عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 23-09-2020, 04:31 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 47,580
الدولة : Egypt
افتراضي والوفاء له رجال ..

والوفاء له رجال ..
د. عبد المجيد البيانوني



أخ عزيز ، وصديق قديم ، انقطعت عنّي أخباره أكثر من ثلاثين عاماً ، حتّى ظننت أنّه أصبح من أهل الآخرة .. ثمّ فوجئت باتّصاله عبر « الفيس » ، وإنّ الفيس نعمة لا تقدّر .. فاطمأننت عنه ، وحمدت الله تعالى على أن متّعه بطول العمر والصحّة والعافية ، ولو لم ييسّر تباعد الديار لقاءه ..
عِلمي به أنّه صديق ودود ، لم تعكّر صفو العلاقة به الأيّام ، ولم يُنسِه الودَّ تقلّبُ الزمان ، وأنا اليوم ألتمس له العذر عن عدم التواصل ، ويلتمس لي الأعذار ..
وكلّما جمعتنا صفحات « الفيس » في لقاء عابر ، نجدّد عهدنا القديم ، وتعود بنا الذكريات بالنفس إلى الأيّام الخوالي ، ويعدني بالزيارة قريباً .. وتمرّ الأيّام ولا يزور ..
واتّصلت به لأزوره ، وقد أصبحت قريباً من دياره ، فاعتذر عن الزيارة .!
ففوجئت أوّلاً ، ثمّ قلت : لعلّ له عذراً ، وأنت تلومُ .. ثمّ وعدني بالزيارة قريباً .. ولم يزرني ، ولم يتّصل .! فالتمست له العذرَ مرّة أخرى ..
وأنا أرى بصدق أنّ حبل الودّ بيننا أوثق الحبال ، فلا أزال ألتمس له الأعذار تلو الأعذار .. ولا أعلم شيئاً عن أعذاره وخفايا أمره ..
ثمّ علمت من بعض ذوي قرابته أنّ زوجته مريضة ، وأنّه مشغول بمرضها ، فاتّصلت به أواسيه ، وأسأله عن مرضها ، فما زاد على أن قال : نعم ، إنّها مريضة .. ودعواتكم لها بالشفاء والعافية .. وحاولت أن أقتحم أسوار الأسرار ، فتحفّظ ، وما زاد على ما قال .. وكرّر طلب الدعاء ..
وفوجئت بخبر وفاة زوجته ، فذهبت إليه معزّياً .. ويا للعجب .! لقد علمت يومها أن زوجته كانت مريضة منذ أكثر من خمس سنوات ، وأنّه كان يقوم على خدمتها بنفسه ، فلا أحد من أهلها أو أولادها قريب منها .. وكان لا يعلم بذلك إلاّ خاصّة القريبين منهما ..
فقلت في نفسي : الحمد لله ، أنّي لم أسئ الظنّ بصاحبي أوّلاً .. والحمد لله على ما تعلّمت منه من الوفاء ثانياً .. والحمد لله على ما رأيت من صاحبي من إيثار الستر ، وكتم السرّ ثالثاً .. وحقّاً ! إنّ الوفاء له رجال .. فطوبى للأوفياء ..
وما أحسنَ ما قالَ الشاعر :
سَألتُ الناسَ عَن خِلّ وَفيّ فقَالُوا : مَا إلى هذا سَبيلُ
تمسّك إن ظَفِرتَ بذَيلِ حُرٍّ فإنّ الحرَّ في الدنيا قَليلُ
ورفقاً بنا أيّتها النساء ! لا تظلمن الرجال ، فتقلن : ليس فيهم أوفياء .. وأعِنّ الرجال أن يكونوا أوفياء ..
ولكنّ هذه الخلائق التي أصبحت من الندرة بمكان في هذا الزمان ، في الرجال وفي النساء ، تحتاج إلى نوع خاصّ من التربية والتعهّد ، والغرس والرعاية ، من رجال يربّون بأخلاقهم قبل أقوالهم ، في وسط مجتمعات غلبت عليها المادّيّة ، وسادت فيها خلائق النفعيّة ، وتمكّنت فيها الأثرة وتقديس الذات ، حتّى أصبح لسان حال كلّ إنسان : نفسي ! نفسي ! وأصبحت أوثق العلائق تقطع بأتفه الأسباب .. وإذا تقرّب إليك متقرّب اكتشفت بعد أيّام أنّ له مصلحة مادّيّة سرعان ما ينساك إذا نالها ..
إنّ الوفاء أيّها الناس ! سرّ من أسرار السعادة النفسيّة ، والأمن الأسريّ والاجتماعيّ ، ولا يعرف ذلك إلاّ من عرفه وذاقه !
وصلّى الله وسلّم وبارك على خاتم الأنبياء سيّد الأوفياء .. معلّم الرجال والنساء : كيف يكون الوفاء ..

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 15.77 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 15.15 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (3.94%)]