عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 23-09-2020, 04:26 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 48,239
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الجدية في الالتزام

إخوتاه..
هذه هي القضية أن الترف مفسد، وكثرة المال تلهي، فاللهم أعطنا ما يكفينا، وعافنا مما يطغينا.
وللأسف الشديد الناس في هذا الزمان لا يطلبون ما يكفيهم، بل يطلبون ما يطغيهم، لا يكتفون بما يرضيهم بل يطلبون ما يعليهم.
انظر لطلبة العلم الآن، فأكثرهم لم يختم القرآن حفظًا، والحفاظ أصبحوا ندرة، فإذا سئلت: لماذا لم تحفظ القرآن؟!! فالجواب عادة: لأنني لا أجد الوقت.
لماذا –أخي- لا وقت عندك، لأنك تضيعه في طلب الدنيا أو طلب شهوات النفس، أليس لله حق في وقتك، فاتقِِ الله. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
السبب الثالث: رواسب الجاهلية.
من أسباب ضعف الالتزام رواسب الجاهلية، فإن أكثرنا يدخل طريق الالتزام وفي داخلة نفسه رواسب من رواسب الجاهلية مثل: حب الدنيا، والاعتزاز بالنفس، والآمال الدنيوية العريضة، وعدم قبول النصيحة، وكثرة الأكل، وكثرة النوم، وكثرة الكلام، و.. و…الخ.
قال الله -جل جلاله- عن قوم موسى الذين لم يستطيعوا أن يدخلوا معه الأرض المقدسة قال عنهم: (فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ) [يونس /83].
هؤلاء الذين أسلموا لموسى بعد السحرة، يخبرنا الله أنهم أسلموا على خوف، إنهم ربُّوا على القهر والذل والاستعباد، وسياقهم كالقطيع، نشأوا على ذلك، عاشوا على هذا، فلما آمنوا ظلت فيهم رواسب من هذا فلم ينجحوا مع موسى -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام-، فاتعبوه، وبدأت الجاهليات تظهر، فتارةً قالوا: (لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً) [البقرة /55]، وتارة قالوا: (لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ) [البقرة /61]، وتارةً (قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) [المائدة /24].
والشاهد أن سبب هذا أنهم آمنوا أصلاً على خوف من فرعون وملأهم، فإذا اجتمع الالتزام مع رواسب الجاهلية، تظل الرواسب تشدك للماضي.
كم من شباب التزم ثم نكص على عقبيه، وأنت تعلمون أنِّي –والله- أحبكم في الله، فلا تغضبوا مني، فإني أحاول أن نصل معًا إلى حل، إلى علاج لتلك الأمراض التي تفت في عضدنا، وتطمس الجهود الدعوية المبذولة لإعلاء كلمة الله في الأرض، فلكي نصل إلى الجنة لا بدّ من تحمل مرارة الدواء، فهل يعز عليكم تحمل هذا في سبيل الوصول للجنة؟‍!!
لذلك تعالوا بنا إلى بعض السبل العلاجية لظاهرة ضعف الالتزام والفتور.
طرق العلاج من ضعف الالتزام:
أولاً: قف مع نفسك وقفة صادقة جادة.
لا بدّ من وقفة جادة مع النفس، اصدق مع نفسك، ولا تبخل في بذل النصح لها.
قل لها: ثمَّ ماذا؟ ما هي النهاية لكل ما أنت فيه من إعراض عن سبيل الله؟ ‍
هذا أول سبيل للعلاج، سل نفسك: ماذا تريدين؟ هل تريدين الجنة أم النار؟ فإن قلت: الجنة فبماذا تطمعين فيها وأنت في هذا البلاء، وأنت تعصين الله في السر والعلن، في الليل والنهار، حالك هذا والله لا يرضي الله، إنَّ هذا لهو الغرور عينه.
سل نفسك: مالك تشتهين الدنيا وقد علمت حقيقتها؟
أليس نعيمها منغصًا؟ أليس كل فيها يزول ويفنى؟ فمالك تريدين الدنيا وهي إلى رحيل ولا تعملين للجنة وهي دار الخلود؟
اصدق مع نفسك في الجواب، وإياك من التلون والخداع، إياك أن تظفر بك نفسك في التسويف والقنوط.
بعضنا إذا سألته: هل تريد الدنيا أم الآخرة؟ يقول: الآخرة قطعًا، وحاله شاهد على كذبه.
وآخرون لا يدرون ماذا يريدون؟ وبعضنا لا يريد أن يفوت الدنيا ولا الآخرة، والجمع بين النقيضين محال.
كم من شاب يمني نفسه بالعروس الجميلة ذات المؤهل العالي والمركز الاجتماعي المرموق، وبطبيعة الحال كل سلعة لها ثمن، ففي المقابل ستجد التكاليف الباهظة من مهر وشقة ومستلزمات …الخ، وهكذا تظل تعمل من أجل الدنيا، فتتملكك ثمَّ تقول: أريد الدنيا والآخرة!!
إخوتاه..
أهل الآخرة يكفي أحدهم أقل القليل من حطام الدنيا، فمن كان همُّه الآخرة لم يبالِ بما حصَّل الناس من الدنيا، إذا رأى الناس يتنافسون في الحصول على المرأة الجميلة تذكر هو قول الله في الحور العين: (إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا * لِّأَصْحَابِ الْيَمِينِ) [الواقعة /35-38]، فصرف رغبته إليهن، وشمَّر عن ساعد الجد لنيلهن، وهكذا تلمح دائمًا الفرق بين أهل الدنيا وأهل الآخرة فممن أنت؟! الشاهد أننا نريد موقفًا جديًا، نمحص به نياتنا، نعيد من خلاله ترتيب أهدافنا، وابدأ بسؤال نفسك: ماذا تريدين؟ ثم الأمر يحتاج بعد ذلك إلى قرارات صارمة.
ثانيًا: مخالفة النفس طريق الهدى.
انظر لربك وهو يعاتب موسى -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- في تربية قومه يقول الله - عز وجل -: (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا..) لماذا؟ (سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ) [الأعراف /145]، فهذا أول السبيل، تهذيب النفس بمخالفة الهوى، فلا تتابع نفسك في كل ما تشتهي، فلا تجبها في كل ما تطلب.
مثال ذلك: أن تعرف من نفسك أنها لا تصبر على طاعة، فإذا قالت لك: هيا لنأكل أو لنذهب لزيارة فلان أو نحو ذلك من المباحات، فقل لها: ليس قبل أن أقرأ وردي من القرآن. فستظل تلح عليك، فإن خالفتها ولم تفعل ما تطلبه منك المرة بعد المرة فسوف تتحكم فيها، ومن هنا تعلو همتك، وتكون صاحب إرادة، وهذه هي الرجولة الحقيقية فتأمل.
كذلك أنت أيتها الأخت المسلمة إذا حادثتك النفس في أن تكلمي فلانة أو فلانة، فقولي لها: لا ليس قبل أن أنتهي من حفظ هذا الجزء من القرآن، أو ليس قبل أن أنتهي من أذكار الصباح والمساء، ليس قبل أن أقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مائة مرة، وهكذا خالفيها في المباحات فإنَّها لا تأمرك بفعل المكروهات، ومن باب أولى المحرمات.
فمن تابع نفسه في كل ما تطلب أهلكته، لذلك قال - تعالى - في عاقبة من يخالف نفسه في هواها (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) [النازعات /40-41]. وقد بين لنا ربنا حقيقة النفس فقال: (إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [يوسف/53].
فالنفس قد تكون طاغوتًا يعبد من دون الله دون أن يدري الإنسان منا، قال - تعالى -: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) [الجاثية /23].
فاتباع الهوى سبب الضلال، قال - تعالى -: (فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين) [القصص/ 50].
فاللهم اهدنا بفضلك فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وقنا شر أنفسنا، واجعلنا من المرحومين.
أخي الحبيب..
هذب نفسك، وأعلمْها حقيقتها، فهي أمة لله الكبير المتعال، فلا بدّ أن تقيم حاكمية الله على النفس، فالله هو الذي يحكم نفسك، وليست الشهوات، ولا الشيطان.
إنك تتعجب حين تطالع سير سلفنا الصالح، كان الواحد يأكل في اليوم مرة، ويشرب في اليوم مرتين فقط، كما أثر هذا عن الإمام أحمد وغيره.
فأي رجال كان هؤلاء، لكن من عاش ليأكل ويشرب، فهذا قد يكون عبدًا لبطنه، طالع سير السلف لتعرف قدرك جيدًا.
سئل بعض السلف: "الرجل يأكل في اليوم أكلة"؟ قال: "طعام المتقين". قيل: "فالرجل يأكل في اليوم مرتين". قال: "طعام المؤمنين". قيل: "فالرجل يأكل في اليوم ثلاث مرات". قال: "قل لأهله: ابنوا له معلفًا".
فالناس اليوم تعمل من أجل أن تأكل من أفخر الأطعمة، إنه شره النفس، فليس الأمر ما يسد الحاجة، لا.. لا.. إنه يريد أن يحاكي هذا وذاك، وأعداء الإسلام لا ينفكون في تزيين الباطل للناس، حتى تتحطم عقيدة المسلمين في خضم الشهوات والملذات، إنها كما قيل: صناعة الغفلة، نسأل الله لنا ولكم العافية.
إخوتاه..
انظر لما أراد الله أن يربي يحيى –عليه السلام- ليحكم صبيًا قال ربنا -جل جلاله-: (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) [مريم /12]، وهو صبي يحكم لأنه تربى على الجدّ والرجولة، لا على الترف، ولا على الشهوات، ولا على متابعة النفس، ومطاوعة الرغبات، ولا على توفير المطالب، (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا * وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا) [مريم /12 14]. فأين هذه الصفات في شبابنا الآن؟!!
أيها الأحبة في الله..
الله أمرنا بالجدية في الإسلام فقال: (إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ) [الطارق /13-14]، فالأمر ليس هزلًا، اليوم نرى سمات الصالحين في الظاهر، ولكن على قلوب فارغة، على عقول فارغة، وأنا آسف إن قلت هذا، ولكن هذا واقع للأمة لا بدّ من تصحيحه؛ لأنه عار علينا، ووصمة للدعوة، وقد بدأت تظهر أمور لا تمت بصلة للإسلام، في المعاملات وأكل أموال الناس بالباطل، والمشاكل الأسرية والطلاق، والأولاد الذين كنَّا نعقد عليهم آمالنا، أولاد الملتزمين الذين لم يعرفوا الجاهلية التي مرَّ بها آباؤهم، فوجدنا من كبر منهم –وللأسف- بعضهم أسوأ من أبيه.
فلا بدّ من وقفة للتصحيح، لا بدّ من ضبط مواقع الأقدام، قبل أن تذل بنا في جهنم، قال - تعالى -: ( فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ الْسُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ) [النحل/94].
أيها الأحبة في الله..
من طرق العلاج:
ثالثًا: التخلص من مظاهر عدم الجدية.
ومن أخطر تلك المظاهر: الرضا بالظواهر والشكليات، ونسيان القلب والأعمال.
فليس جل الدين في اللحية والقميص القصير والنقاب، إنها من شعائر الإسلام، وينبغي علينا أن نلتزم بها، لكن لأنَّ هذه السنن صارت شعارًا لأهل الإيمان ومعشر الملتزمين في هذا الزمان، فلا شك تسرب بينهم من ليس منهم، واكتفى بهذه الأمور، ومن هنا عدنا نقول: الملتزم هو الصوَّام القوَّام، الملتزم هو القائم بالقسط، الملتزم هو من خلا بيته من المنكرات، من يتفقه في دينه، من يفهم عن ربه، من يعمل في تزكية نفسه، هذه هي المعايير الآن، ومن ابتعد عن هذا فليس من الملتزمين، فقف لتحاسب نفسك.
إخوتاه..
أسألكم بالله عليكم: منذ أن التزم الواحد منكم ماذا حصَّل من العلم الشرعي الذي زاده قربًا إلى ربه؟
ماذا حصَّلت من العقيدة؟ ماذا درست في الفقه؟ كم كتاب قرأت؟ وعلى من تعلمت؟
هل تجيد قراءة القرآن الذي هو فرض عين عليك؟
كم حفظت منذ أن التزمت من القرآن؟
ما أخبار قيام الليل وصيام النهار والمحافظة على الأذكار؟!!
أيها الأخ الحبيب..
ينبغي أن يكون الفرق بينك الآن وبين أيام الجاهلية شاسعًا، لا بدّ أن تتغير جذريًا، فاللسان يلهج بالذكر، والعين تبكي خشية لله، القدم تورم من القيام، قلبك لا تجده إلا في دروس العلم، أذنك تعودت على سماع القرآن وهجرت الموسيقى والغناء.
لا بدّ من هذا، فإنك لا تعدم أن ترى الأطفال يدندنون بالإعلانات والأغاني وتحزن أنك لا ترى أبناء الملتزمين وهم يدندنون بالقرآن.
أين ابنك الذي حفظ القرآن، ثمَّ حفظ اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان (البخاري ومسلم)، والذي فيه أصح الأحاديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأكثرها قوة.
هل رأيت مثل هؤلاء؟ اللهم إلا النادر القليل، والنادر لا حكم له.
لماذا يحدث هذا؟ لماذا لأهل الباطل الغلبة والتأثير؟ أهم أكثر منكم إخلاصًا؟!!
ما نحن فيه الآن يجعلنا جميعًا في قفص الاتهام، وعليك أن تثبت لي عكس هذا.
قال الحسن البصري -وقد صح عنه موقوفًا وهو ضعيف مرفوعًا-: "ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدقته الأعمال، وإن قومًا خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم، قالوا: نحسن الظن بالله. وكذبوا، لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل".
إخوتاه..
أين الإخلاص؟! أين حملة الدين؟ أما رأيتم الرويبضة وهم يمرقون من الدين، إن هؤلاء ما تجرؤوا على الدين إلا بسبب تقصيرنا؟ تقصير في طاعة الله، تقصير في الدعوة إلى الله، والواحد منَّا جل ما يصنع أن يقول: أنا مقصِّر، ادعُ الله لي!!. مقصر!! فلا بدّ من علاج، فليس الأمر أن تتهم نفسك في العلن، ثمَّ لا يتبع ذلك ندم وتوبة.
إخوتاه..
نحن لا نيأس من رحمة الله، والله وعدنا إنْ أصلحنا من أنفسنا أن يغير ما نحن فيه من غربة، فالأمل سيظل معقودًا أبدًا، والمستقبل للإسلام، وإن كره الملحدون والكافرون، والتمكين للدين آتٍ بإذن الله، نسأل الله أن يمكن لدينه في الأرض.
إخوتاه.
من طرق العلاج:
رابعًا: زيادة الطاعات وعدم الاغترار بالعمل اليسير.
معتقد أهل السنة والجماعة أنَّ الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، فإن لم يكن يزيد فإنه ينقص.
أريد أن يزيد إيمانك كل يوم، تقرب إلى الله بما تستطيع، ولا تغتر بالعمل اليسير، ولا تكثر التشدق بالإنجازات، لأنَّ هذا قد يورث العجب والفرح بالعمل والاشتغال بالنعمة عن المنعم،
مثال ذلك:
تجد أن الأخ إذا وجد نفسه مقيمًا للصلوات في الجماعة، وقام ليلة أو ليلتين، ظن نفسه من أولياء الله الصالحين، وهذا قد يبتلى بترك العمل، لأنه لم يشكر النعمة وإنما نسب الفضل لنفسه، ولذلك كان المؤمنون هم أكثر الناس وجلًا، فليس الشأن في العمل وإنما في قبوله، قال - تعالى -: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) [المؤمنون / 60].

فالاغترار بالعمل القليل اليسير، وكثرة الكلام عن الأعمال التي يقوم بها، هذا دليل أنه لن يكمل، ولن يتم فاستر نفسك.
قال الإمام ابن القيم في مدارج السالكين: "ولله در أبي مدين حيث يقول: ومتى رضيت نفسك وعملك لله، فاعلم أن الله عنك غير راضٍ، ومن عرف نفسه وعرف ربه علم أن ما معه من البضاعة لا ينجيه من النار، ولو أتى بمثل عمل الثقلين".
نعم، الذي يرى نفسه مؤمنًا خالصًا فهذا معجب مغتر بنفسه، لا بدّ أن ترى دائمًا نفسك بعين النقص والعيب، لا بدّ أن تنكس رأسك وتذل لله.
ولله المثل الأعلى: فأنت تعرف أنَّ الولد إذا رضي عن نفسه في علم من العلوم يبدأ يهجر مدارسته، ثمَّ بعد هذا تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، وقد يرسب في هذه العلم، بسبب تهاونه وعجبه.
وهذه قضية الأمن على الإيمان، وقد قال الله: (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ * أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) [الأعراف/97-99]. فلا تأمن، فإنَّ إبراهيم الخليل - عليه السلام - لم يأمن على توحيده، بل ابتهل إلى ربه وقال: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَام) [إبراهيم/35].
إخوتاه..
من طرق العلاج:
خامسًا: عدم التسويف.
فمن مظاهر عدم الجدية في الالتزام كثرة الوعود والأماني مع التسويف، فتجد المرء منَّا يمني نفسه، تقول له: احفظ القرآن. فيقول: سأحفظ إن شاء الله عندما أجد الوقت. وبطبيعة الحال لا يجد الوقت فهو مهموم دائمًا، يقول: عندما أنتهي من الدراسة سأتعلم العلم الشرعي، وأتفرغ للدعوة إلى الله، ثمَّ يدخل الجيش فيقول: عندما أنتهي من هذه الفترة الشاقة سأصنع ما أريد بإذن الله، ثمَّ تنتهي مدة الجيش فيبدأ في البحث عن العمل، ثمَّ يقول: لا بدّ أن أتزوج، فيظل مهمومًا بأمر الزوجة والبحث عنها، ثمَّ يجدها فيهتم بأمر الشقة وتجهيز المنزل، ثمَّ يتزوج فيبدأ في السعي لتحسين وضعه الاجتماعي، ثمَّ يرزق بالأولاد فيظل مهمومًا بأمورهم هكذا دواليك.
والعجيب أنّك قد تجد رجلًا من هؤلاء في النهاية قد رضي بهذا الضنك، ويقول: هذه سنة الحياة!!
سنة الحياة أن تعبد الدنيا وتنسى أمر الآخرة!! سنة الحياة أن تهجر الطاعات من أجل الهوى والشهوات!!
إخوتاه..
بسيف التسويف قُتل أناس كثيرون، فالتسويف رأس كل فساد، فمن أجَّل الطاعات لغد وبعد غد لا يلبث أن يتركها بالكلية، فالشيطان يسول له، ويمنيه، ويغريه بطول الأمل، والموت يأتي بغتة، والقبر صندوق العمل.
في قصة الثلاثة الذين خلفوا، كان كعب –رضي الله عنه- لديه المال، يقول كعب بن مالك: "فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع، ولم أقض شيئاً، فأقول في نفسي: أنا قادر عليه. فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئاً، فقلت: أتجهز بعده بيوم أو يومين ثم ألحقهم فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقض شيئاً، ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئاً، فلم يزل بي حتى أسرعوا، وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فطفت فيهم أحزنني أنِّي لا أرى إلا رجلاً مغموصاً عليه النفاق، أو رجلاً ممن عذر الله من الضعفاء"[4].
وهكذا في نهاية المطاف وجد نفسه في وسط المنافقين، وهذا من جراء التسويف.

يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 35.81 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 35.19 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (1.74%)]