عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 25-09-2020, 05:15 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 47,431
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الرضا جنة السالكين




وفي هذا الموقف العصيب قال هذه القصيدة:



لقد جمّع الأحزاب حولي وألّبوا

قبائلهم واستجمعوا كل مَجمعِ




وكلُّهم مُبدي العداوةِ جاهدٌ

عليّ لأني في وَثاقي بمضيع




وقد جمّعوا أبناءهم ونساءهم

وقُربتمن جذع طويل مُمنّع




إلى الله أشكو غربتي ثم كربتي

وما أرصدَ الأحزابُ لي عند مَصرعَي




فذا العرشِ صبّرني على ما يُراد بي

فقد بضّعوا لحمي وقد ياس مطمعي




وذلك في ذات الإله وإن يشأ

يبارك على أوصالِ شلْو ممزّع




وقد خيروني الكفرَ، والموت دونه

وقد هملت عيناي من غير مجزع




وما بي حِذارُ الموت، إني لميّتٌ

ولكن حذاري جحم نار مُلفع




فلست أبالي حين أقتل مسلماً

على أيّ جنبٍ كان في الله مصرعي




ولست بمبدٍ للعدو تخشّعاً

ولا جزِعاً، إنّي إلى الله مَرجعي[9]





والرضا عن الله:

وهو التسليم بكل ما قضاه وقدره عليك في نفسك وفي مالك وفي جميع أحوالك.

والذي يدفع المسلم لذلك علمه بعظمة الله تعالى وأنه ارحم به من الوالدة بوالدها وأنه - سبحانه الرحمن الرحيم الرؤوف الكريم.



سئل الحسن البصري: من أين أتِي هذا الخلق؟ قال: "من قِلَّة الرضا عن الله"، قيل له: ومن أين أتي قلّة الرضا عن الله؟ قال: "من قلّة المعرفة بالله"[10].



عن عبد الرحمن بن إبراهيم الفهري: عن أبيه قال: أوحى الله عز وجل إلى بعض أنبيائه: إذا أوتيت رزقا مني فلا تنظر إلى قلته، ولكن انظر إلى من أهداه إليك، وإذا نزلت بك بلية، فلا تشكني إلى خلقي، كما لا أشكوك إلى ملائكتي حين صعود مساوئك وفضائحك إلي[11].



قال ابن عجيبة في تفسيره: "إذا عَلِمَ العبدُ أن الله كاف جميع عباده، وثق بضمانه، فاستراح من تعبه، وأزال الهموم والأكدار عن قلبه، فيدخل جنة الرضا والتسليم، ويهب عليه من روح الوصال وريحان الجمال نسيم، فيكتفي بالله، ويقنع بعلم الله، ويثق بضمانه[12].



فليتك تحلو والحياة مريرة

وليتك ترضى والأنام غضاب




وليت الذي بيني وبينك عامر

وبيني وبين العالمين خراب


الواقع التطبيقي:

لما قدم سعد بن أبي وقاص إلى مكة، وقد كان كف بصره جاءه الناس يهرعون إليه، كل واحد يسأله أن يدعو له، فيدعو لهذا ولهذا، وكان مجاب الدعوة. قال عبد الله بن السائب: فأتيته وأنا غلام، فتعرفت عليه فعرفني، وقال: أنت قارئ أهل مكة؟ قلت.: نعم، فذكر قصة قال في آخرها: فقلت له: يا عم، أنت تدعو للناس فلو دعوت لنفسك، فرد الله عليك بصرك! فتبسم، وقال: يا بني، قضاء الله سبحانه عندي أحسن من بصري[13].



قال مسروق: كان رجل بالبادية له حمار وكلب وديك.

وكان الديك يوقظهم للصلاة، والكلب يحرسهم، والحمار ينقلون عليه الماء.

ويحمل لهم خيامهم..



فجاء الثعلب فأخذ الديك فحزنوا عليه وكان الرجل صالحاً، فقال:

عسى أن يكون خيراً.

ثم جاء ذئب فبقر بطن الحمار فقتله..

فقال الرجل: عسى أن يكون خيراً..

ثم أصيب الكلب بعد ذلك فقال: عسى أن يكون خيراً.

ثم أصبحوا ذات يوم فنظروا فإذا سُبيءَ من كان حولهم وبقوا سالمين..

وإنما أخذوا أولئك بما كان عندهم من أصوات الكلاب والحمير والديكة، فمن عرف خفي لطف الله رضي بفعله[14].



المجال الثاني الرضا بالإسلام دينا:

واعلموا أن من مجالات الرضا: الرضا بالإسلام دينا

ولكن كيف يرضى المسلم بالإسلام دينا؟

اعلم نور الله قلبك أن الرضا بالإسلام دينا يكون بعدة أمور.

أولا أن تكون راضيا به دينا ونظاما وأن تعي أن الله تعالى لا يقبل من العبد دينا سواه ï´؟ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ï´¾ [آل عمران: 85].



ثانيا أن ترضا بالإسلام شرعا شاملا لجميع مناحي الحياة فالإسلام دين شامل عام يصلح كل زمان و مكان ï´؟ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ï´¾ [الأنعام: 38].



ثالثا: أن الإسلام هو الدستور الذي انزله الله تعالى ليحكم بين الناس بالحق فهو العدل الذي لا جور فيه و هو الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه قال تعالى ï´؟ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ï´¾ [فصلت: 41، 42].



الواقع التطبيقي:

عن طارق بن شهاب قال: خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الشام ومعنا أبو عبيدة فأتوا على مخاضةٍ، وعمر على ناقته فنزل عنها وخلع خفيه فوضعهما على عاتقه وأخذ بزمام ناقته فخاض بها المخاضة. فقال أبو عبيدة رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين أنت تفعل هذا؟ تخلع خفيك وتضعهما على عاتقك وتأخذ بزمام ناقتك وتخوض بها المخاضة ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك. فقال عمر رضي الله عنه: أوَّه! لو قال ذا غيرك أبا عبيدة لجعلته نكالاً لأمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم. إنّا كنّا أذل قومٍ فأعزنا الله بالإسلام فمهما نطلب العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله.



المجال الثالث الرضا برسول الله نبيا - صلى الله عليه وسلم:

واعلم زادك الله علما: أن من مجالات الرضا أن ترضى برسول الله - صلى الله عليه وسلم - نبينا ورسولا.

ما رواه مسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عن النبي انه قال من قال حين يسمع المؤذن اشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وان محمدا عبده ورسوله رضيت بالله ربا وبمحمد رسولا وبالاسلام دينا غفر له ذنبه[15].



يقول ابن القيم - رحمه الله - وأما الرضا بنبيه رسولا: فيتضمن كمال الانقياد له. والتسليم المطلق إليه، بحيث يكون أولى به من نفسه. فلا يتلقى الهدى إلا من مواقع كلماته. ولا يحاكم إلا إليه. ولا يحكم عليه غيره، ولا يرضى بحكم غيره ألبتة. لا في شيء من أسماء الرب وصفاته وأفعاله. ولا في شيء من أذواق حقائق الإيمان ومقاماته. ولا في شيء من أحكام ظاهره وباطنه. لا يرضى في ذلك بحكم غيره. ولا يرضى إلا بحكمه. فإن عجز عنه كان تحكيمه غيره من باب غذاء المضطر إذا لم يجد ما يقيته إلا من الميتة والدم. وأحسن أحواله: أن يكون من باب التراب الذي إنما يتيمم به عند العجز عن استعمال الماء الطهور[16].

ويكون ذلك بعدة أمور:

أولا: التسليم له صلى الله عليه وسلم.

ثانيا: الانقياد لأمره - صلى الله عليه وسلم.

ثالثا: لاقتداء به والالتزام بسنته - صلى الله عليه وسلم -.



الواقع التطبيقي لهذا المجال:

عَنْ جَابِرٍ؛أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَتَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِنُسْخَةٍ مِنَ التَّوْرَاةِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذِهِ نُسْخَةٌ مِنَ التَّوْرَاةِ، فَسَكَتَ، فَجَعَلَ يَقْرَأُ، وَوَجْهُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَتَغَيَّرُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ثَكِلَتْكَ الثَّوَاكِلُ، مَا تَرَى مَا بِوَجْهِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَنَظَرَ عُمَرُ إِلَى وَجْهِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنْ غَضَبِ اللهِ، وَمِنْ غَضَبِ رَسُولِهِ، رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ بَدَا لَكُمْ مُوسَى فَاتَّبَعْتُمُوهُ وَتَرَكْتُمُونِي، لَضَلَلْتُمْ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ، وَلَوْ كَانَ حَيًّا وَأَدْرَكَ نُبُوَّتِى لاَتَّبَعَنِي.



وفي رواية: لاَ تَسْأَلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ، فَإِنَّهُمْ لَنْ يَهْدُوكُمْ وَقَدْ ضَلُّوا، وَإِنَّكُمْ إِمَّا أَنْ تُصَدِّقُوا بِبَاطِلٍ، وَإِمَّا أَنْ تُكَذِّبُوا بِحَقٍّ، وَإِنَّهُ وَاللهِ، لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ مَا حَلَّ لَهُ إِلاَّ أَنْ يَتَّبِعَنِي[17].



العنصر الرابع: ثمرات الرضا:

أحباب رسول الله صلى الله عليه و سلم - بعد أن نهلنا من معين الرضا بالله و عن الله و الرضا بالإسلام و الرضا بنبينا الهمام - صلى الله عليه و سلم - هيا لنأخذ الجوائز السنية و الهبات الربانية التي يمنحها الله تعالى لأهل الرضا - لنرى أن جنة الرضا جنة عالية قطوفها دانية.
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 29.62 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 29.00 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (2.10%)]