عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 23-09-2020, 04:26 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 48,200
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الجدية في الالتزام

إخوتاه..
الحذر الحذر من التسويف، وطول الأمل، قبل فجأة الموت، وحسرة الفوت.
يا من تعمل في أعمال محرمة، إياك أن تسوِّف، فقد تموت قبل أن تتخلص منه، هيا الآن، لا تؤجل، لا تعطل، واتخذ هذا القرار الحاسم في حياتك فهذا دليل توبتك حقًا، لا أن تتشدق بالأوهام.
يا من يريد حفظ القرآن قل: سأبدأ حفظ القرآن اليوم، كل يوم ربع أو ربعين، وتلزم نفسك بذلك إلزامًا صارمًا، ولا تتهاون في عقاب نفسك إن قصرت، وإلا فستصبح من أصحاب المظهرية الجوفاء الذين يكثرون من الوعود والأماني.
إخوتاه..
من طرق العلاج:
سادسًا: أخذ الدين بشموليته.
فمن مظاهر عدم الجدية في الالتزام الاكتفاء ببعض الجوانب في الدين دون الشمولية، وقد قال الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّة) [البقرة /208]، فكثير من الملتزمين يدخل في الدين، ويلتزم ببعض الجزئيات التي أحبها في الدين، وقد يكون ذلك هوى، فليس الهوى في فعل المحرمات، بل وفي فعل الطاعات أيضًا، قال الله - تعالى - لنبيه داود -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام-: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّه) [ص /26]. وقد كان هواه في العبادة.
فملاحظة الشمولية في الدين أمر ضروري، فإنني أريدك متكاملاً في جانب العبادة صوام قوام ذكار لله تتلو القرآن فتصبح ذا شخصية متألهة متنسكة، وعلى الجانب العلمي فأنت طالب علم مجتهد، حافظ للقرآن، ذو عقل وفكر نير واستيعاب شامل، وفي الجانب الدعوي فنشاط متقدم، سرعة واستجابة، وعدم رضا بالواقع، وتفكير متواصل في الطرق الشرعية لتحويل وتغيير مجرى الحياة، ذو تأثير ملحوظ في المحيط الذي تعيش فيه، كما قال الله - تعالى - في وصف نبيه عيسى -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام-: (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ) [مريم /31].
إخوتاه..
هذه هي الشخصية التي نبحث عنها، هؤلاء هم الرجال الذين يحق أن يمكن لهم في الأرض، أما الرضا ببعض جوانب الدين، وتقسيم الدين إلى لباب وقشور، فهذه بدعة منكرة جرت من ورائها تنازلات كثيرة، وشقت الصف لا جمعته.
تجد بعض الشباب رضي بالجانب العلمي وترك باقي الجوانب، تقول لأحدهم: لماذا لا تقوم الليل؟! فيقول: طلب العلم يستحوذ على كل وقتي.
وأنا أعجب من هذه التفرقة التي لا أصل لها، من قال أنَّ علماء السلف تركوا الاجتهاد في العبادة والدعوة من أجل طلب العلم؟!!
وتجد آخرين لا همَّ لهم إلا الدعوة، يتجولون على الناس لدعوتهم وربطهم بالمساجد، وهذا في حد ذاته جيد، لكن دعوة بدون علم، هذا سرعان ما ينقلب على عقبيه، لأنه لم يفهم دينه، فربما يستجيب مرة أو مرتين بسيف الحياء، أو بفعل تحمس مؤقت، ثمَّ بعد ذلك لا تجده.
وآخرون ارتضوا من الدين بالعبادة فلا تعلموا ولا دعوا، فمن أين لهؤلاء بهذا؟!!
إخوتاه..
الدين كلُُ واحد، لا يصلح فيه الترقيع؛ (ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّة) [البقرة /208]، أي جملة واحدة بجميع جوانبه.
ولا بدّ أن توزع طاقاتك من أجل خدمة هذه الجوانب الثلاثة، علم وعمل ودعوة، ومتى ضاع منك الوقت دون أن تثمر شيئًا في هذه الجوانب فاعلم أنَّ هذا من الخذلان، وأنَّ هذا لا يكون إلا بكسبك، فينبغي أن تتوب سريعًا، وإلا فمن يدريك أن الموت لن يكون أسرع مما تتوقع، وعلى هذا نتعاهد ونتواصى، وليأخذ كل منكم بيد أخيه، فإنها النجاة.
إخوتاه..
سابعًا: التعاهد على الثبات حتى الممات.
فمن مظاهر عدم الجدية التفلت من الالتزام لأول عارض، فمن أول شبهة أو أول وارد من شهوة يتفلت، وسرعان ما تتتابع التنازلات، مرة ترك النوافل، ثمَّ مرة ترك الجماعة، بدأ يترك رفقة الصالحين، وفي الملتزمات تجدها تتنازل يوم عرسها فتخلع الحجاب، لماذا؟ لأنه يوم الزفاف ولا حرج، أو تتنازل فتتزوج من غير الملتزمين، وهكذا، تبدأ في خلطة غير الملتزمات، تبدأ في مشاهدة التلفاز، تبدأ في الاختلاط بالرجال، ثمَّ لا تسل بعد ذلك أين هي الآن؟!!
إخوتاه..
يقول ابن القيم في مفتاح دار السعادة (1/140): "وقال لي شيخ الإسلام ابن تيمية - رضي الله عنه - وقد جعلت أُورد عليه إيرادًا بعد إيراد: لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة فيتشربها فلا ينضج إلا بها، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة تمر الشبهات بظاهرها، ولا تستقر فيها، فيراها بصفائه، ويدفعها بصلابته، وإلا فإذا أشربت قلبك كل شبهة تمر عليها صار مقرًا للشبهات" أو كما قال.
يقول ابن القيم: "فما أعلم أنِّي انتفعت بوصية في دفع الشبهات كانتفاعي بذلك".
وهذا هو السبيل، فلا تكن خفيفًا، قال الله - تعالى -: (وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ) [الروم/60]، ولهذا من يتأثر بأدنى شبهة فهذا لا يقين عنده، وأهل العلم واليقين هم الذين يثبتون، فلهذا أقول لك: لا تقف مع الشبهات، وخذ بنصيحة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه)) [5].
فلا تلتفت –أخي- لكل شبهة ولكل شاردة وواردة، مثلًا: الأخ بعدما أعفى لحيته يأتي الاختبار والبلاء فيجد من يقول له: من قال أنَّ اللحية فرض؟ اللحية سنة؟ أو هي من العادات؟ وفلان وفلان قال ذلك.
فالخفيف الذي لم يفقه سرعان ما يلتبس عليه الأمر، ومع أول مضايقة يفر، وهذا يعني عدم الإخلاص وعدم اليقين، وأصل كل المشاكل الإيمانية يدور حول هذين الأمرين، لذلك أقول لك: لا بدّ أن تتعلم أولاً، ثم تعمل بما تعلم، ثمَّ تدعو إلى ما وفقك الله له.
قال - تعالى -: (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) [سورة العصر].
إخوتاه..
كثيرًا ما أحزن عندما تنتشر بعض الأقاويل الباطلة، وعندما ينفث أعداء الدين بشبهاتهم، فتجد بعض الإخوة متخبطًا، يقول لك: ماذا أصنع؟! كيف نرد عليهم؟!! أن تسأل هذا جيد، ولكن متى تقف على أرض صلبة، متى تفهم عن الله؟ متى لا يتسرب إليك الشك سريعًا عند كل شبهة؟
هذا ما يورث الفتور وعدم الجدية، فبهذه النفسيات لا يمكن أن يمكن لنا، لذلك لا بدّ من أن نقف على أرض صلبة، لا بدّ أن نثبت على الدين وإن قويت الرياح، لا نتزعزع، لا تكن انهزاميًا.
مثلًا: تجد من يعمل في ساعة مبكرة من النهار يضيع منه الفجر مرة فأخرى، ثمَّ يبدأ يتنازل وتجده يقول: لا يمكن أن أستيقظ للفجر، فإذا أراد أن ينام يضبط المنبه على ميعاد العمل، وينسى صلاة الفجر، وأخشى أن يكون هذا إصرارًا على تضييع الصلاة في وقتها، فيكون هذا نذير شرك والعياذ بالله.
أنا أريدك موقنًا بما في يد الله، أريدك موقنًا بأنَّ الله هو الرزاق، أريدك إذا عصفت الرياح قويًا تفهم سنن الله الكونية، وتصبر على البلاء حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولاً.
بعض الإخوة إذا أصابه شيء من القهر يجزع سريعًا، وآخرون يقعون في أول اختبار في شهوة، فإذا فتحت عليه الدنيا شيئًا ما نسي ما قدمت يداه، فأين الثبات على الدين؟ أين الاستقامة على شريعة رب العالمين؟
إخوتاه..
إنَّ هؤلاء الذين يتفلتون من الالتزام لأول عارض شبهة أو أول وارد شهوة يضيعون قبل ورود العوارض والموارد، لأنهم مهيئون نفسيًا للوقوع والسقوط.
والعلاج هو اليقين، هو الثبات حتى الممات، هو العقيدة الصحيحة الصلبة، والمنهجية في العلم والعمل والدعوة، وهذا يحتاج إلى صبر وتحمل، ولا يكون ذلك كله إذا لم يخلص العبد في الاستعانة بربه - تبارك وتعالى - فالزم.
إخوتاه..
من طرق العلاج أيضًا:
ثامنًا: عدم إكثار الشكوى وتضخيم المشاكل.
فمن مظاهر عدم الجدية في الالتزام: كثرة الشكوى وتضخيم المشاكل وإيجاد المبررات، فدائمًا أبدًا شكاء، لا يرضى، وكل مشكلة صغيرة يضخمها، وهذا من البطالة وعدم الجدية.
وآخر صاحب منطق تبريري، فلا يريد أن يواجه نفسه ويلقي باللائمة عليها، بل يتذرع ويعلل ويبرر، وهو يدري أنَّه على غير الحق.
ومنهم: من إذا التزم بالدين صار عالة على الدعاة، ولسان حاله يقول: أنا صنعت ما قلتم لي، فعليكم أن توجدوا لي الحلول لكل مشكلاتي، وهل لما التزمت التزمت من أجل فلان وفلان أم ابتغاء وجه رب العالمين؟!
فإذا كنت كذلك فتعلم: ((إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله))[6]، لا تكثر الشكوى خوفًا أن تتسخط على قدر الله، وتلك بلية عظيمة أعيذك بالله أن تقع فيها.
أريد أن تتعلم أن تلجأ إلى الله، لا تتوكل على أحد سوى الله، والله هو القادر على أن يدفع عنك، (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا..) [الحج/38].
إخوتاه..
كثرة الشكوى وتضخيم المشاكل وإيجاد المبررات سبيل للنكوص ولا بدّ، واستصحب دائمًا هذه النصيحة النبوية الذهبية: (واستعن بالله ولا تعجز))[7]، ((واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)).
نصيحة أخيرة:
أريد بعد هذا كله أن أسألكم سؤالًا حتميًا، وأرجو أن يجيب كل واحد منكم نفسه بصدق.
هل أنتم جادون في طلب الخلاص مما أنتم فيه؟ وما الدليل على هذا؟!!
كما قلت لكم من قبل: وقفة جادة مع النفس، والتزام بمنهج واضح في العلم والعمل والدعوة، واعتبار ذلك فرضًا حتميًا لا ينبغي الحيد عنه، وقفة لا تقبل التأجيل، وقفة من الآن.
قل لنفسك: منذ متى وأنا ملتزم فماذا قدمت لدين الله؟!
هل أنا أعمل لله أم من أجل نفسي؟!
ثمَّ بعد أن تمحص نيتك لا تفتر، ولا تقنط، بل عليك أن تسعى في العلاج بقوة، انتهز أوقات النشاط في مضاعفة الطاعات.
وهذا منهج تربوي عليك أن تبدأ به:
1. احفظ كل يوم ولو عشر آيات، وارتبط بمقرأة لتتعلم أحكام التلاوة، وإذا كنت أتقنتها فحافظ عليها من أجل أن تكون من القوم الذين يجتمعون في بيوت الله لتلاوة القرآن ومدارسته فتحفهم الملائكة وتنزل عليهم السكينة ويذكرهم الله فيمن عنده..
2. حافظ على أذكار الصباح والمساء، وأكثِر من الاستغفار والتسبيح والتحميد والتهليل.
3. حافظ على درس علم أسبوعي.
4. لا بدّ أن يكون لك حظ من الليل، وابدأ الآن بركعتين خفيفتين، ثمَّ ابدأ في الزيادة شيئًا فشيئًا، ولا يلهينك الشيطان عن هذا الورد، إن لم تكن تحفظ فامسك بالمصحف وصلِّ، واعتادك ذلك سيكون عونًا لك على الحفظ -بإذن الله-، لأنَّ القراءة من حفظك لها شأن آخر.
5. امكث في المسجد بعد صلاة الفجر إلى أن تشرق الشمس، وصل ركعتي الضحى لتكتب لك كل يوم أجر حجة وعمرة تامة تامة تامة.
وإن لم توفق لذلك فاجلس بين المغرب والعشاء لتنتظر الصلاة بعد الصلاة فإنها من أعظم الكفارات، وترفع بها الخطايا وتعلي الدرجات.
وهكذا ابدأ في زيادة الطاعات والقربات لتحصن نفسك، أما إذا لم يؤثر فيك كل ذلك، وإذا لم تجد من نفسك القوة والرغبة والإصرار على بذل الجهد لله، فاعلم أنَّ قلبك مات فادعُ الله أن يردك عليك قلبك المطموس.
إخوتاه..
انظروا لحال السلف الصالح، وكيف كانت أشواقهم تطير بهم إلى طاعة الله - تعالى -، كيف كانوا يتغلبون على الفتور والكسل بالشوق والخوف.
يقول ابن القيم في كلام غال ثمين لو تأملته: "إذا جن الليل وقع الحرب بين النوم والسهر، فكان الشوق والخوف في مقدمة عسكر اليقظة، وصار الكسل والتواني في كتيبة الغفلة، فإذا حمل الغريم حملة صادقة هزم جنود الفتور والنوم فحصل الظفر والغنيمة، فما يطلع الفجر إلا وقد قسمت السهمان وما عند النائمين خبر" [8].
فأين شوقك لرضا الله؟ أين وجل قلبك وقد أمهلت كثيرًا، وما نهاية ذلك إلا سوء الخاتمة؟ فلماذا تأكلك الغفلة؟ لماذا صرت أمير الكسل؟
إخوتاه..
إننا نحتاج إلى إخوة جادين في كل شؤون حياتهم، تبدو عليهم تلك السمات في أفعالهم، جادين في تفكيرهم، الهم الأول عندهم هو الدين، ثمَّ تأتي سائر الهموم بعد ذلك، فلا شيء يقدم على دين الله.
في صحيح البخاري عن الأسود بن يزيد النخعي قال: "سألت عائشة –رضي الله عنها-: ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله -تعني خدمة أهله-، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة"[9].
فهكذا فقس نفسك، هل إذا قيل لك: حي على الصلاة، حي على العمل الصالح، حي على حضور درس العلم النافع، حي على الإنفاق في سبيل الله، فما بالك حينها؟!
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ…) [التوبة /38-39].
إخوتاه..
يخيل إلىَّ أنني لو راجعت كل واحد منكم فسرد لي قائمة اهتماماته لاستحييت من ذكرها، أمور تافهة لا قيمة لها تشغل تفكيرك، وربما تحول بينك وبين الله، ونحن موقنون أنَّ الله يعلم السر وأخفى، وأنَّ الله عليم بذات الصدور، ولكن رفع الحياء، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أين حياؤك من الله العزيز القهار؟! أين وجل قلبك من العلي الكبير المتعال؟!
إنه لو قدر لبشر أن يعرف ما بداخل صدر أخيه لوقع الجميع في حرج شديد، فما بالك تستحيي من الناس ولا تستحي من الله وهو معك!!
فابدأ –أخي- من الآن إجراء هذه العملية الضرورية، عملية تطهير للأفكار، نريد جدية في الاهتمامات، إن بعضنا يكاد يقتل نفسه من كثرة التفكير، يفكر في وضعه بين الناس، كيف يفكر الناس فيه؟! ماذا يقول الناس عنه؟! ولعله لم يخطر للناس على بال، ولو شغل نفسه بحاله مع الله لكفاه، حينئذٍ عليك أن تردد في نفسه: ماذا أنت فاعل بي يا غفار الذنوب؟ وما اسمي عندك يا علام الغيوب؟
لا تهتم كثيرًا بالناس، فاصلح ما بينك وبين رب الناس يكفك أمر الناس.
تجد بعضهم يقع في مشكلات نفسية وعندما تفتش عن الأسباب تجدها أمور تافهة، وهذا حال أهل البطالة سافلو الهمة، فإنَّ النفوس العلوية لا تنظر لمثل هذه السفاهات، وإلا أخلَّ ذلك بها، لكنه فراغ القلب من الله.
أما أهل الهمة العالية، والجادون في التزامهم فإنهم مشغولون بأمور أخرى، مشغول بحفظ القرآن، بالدعوة إلى الله، بكيفية إصلاح فساد قلبه، مشتاق لسجدة يقبلها الله منه، مشتاق لتسبيحة يشعر معها بحلاوة الإيمان، هذا شأن عباد الله الصالحين، فمن أي الفريقين أنت؟!
إخوتاه..
منذ كم عام وأنت ملتزم؟ فماذا صنعت؟ هل ذقت حلاوة الإيمان أم لم تشعر بها بعد؟
هل تنقل قلبك في رياض الإيمان فشعرت بالسعادة الحقيقية؟ واحسرتاه على من قضى عمره في وهم كبير شيده في ذهنه، ووضع له السياج اللائق به، فكذب على نفسه، ثم استمرأ الكذب فخادع نفسه، فصدق كذبه!!
وإن أخشى ما أخشاه أنْ يكون التزامك هذا وهمًا، ولا أراني أشعر بأفعال تطيح بهذا الهاجس المقلق من نفسي على شباب الصحوة!!
هذه –إذًا- قضيتك الأولى، هل أنت ملتزم أم لا؟ هل اعتاد لسانك الذكر فصار رطبًا منه؟ هل اعتادت جوارحك القيام بأداء حقوق الله فصرت تشعر بالوحشة إذا لم تؤدِ شيئًا يسيرًا منها؟ إنَّه إدمان الطاعة، حينها تجد الرجل يقول: الصلاة صارت تجري في دمي، لا أستطيع أن أترك ورد القرآن، أشعر بأنِّي لا أتمالك نفسي، وهكذا ساعتها تعيش الإسلام لأنه يعيش فيك، فتحفظ من التفلت والانتكاس.
إخوتاه..
تبدو أوضح مظاهر الجدية في التعامل مع الأوقات، كثير من الناس يشتكون من قلة الوقت، وضيق الوقت، وهذا دليل على عدم الجدية.
يقول ابن القيم في تعريف اليقظة: "هي انزعاج القلب لروعة الانتباه من رقدة الغافلين، وهي على ثلاثة مراتب:
(1) لحظ القلب إلى النعمة على اليأس من عدها، والوقوف على حدها، ومعرفة المنة بها، والعلم بالتقصير في حقها.
(2) مطالعة الجناية على التخلص من رقها، وطلب التمحيص بها، والثبات على التوبة بعدها.
(3) معرفة الزيادة والنقصان من الأيام، فيلتزم الضنّ بباقيها، وتعمير تالفها، واستدراك فائتها".
هنا محل الشاهد، فهذا هو الملتزم الحق، الذي دفن جاهلياته، وشمَّر عن ساعد الجد لاستدراك ما فاته طيلة عمره.
وسنة الله الكونية على أنَّه لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه، فالطالب في الكلية عندما يلتزم يندم على أيام ثانوي، والذي يتخرج يندم على أيام الجامعة، والذي يتزوج يندم على أيام قبل الزواج، وهكذا.
فاليوم الذي يذهب لا يأتي مثله، مصداق ذلك حديث أنس بن مالك –رضي الله عنه- في البخاري مرفوعًا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم)) [10].
فانتبه إلى الجدية في التعامل مع الأوقات، لا تضيع وقتك فيما لا ينفعك غدًا، كل نفس من أنفاسك محسوب عليك.
الإمام ابن عقيل الحنبلي شيخ ابن الجوزي يقول: "أنا لا أحل لنفسي أن تضيع لحظة من عمري، فأنا إما أكتب، وإما أقرأ، وإما أطالع، وإما أدرس، وإما أصلي، وإما أذكر، أو أتذاكر حتى إذا تعبت فارقد على جنبي وأسرح بخيالي في مسائلي فإذا عمت لي مسألة قمت وكتبتها".
وهذا الإمام أبو حنيفة في سياق الموت وتلاميذه حوله قال: "هلم مسألة، تعالوا نتدارس مسألة". قالوا: "وفي مثل هذه الحال". قال: "لعله ينجو بها ناج".
ولن تعدم الوسيلة، تحفظ القرآن، تقرأ في كتب العلم، تسمع شريطًا، تخرج في زيارة لشيخ، أو زيارة لمكتبة، أو زيارة لشخص تدعوه إلى الله.
إخوتاه...
أخيرًا: عليكم بالاقتصاد في الهزل والمزاح.
فلقد صار الهزل وكثرة الضحك شعار الشباب في هذه الأيام، وليست المشكلة في الدعابة اليسيرة، والمزاح القليل الذي لا يخرج عند حدود الأدب، وإنما في هذا الإفراط والمبالغة حتى أن بعض الشباب يقلب أكثر المواقف جدية إلى هزل وفكاهة، والذي لا يصنع هكذا يتهم بأنه مصاب بالجمود والانغلاق …الخ
آهٍ… للأسف الشديد ونحن في ذلة وصغار واستضعاف صرنا نعبث ونلهو حتى كأن العصر هو عصر الهزل، والآن هناك أماكن مخصصة للضحك، مسرحيات بالساعات للضحك واللهو والعبث، وكل ذلك بالكذب.
أين الجد في حياتنا يا شباب الإسلام؟
الذي يحلق ببصره ويطوف شرقًا وغربًا ليرى حال المسلمين لا يمكن أن يكون هذا حاله.
قال أبو الدرداء الصحابي الجليل: "أضحكني ثلاث، وأبكاني ثلاث". فقال: "أبكاني رجل ضاحك ملء فيه وهو لا يدري أرضي الله عنه أم سخط".
وبعد..
اسأل الله العلي الكبير أن تكون هذه الرسالة سبيلاً للمؤمنين للرجوع إلى الجادة، ونفض هذا الغبار الذي لطخهم، لنتعاون سويًا لنصرة دين الله - تعالى -.
وما كان من خطأ أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان، وأعوذ بالله أن أذكركم بالله وأنساه، فاللهم اجعل كلامنا هذا حجة لنا لا علينا، واربط على قلوبنا، وعمّنا برحمتك أنت أرحم الراحمين.
ـــــــــــــــــــ
[1] أخرجه مسلم (107) كتاب الإيمان، باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار والمن بالعطية وتنفيق السلعة بالحلف، وبيان الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم.
[2] أخرجه الترمذي (2516) كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم-.
[3] السُّرى: سير عامة الليل. وهو مثل يضرب في الرجل يحتمل المشقة من أجل الراحة، وقيل: إن خالد بن الوليد –رضي الله عنه- هو أول من قاله.
[4] متفق عليه. أخرجه البخاري (4418) كتاب المغازي، باب حديث كعب بن مالك –رضي الله عنه-، ومسلم (2769) ك التوبة، باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه –رضي الله عنهم-.
[5] متفق عليه. أخرجه البخاري (52) كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، ومسلم (1599) كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات.
[6] تقدم تخريجه.
[7] جزء من حديث أخرجه مسلم (2664) كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله.
[8] بدائع الفوائد (3/752).
[9] أخرجه البخاري (676) كتاب الأذان، باب من كان في حاجة أهله فأقيمت الصلاة فخرج.
[10] أخرجه البخاري (7068) كتاب الفتن، باب لا يأتي زمان إلا الذي بعده شر منه.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 41.12 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 40.50 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (1.51%)]