كان بسبب رؤية عميقة لدور الإعلام في نهضة الأمة، يقول العقبي في جريدة المنتقد (العدد الخامس): « إن الجرائد في الأعصر الأخيرة هي مبدأ نهضة الشعوب، والعامل القوي في رقيّها، والحبل المتين في اتصال أفرادها، والسبب الأول في تقدمها، والصحافة هي المدرسة السيارة والواعظ البليغ، وهي الخطيب المصقع والنذير العريان لذوي الكسل والبطالة، وهي سلاح الضعيف ضد القوي، ونصرة من لا ناصر له، وهي تأخذ الحق وتعطيه، وترمي الغرض فلا تخطيه وهي المحامي القدير عن كل قضية حق وعدل».

مشاركته في تأسيس جمعية العلماء المسلمين في الجزائر
لقد كان العقبي بما له من دور بارز وهام في حمل راية الإصلاح والدعوة والتوحيد في الجزائر من المؤسسين البارزين لجمعية العلماء، ولذلك انتخب ضمن مجلس الإدارة.
وعين نائب الكاتب العام وممثلها في عمالة الجزائر، وتولى رئاسة تحرير صحف الجمعية (السنة والشريعة والصراط)، ثم جريدة (البصائر) من أول عدد لها صدر في 27 سبتمبر/ أيلول 1935م إلى العدد 83 الصادر في 30 سبتمبر 1937م حيث انتقلت إدارتها إلى قسنطينة، وكان العقبي في مقارعة شجاعة مع مختلف صحف الطرقيين (الإخلاص، المعيار، البلاغ الجزائري) التي حظيت بدعم سلطة الاحتلال بعكس صحافة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.
ومن نشاطاته في جمعية العلماء: إشرافه على مدرسة الشبيبة الإسلامية ودعا إلى إنشاء منظمة شباب الموحدين..
وكانت له أنشطة أخرى خارج نطاق جمعية العلماء، فقد كان رئيسا للجمعية الخيرية الإسلامية، ومحاضرا دائماً في نادي الترقي منذ مجيئه للعاصمة سنة 1931م، بعد تأسيس جمعية العلماء وحتى أقعده المرض سنة 1958.
أما سبب كونه خطيب ومحاضر النادي فهو
أن أهل النادي كانوا يبحثون عن عالم يتولى مهمة المحاضرة والتدريس فيه، فلما حضر العقبي اجتماع جمعية العلماء المسلمين الأول وألقى محاضرة خلبت الألباب وأثرت في النفوس، رأى فيه أهل النادي الأهلية لأداء تلك المهام فاتفقوا معه على أن ينتقل إلى العاصمة.
وكانت له دروس في مساجد العاصمة كالمسجد الجديد والمسجد الكبير في التفسير والعقيدة والفقه، والتي لمس سكان العاصمة تأثيرها بينهم.

يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 22.94 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 22.32 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (2.71%)]