عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 24-06-2011, 02:55 AM
الصورة الرمزية أبو الشيماء
أبو الشيماء أبو الشيماء غير متصل
مراقب الملتقيات
 
تاريخ التسجيل: Jul 2008
مكان الإقامة: أينما شاء الله
الجنس :
المشاركات: 6,419
الدولة : Morocco
افتراضي رد: الحصون المنيعة في شرح قاعدة سد الذريعة .

{ فصل }
ومما يفرع على هذه القاعدة الطيبة الكبيرة أيضا جمل كبيرة من مسائل العبادات في كتاب الطهارة والصلاة والصوم والحج والسلوك والمعاملات وغير ذلك من أبواب الشريعة ، وأنا أذكر لك الفروع التي نص عليها الفقهاء أنها ممنوعة لسد الذريعة ، عسى أن ينشرح صدرك بالنظر فيها ، لتعلم كيف تأثير هذه القاعدة العظيمة في فروع الشرع :-
فمنها :- تحريم البول في الماء الدائم والاغتسال فيه من الجنابة ، فإنه لا يجوز للعبد أن يبول في الماء الذي لا يجري ولا يغتسل فيه من الجنابة ، ففي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ،ثم يغتسل فيه )) وفي لفظ (( لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب )) وفي لفظ في غير الصحيح (( لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من الجنابة )) وكل ذلك لسد ذريعة إفساده وتقذيره على الناس ، فإن المتقرر أنه لا يجوز إيذاء المسلمين ، فأي سبب ووسيلة تتضمن إيصال الأذى لهم بغير وجه الحق فإنها محرمة ، ومن هذه الوسائل البول في موارد مياههم التي يشربون منها ويستقون منها فإن الناس إن علموا أن فلانا قد اغتسل في هذا الماء الدائم القليل الذي لا يجري أو بال فيه ، فإن النفوس تعافه ، فيفضي هذا إلى تركه ، وهذا عين إفساده عليهم ، وقد نص على هذه العلة أبو العباس شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره رحم الله الجميع رحمة واسعة ، وفي حديث أبي سعيد الحميري عن معاذ رضي الله عنه قال :- قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (( اتَّقُوا الْمَلاَعِنَ الثَّلاَثَ الْبَرَازَ في الْمَوَارِدِ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ وَالظِّلِّ )) والمراد بالموارد :- أي مياه الناس ، ولذلك قرر الفقهاء رحمهم الله تعالى قاعدة هي متفرعة على قاعدة سد الذرائع ، تقول هذه القاعدة ( لا تقضى الحاجة في كل مكان للناس فيه منفعة مباحة ) ومن هذه الأماكن التي للناس فيها منفعة مباحة موارد الناس ، وفي الصحيح عن جابر قال :- نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن البول في الماء الراكد . والله أعلم .
ومنها :- النهي عن قضاء الحاجة في طريق الناس المسلوك أو ظلهم ، لأن هذا الفعل يفضي إلى التضييق على الناس في أماكن راحتهم واستجمامهم ، ولأن لهم في ذلك منفعة مباحة ، وهي منفعة الاستطراق والاستظلال ، ففي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :- قال النبي صلى الله عليه وسلم (( اتقوا اللاعنين )) قالوا :- وما اللاعنان يا رسول الله ؟ قال (( الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم )) فلا يجوز هذا الفعل ، لما فيه من الضرر على الناس ، والمتقرر في قواعد الشرع:- أنه لا ضرر ولا ضرار ، فانظر إلى كمال هذا الدين العظيم ، زاده الله شرفا ورفعة .
ومنها:- النهي عن البول في الجحر ، فإن هذا منهي عنه لسد ذريعة الضرر على المتخلي ، إما لأن هذا الجحر قد يكون من مساكن الجن ، فيؤذيهم ، فيعودون عليه بالرد بالمثل فيؤذونه ، وإما خشية من أن يكون مسكنا لبعض دواب الأرض فتخرج فتؤذيه بسمها أو عضها ، والمهم أن كلا العلتين تفيدك أنه منهي عنه لسد الذريعة ، روى أبو داود في سننه قال :- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ حدثني أَبِى عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى أَنْ يُبَالَ في الْجُحْرِ . قَالَ قَالُوا لِقَتَادَةَ مَا يُكْرَهُ مِنَ الْبَوْلِ في الْجُحْرِ قَالَ كَانَ يُقَالُ إِنَّهَا مَسَاكِنُ الْجِنِّ . ولا بأس بسنده ، فمراعاة هذا الأصل الكبير الذي هو سد الذريعة أوجب النهي عن هذا الفعل .
ومنها:- النهي عن افتراش جلود السباع والجلوس عليها ، وهو حرام في حق الذكور والإناث وما ذلك إلا لأنه يكسب القلب هيئة منافية للهيئة المطلوبة منه من الانكسار والذل والخضوع لربه جل وعلا ، فإن العبودية المطلوبة من القلب تتنافى مع هذا الفعل ، ولذلك صار هذا الفعل من أفعال الجبابرة الذين لا حظ لهم في التعبد ، فالقلب لا بد أن يكون منكسرا لله تعالى ، وخاضعا له ومنطرحا بين يديه ، وهذا الفعل ينفي هذا المطلوب الشرعي عن القلب ، فنهت الشريعة عنه سدا لذريعة التسلط والتكبر والتجبر والتعالي على الخلق ، فعن أبي المليح بن أسامة عن أبيه قال :- نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن جلود السباع . رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي ، وزاد :- أن يفترش . وعن معاوية رضي الله عنه أنه قال لنفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم :- هل تعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن جلود النمور أن يركب عليها ؟ قالوا:- اللهم نعم . رواه أحمد وأبو داود ، ولأحمد :- أنشدكم الله ، أنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ركوب صفف النمور ؟ قالوا :- نعم ، قال :- وأنا أشهد . وعن المقدام بن معديكرب رضي الله عنه أنه قال لمعاوية رضي الله عنه :- أنشدك الله ، هل تعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس جلود السباع والركوب عليها ؟ قال :- نعم . وعنه رضي الله عنه قال :- نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الحرير والذهب ومياثر النمور . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال :- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا تصحب الملائكة رفقة فيها جلد نمر )) رواه أبو داود ,فكل ذلك منهي عنه لسد ذريعة فساد القلب بالأوصاف المنافية لهيئة العبودية ، والله أعلم .
ومنها :- النهي عن الاستجمار باليمين ، فإنه من المعلوم أن اليمين هي اليد التي يتناول بها الإنسان أشياءه وهي اليد التي يأكل بها ، وهي اليد التي يسلم بها ، فلا بد من المحافظة عليها من أن يعلق بها ما يكون سببا للضرر ، من الروائح الكريهة ، أو الميكروبات التي لا تراها العين المجردة ، فلا بد من حمايتها من ملامسة النجاسات ، دفعا للضرر وحماية للصحة ، وسدا لذريعة الإضرار بالغير ، فنهت الشريعة أن تكون اليد اليمنى آلة للاستجمار والاستنجاء ، ففي الصحيحين من حديث عبدالله بن أبي قتادة عن أبيه قال :- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه ولا يتمسح من الخلاء بيمينه ، ولا يتنفس في الإناء )) وفي صحيح مسلم عن سلمان رضي الله عنه أنه قيل له :- هل علمكم نبيكم صلى الله عليه وسلم كل شيء حتى الخراءة ؟ قال :- أجل ، نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول ، أو أن نستنجي باليمين ، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار أو نستنجي برجيع أو عظم . وقال أبو داود في سننه :- حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ حدثني عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنِ ابْنِ أَبِى عَرُوبَةَ عَنْ أَبِى مَعْشَرٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْيُمْنَى لِطُهُورِهِ وَطَعَامِهِ وَكَانَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى لِخَلاَئِهِ وَمَا كَانَ مِنْ أَذًى . فبالله عليك أي شريعة في هذا الوجود تتصف بهذه العظمة والكمال ؟ لا والله إنه الإسلام فقط ، دين النظافة والنزاهة ، ودين الصحة والعافية ، فالحمد لله تعالى على هذه النعمة الكبيرة التي والله مهما شكرنا الله عليها فإننا لن نوفيها حقها ، وهي نعمة الهداية لهذا الدين الكريم ، والله أعلم .
ومنها :- وجوب العمل باليقين والأصل في باب المياه وعدم إعمال الشك ، فالشك مطرح ، فكل ماء شككت في طهوريته فإن الأصل فيه الطهورية ، والواجب عليك هو العمل بهذا الأصل ، وإلغاء الشك ، فالشريعة سدت باب العمل بالشك في باب المياه حتى لا تفسد على الناس مواردهم وذلك حتى لا يكون فتحه معينا للشيطان على الوسوسة في المياه ، وهذا من باب سد الذرائع .
ومنها:- سد باب الشك في الطهارة ، فمن سمع قرقرة في بطنه وشك في الحدث فإنه يبني على يقين طهارته ، لأن فتح باب الشك في الطهارة من الأشياء التي تفسد على المرء كثيرا من عباداته وتدخله في باب عظيم من الوسوسة لا يكاد يغلق ، ويترقى به الشيطان منها إلى أبواب الاعتقاد فالشك من الأبواب الشيطانية الخطيرة التي لا بد أن تعامل بما قرره الشرع ، وإلا فإنه سيكون نارا مضطرمة في القلب لا يطفئها شيء ، ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال :- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إذا وجد في بطنه شيئا ، فأشكل عليه أخرج منه شيء أو لا ، فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا )) رواه مسلم ، وفي الصحيحين من حديث عباد بن تميم عن عمه عبدالله بن زيد رضي الله عنه أنه شكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة ، فقال (( لا ينصرف ، أو لا ينفتل حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا )) متفق عليه ، فسدت الشريعة باب الوساوس في الطهارة ، حتى لا يكون للشيطان مدخل على القلب والروح والعقل في التشكيك ، والوسوسة ، فالحمد لله تعالى على هذه النعمة الكبيرة ، فلا شك ولا وسوسة في الإسلام ، وقد رأينا ورأى غيرنا الكثير من أصحاب الوساوس يتصرفون تصرف الأطفال والمجانين ، نسأل الله تعالى لهم العافية ، والله أعلم .
ومنها :- تحريم الذهب والحرير على الرجال حرم لسد ذريعة التشبيه بالنساء الملعون فاعله ، وذلك لأن الشريعة قد سدت باب التشابه بين الرجال والنساء ، فأي فعل يتضمن التشبه فإنه ممنوع سدا للذريعة ، قال البخاري في صحيحه :- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ:- لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنْ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنْ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ . والمتقرر في قواعد الشريعة أن كل لبسة اختص بها النساء فإنها لا تجوز للرجال ، وكل لبسة اختص بها الرجال فإنها لا تجوز للنساء ، ومن ذلك أن الشريعة خصت المرأة بجواز لبس الحرير ، وأما الرجل فإنه يحرم عليه ذلك ، وعلة التحريم أن الرجل كامل برجولته فلا تحتاج رجولته إلى تكميل ، وأما المرأة فإنها تحتاج إلى ما يجملها ، كما قال الله تعالى }أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ {فمن طبيعة المرأة أن تكون في الحلية وأنواع الزينة والتجمل ، فلا يجوز للرجل التشبه بها فيما هو من خصائصها ، ومن ذلك لبس الحرير ، فلا يجوز للرجل أن يلبس الحرير ، والأدلة في هذا واضحة ، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أجاز أن يتخذ الرجل من الحرير بمقدار أربع أصابع ، قال البخاري في صحيحه :- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي ذِبْيَانَ خَلِيفَةَ بْنِ كَعْبٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ :- قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ )) وقال النسائي في سننه :- أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الدِّرْهَمِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ((أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لِإِنَاثِ أُمَّتِي وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا)) حديث جيد ، والمهم أن تعلم أن العلة في التحريم إنما هي سد الذريعة , والله أعلم .
ومنها:- قال البركوي رحمه الله تعالى في كتابه زيارة القبور (الذي شرعه النبي عليه السلام عند زيادة القبور إنما هو تذكر الآخرة والاتعاظ والاعتبار بحال المزور والإحسان إليه بالدعاء له والترحم عليه حتى يكون الزائر محسناً إلى نفسه وإلى الميت فقلب هؤلاء الأمر وعكسوا الدين وجعلوا المقصود بالزيارة الشرك بالميت ودعاءه وسؤاله الحوائج واستنزال البركات منه ونحو ذلك فصاروا مسيئين إلى أنفسهم وإلى الميت فإنه عليه السلام لسد ذريعة الشرك نهى أصحابه في أوائل الإسلام عن زيارة القبور لكونهم حديثي عهد بالكفر لم لما تمكن التوحيد في قلوبهم أذن لهم في زيارتها وبين فائدتها وعلمهم كيفيتها تارة بقوله وتارة بفعله وذلك في الأحاديث الكثيرة لكن نذكر عدة منها في الإذن وبعضها في التعليم وفي ضمنها بيان الفائدة … أما التي في الإذن : فمنها حديثا أبي سعيد أنه عليه السلام قال (( كنت نهيتكم عن زيارة القبور فمن أراد أن يزور فليزر ولا تقولوا هجرا )) رواه الإمام أحمد والنسائي ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( زوروا القبور فإنها تذكر الموت )) رواه مسلم … وأما التي في التعليم: فمنها حديث سليمان بن بريدة رضي الله عنه عن أبيه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا (( السلام على أهل الديار )) وفي لفظ مسلم (( السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله للاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية )) … ومنها حديث عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كانت ليلتي منه يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول (( السلام عليكم دار قوم مؤمنين ، وأتاكم ما توعدون غداً مؤجلون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد )) رواهما مسلم ، ومنها : حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهة فقال ((السلام عليكم يا أهل القبور ، يغفر الله لنا ولكم أنتم سلفنا ونحن بالأثر)) رواه الأمام أحمد والترمذي وحسنه … فإنه صلى الله عليه وسلم بين في هذه الأحاديث أن فائدة زيارة القبور إحسان الزائر إلى نفسه وإلى الميت أما أحسانه إلى نفسه فيذكر الموت والآخرة والزهد في الدنيا والاتعاظ والاعتبار بحال الميت وأما إحسانه إلى الميت فبالسلام عليه والدعاء له بالرحمة والمغفرة وسؤال العافية … فينبغي لمن يزور قبر ميت أي ميت كان , سواء كان من أولياء الله تعالى أو من غيرهم من المؤمنين أن يسلم عليه ويسأل له العافية ويستغفر له ويترحم عليه كما تقدم في الأحاديث ثم يعتبر في حال من زاره وما صار إليه حاله وماذا سئل عنه وبماذا أجاب وهل كان قبره روضة من رياض الجنة أو حفرة من النيران ثم يجعل نفسه كأنه مات ودخل في القبر وذهب عنه ماله وأهله وولده ومعارفه وبقي وحيداً فريداً وهو الآن يسأل فماذا يجيب وما يكون حاله ويكون مشغولاً بهذا الاعتبار مادام هناك ويتعلق بمولاه في الخلاص من هذه الأمور الخطيرة العظيمة ويلجأ إليه ) فانظر كيف ذكر رحمه الله تعالى أن العلة في النهي عن زيارة القبور أولا إنما كان لسد الذريعة ، أي سد ذريعة الشرك ، لأن القوم كانوا حديثي عهد بكفر ، وهذا من اعتبار أهل العلم رحمهم الله تعالى لهذا الأصل العظيم ، وفهمهم له من كثير من النصوص .
ومنها :- النهي عن الصلاة النافلة التي لا سبب لها في الأوقات المنهي عنها ، ففي حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال :- شهد عندي رجالٌ مرضيون أرضاهم عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس وبعد العصر حتى تغرب . وفي الحديث (( لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس ، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب )) متفق عليه ، وفي حديث عقبة رضي الله عنه قال :- ثلاث ساعات كان النبي صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن وأن نقبر فيهن موتانا حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع ، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول الشمس وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب . رواه مسلم ، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن العلة من هذا النهي إنما هو سد ذريعة المشابهة بالمشركين ، وذلك فيما رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه عن عمرو بن عبسة كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة وأنهم ليسوا على شيء وهم يعبدون الأوثان قال فسمعت برجلٍ بمكة يخبر أخباراً فقعدت على راحلتي فقدمت عليه فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفياً حراءٌ عليه قومه فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة فقلت له ما أنت قال (( أنا نبيٌّ )) فقلت وما نبيٌّ ؟ قال (( أرسلني الله )) فقلت بأي شيءٍ أرسلك؟ قال (( أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان وأن يوحد الله ولا يشرك به شيءٌ )) قلت له فمن معك على هذا الأمر؟ قال (( حرٌّ وعبدٌ )) قال ومعه يومئذٍ أبو بكر وبلال فقلت إني متبعك قال ((إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا ألا ترى حالي وحال الناس ولكن ارجع إلى أهلك فإذا سمعت بي قد ظهرت فائتني)) قال فذهبت إلى أهلي وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنت في أهلي فجعلت أتخبر الأخبار وأسأل الناس حين قدم المدينة حتى قدم نفر من أهل يثرب من أهل المدينة فقلت ما فعل هذا الرجل الذي قدم المدينة ؟ فقالوا:- الناس إليه سراعٌ وقد أراد قومه قتله فلم يستطيعوا ذلك فقدمت المدينة فدخلت عليه فقلت يا رسول الله أتعرفني قال (( نعم أنت الذي لقيتني بمكة فقلت يا رسول الله أخبرني عما علمك الله وأجهله أخبرني عن الصلاة قال صل صلاة الصبح ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس وترتفع فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان وحينئذٍ يسجد لها الكفار ثم صل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح ثم أقصر عن الصلاة فإن حينئذٍ تسجر جهنم فإذا أقبل الفيء فصل فإن الصلاة مشهودة محضورة ٌ حتى تصلي العصر ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس فإنها تغرب بين قرني شيطان وحينئذٍ يسجد لها الكفار ... الحديث )) فقول النبي صلى الله عليه وسلم (( وحينئذ يسجد لها الكفار )) دليل على أنه إنما نهى عن الصلاة في هذه الأوقات لسد ذريعة المشابهة بالمشركين في عبادتهم للشمس ، وهو أصل في اعتبار سد الذرائع ، قال ابن تيمية رحمه الله تعالى ( فإذا كان نهيه عن الصلاة في هذه الأوقات لسد ذريعة الشرك، لئلا يفضي ذلك إلى السجود للشمس ودعائها وسؤالها، كما يفعله أهل دعوة الشمس والقمر والكواكب الذين يدعونها ويسألونها، كان معلوماً أن دعوة الشمس والسجود لها هو محرم في نفسه أعظم تحريماً من الصلاة التي نهى عنها؛ لئلا يفضي ذلك إلى دعاء الكواكب )
ومنها :- أن أهل العلم رحمهم الله تعالى قد أفتوا بأنه لا مجاز في القرآن ، وما ذلك إلا لسد أبواب التحريف والتعطيل في باب الأسماء والصفات ، وفي المسألة بحث ، لعلي أذكره في آخر الرسالة ولا أنساه .
ومنها:- تحريم الجمع بين الأختين في النكاح في قوله تعالى }وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ {وتحريم نكاح البنت على عمتها أو خالتها الوارد في قوله صلى الله عليه وسلم (( لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها )) أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا كله من باب سد ذريعة تفرق الأقارب ، وانزراع البغضاء والتدابر والشحناء والهجر بينهم ، وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم على هذه العلة في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تزوج المرأة على العمة وعلى الخالة وقال (( إنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم )) وهذا أصل في هذه القاعدة ، وعليه فنقول :- كل سبب يفضي إلى افتراق الأقارب وبث البغضاء بينهم فإنه ممنوع شرعا، لأن الشريعة أمرت بصلة الرحم ، وحرمت القطيعة ، فما كان سببا في صلة الأرحام فالأصل أنه مطلوب في الشرع إلا فيما خالف النص ، وما كان سببا للهجر والقطيعة فإنه ممنوع في الشرع إلا بدليل . وكل هذا من باب سد الذرائع ، والله أعلم .
ومنها :- أن الأصل في باب التصوير المنع ، إلا ما دعت إليه الضرورة ، فالتصوير كله لا يجوز وأعني التصوير الذي من طبيعته الثبوت ، فحكمه الشرع أنه لا يجوز ، سواء منه التصوير المسمى بتصوير النحت ، أو المسمى بالتصوير الفوتوغرافي ، كل هذا محرم ، والعلة من التحريم إنما هي لسد ذريعة المضاهاة بخلق الله تعالى ، ولسد ذريعة الشرك ، فإن التصوير والشرك مرتضعان من ثدي واحد ، ولذلك فإن أول الشرك في قوم نوح إنما كان سببه الغلو في الصالحين ، بتصويرهم لهم, كما في حديث ابن عباس ، وقد ذكرناه سابقا ، والأدلة في هذا الشأن كثيرة ، ولنا فيها رسالة خاصة فعن عون بن أبي جحيفة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الدم وثمن الكلب وكسب البغي ولعن الواشمة والمستوشمة وآكل الربا وموكله ولعن المصورين . وعن أبي الهياج حيان بن حصين الأسدي قال :- قال علي ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ألا تدع تمثالاً إلا طمسته ولا قبراً مشرفا إلا سويته )) وفي رواية (( ولا صورة إلا طمستها )) وعن ابن عباس أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلبٌ ولا صورة ٌ )) وفي رواية (( ولا تماثيل )) وفي رواية (( ولا تصاوير )) وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( من تحلم بحلم لم يره كلف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل ومن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صب في أذنيه الآنك يوم القيامة ومن صور صورة عذب وكلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ )) وعن أبي زرعة قال دخلت أنا وأبو هريرة دار مروان فرأى فيها تصاوير وفي حديث جرير داراً تبنى بالمدينة لسعيد أو لمروان - فرأى مصوراً يصور في الدار فقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( قال الله عز وجل :- ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقاً كخلقي فليخلقوا ذرةً أو ليخلقوا حبةً أو ليخلقوا شعيرة )) وكل هذه الأحاديث في الصحيح وهذا الباب إنما سد بابه سدا للذريعة التي ذكرتها لك قبل قليل ، فهو أصل في وجوب سد الذرائع والله أعلم .
ومنها:- تحريم بيع المسلم على بيع أخيه أو شرائه على شرائه ، أو خطبته على خطبته على يترك الأول أو يأذن ، وكل هذا ممنوع لسد ذريعة الاختلاف والتقاطع والتهاجر المنهي عنه ، واشتحان القلوب بالبغضاء والشحناء ، وهذا الباب مسدود كله ، فكل سبب يفضي إلى التهاجر بين المؤمنين فإنه ممنوع شرعا ، فعن الزهري عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا - عباد الله – إخواناً )) زاد ابن عيينة وغيره (( ولا تقاطعوا )) وفي حديث مالك وغيره عن الزهري (( ولا يحل لمسلمٍ أن يهجر أخاه فوق ثلاث )) وأخرجه مسلم من حديث شعبة عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخواناً )) وعن مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( لا يبع أحدكم على بيع بعض )) وأخرجه البخاري من حديث عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج عن نافع عن ابن عمر قال :- نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيع الرجل على بيع أخيه أو يخطب . وعن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( لا يبع الرجل على بيع أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه إلا أن يأذن له )) وأخرجه مسلم أيضاً من حديث أيوب والليث عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( لا يبع بعضكم على بيع بعض ولا يخطب بعضكم على خطبة بعضٍ )) فاستفدنا من ذلك قاعدة في السلوك كبرى تقول (كل ذريعة تفضي إلى التباغض والتدابر والتقاطع بين المسلمين فهي ممنوعة) والله أعلم .
ومنها :- وقال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله تعالى في شرح كتاب التوحيد على قول النبي صلى الله عليه وسلم (( إنه لا يستغاث بي ، وإنما يستغاث بالله )) قال ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استنكر هذه اللفظة، فقال "إنه لا يستغاث بي، وإنما يُستغاث بالله عزّ وجلّ" مع أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قادراً على أن يَرْدَع هذا المنافق؟ وأن يُغيث المسلمين من شرّه؟، بلى، هذا من الاستغاثة الجائزة، لأنه استغاثة بالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما يقدر عليه، لكن الرسول تأدُّباً مع الله سبحانه وتعالى، وتعليماً للمسلمين أن يتركوا الألفاظ التي فيها سوء أدب مع الله عزّ وجلّ، وإن كانت جائزة في الأصل، فقال "إنه لا يُستغاث بي" وهذا من باب التعليم وسدّ الذرائع لئلا يُتَطَرَّق من الاستغاثة الجائزة إلى الاستغاثة الممنوعة، فالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منع من شيء جائز خوفاً أن يُفضي إلى شيء غير جائز، مثل ما منع من الصلاة عند القبور، والدعاء عند القبور، وإن كان المصلي والداعي لا يدعو إلاَّ الله، ولا يصلِّي إلاَّ لله، لكن هذا وسيلة من وسائل الشرك، كذلك هنا فالرسول أنكر هذه اللفظة سدًّا للذرائع، وتعليماُ للمسلمين، أن يتجنّبوا الألفاظ غير اللائقة ) فانظر كيف علل الشيخ قول النبي صلى الله عليه وسلم " إنه لا يستغاث بي ، وإنما يستغاث بالله " بأن هذا من باب سد الذرائع ، فيكون هذا الدليل من جملة ما يستدل به على هذا الأصل الكبير .
ومنها:- تحريم بناء القباب على القبور ، هو من هذا الباب أيضا ، أي أن القول بتحريمها هو الحق وأن العلة في ذلك هي سد ذريعة التعظيم المفضي إلى الشرك الأكبر ، وهي من أخطر أنواع البناء على القبور فالواجب على ولاة الأمور هدم كل القباب التي على القبور ، أيا كان صاحب هذا القبر ، ونحن لا نقر القبة التي على قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، بل الواجب هدمها ، ولكن التصرف في الهدم لا يكون في هذه المسألة لآحاد الناس بل لا بد من أن يكون القائم على هذا ولاة الأمر ، وما أصاب والله من بناها على قبره صلى الله عليه وسلم ، فالقباب كلها لا بد من هدمها ولا يجوز إبقاء شيء منها ، فإنها من أعظم ما يكون سببا للافتتان بالقبر ، وعلى أهل العلم أن يهدموها من قلوب من يعظمونها بالحجة والبيان المبني على الشفقة والرحمة والنصح بكمال الإخلاص ، فإنها إن هدمت من الصدور هدمت بإذن الله تعالى عن القبور والله المستعان .
ومنها :- تحريم شد الرحال إلى قبور الأولياء والصالحين ،فإنه مما لا يجوز ، أيا كان صاحب هذا القبر ، وذلك سدا لذريعة تعظميه وفعل ما لا يليق عند قبره من الأمور الشركية أو البدعية ، فلا يجوز شد الرحال إلى القبور ، ولو لقبور الأنبياء ، قال النبي صلى الله عليه وسلم (( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ، المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى )) والحديث رواه عدد كبير من الصحابة ، رضي الله عنهم ، وهل عبدت القبور من دون الله تعالى إلا لما فتح باب شد الرحال إليها ، وأذكر أنني كنت وبعض الدعاة في ألبانيا ، نريد الرجوع إلى أهلنا ، فأشكل علينا أمر الحجز لكثرة من يريد السفر إلى مصر ، فسألنا عن السبب ، فإذا هو يوم السيد البدوي ، والناس من هناك يأتون ليحضروا الاحتفال به من كل مكان ، وهذه الطامة الكبرى ، وهذا أوجبه تجويز شد الرحال إلى القبور ، وقد أخطأ من أفتى به ، ولا حجة في فعل أحد من الخلق مع نص النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه نص واضح لا يحتمل النزاع ولا المناقشة ، فالواجب منع هذا ، وتنبيه الناس إلى خطورة الأمر ، وأنه مفتاح الوقوع في البدع والشرك ، ولو تأمل من أفتى بجوازه كبير المفاسد التي أنتجتها هذه الفتوى لبادر إلى منعه، فغفر الله لمن جوزه وعفا عنه , ما كان قصده فتح باب الشر على الأمة - حاشا وكلا - ولكنه اجتهد فأخطأ ، فلن يعدم الأجر إن شاء الله تعالى ، وأما من أجازها وهو من أهل البدع القبوريين فلا والله لا ندعو له ، بل ندعو عليه أن يكفي الأمة شره وشر فتواه ، والله المستعان .
ومنها :- ما حكاه ابن القيم رحمه الله تعالى بقوله ( وأما ربا الفضل فتحريمه من باب سد الذرائع كما صرح به في حديث أبي سعيد الخدرى عن النبي صلى الله عليه وسلم (( لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين فإني أخاف عليكم الرماء )) هو الربا, فمنعهم من ربا الفضل لما يخافه عليهم من ربا النسيئة ، وذلك أنهم إذا باعوا درهماً بدرهمين ، ولا يفعل هذا إلا للتفاوت الذي بين النوعين , إما في الجودة ، وإما في السكة ، وإما في الثقل والخفة وغير ذلك تدعو بالربح المعجل فيها إلى الربح المؤخر ، وهو عين ربا النسيئة ، وهذه ذريعة قريبة جداً فمن حكمة الشارع صلى الله عليه وسلم أن سد عليهم هذه الذريعة ومنعهم من بيع درهم بدرهمين نقداً أو نسيئة ، فهذه حكمة معقولة مطابقة للعقول وهي تسد عليهم باب المفسدة ) والله أعلم .
ومنها:- أن المتقرر أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ، وأنه إن تعارض مفسدتان روعي أعلاهما بتفويت أدناهما ، وأنه إن تعارض مفسدتان روعي أشدهما بارتكاب أخفهما ، ومن أدلة هذه الأصول قوله تعالى }وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ {فالله تعالى حرم سب آلهة المشركين ، لأن المشرك إن سمع ذلك ، فإنه سينتقم لها ، ولو كان بسب الله تعالى ، انتقاما ممن سب آلهته التي يعظمها ، فإن مفسدة سب الله تعالى أعظم فمنع من ذلك من مصلحة سب آلهة المشركين ، سدا لذريعة سب الله تعالى ، فإن مفسدة سب الله تعالى أعظم من المصلحة المرجوة من سب آلهة المشركين ، وهذا أصل في باب سد الذرائع .
ومنها:- أن من الصحابة رضي الله عنهم من أفتى بأن قاتل النفس لا توبة له ، كابن عباس رضي الله عنه ، ولكن حمل كلامه بعض أهل العلم رحمهم الله تعالى على أنه إنما يريد سد الذريعة وعدم التوسع في القتل ، لأن من استفتاه كان شاهرا سيفه والتمس ابن عباس منه أنه إنما يريد القتل إن علم أن له توبة ، فأفتاه بأن لا توبة له ، وإلا فالمذهب المعروف عن ابن عباس رضي الله عنهما أن القتل من جملة الذنوب التي لا تخرج عن قوله تعالى }قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا {وهذا فيه دليل على اعتبار الصحابة للعمل بأصل سد الذرائع .
ومنها:- ما نص عليه الفقهاء رحمهم الله تعالى من أن المكاري الجاهل يحبس ، وأن المتطبب الجاهل يعزر ويحبس ، وأن المفتي الجاهل الذي يفتي الناس بغير علم يمنع ويعزر بما يراه الإمام رادعا له ، فأما المكاري فمنعه من دخول السوق يراد به سد ذريعة أكل أموال الناس بالباطل ، والشريعة جاءت بحفظ المال ، وأما المتطبب الجاهل فلسد ذريعة فساد الصحة وهلاك الأنفس ، لأن الشريعة جاءت بحفظ النفس ، وأما الحجر على المفتي الجاهل فلسد ذريعة فساد الدين ، لأن الشريعة جاءت بحفظ الدين ، وعليه فهنا عدة قواعد , الأولى :- كل ذريعة ومن شأنها فساد الدين فالواجب سدها ومنعها , الثانية :- كل ذريعة من شأنها إهلاك المال بغير وجه الحق فهي ممنوعة , الثالثة :- كل ذريعة من شأنها إهلاك النفوس وإتلاف الأطراف والاعتداء على الصحة بغير وجه حق فهي باطلة وكل هذا يدخل تحت هذا الأصل المبارك ( سد الذرائع ) .
ومنها :- ما قرره الفقهاء رحمهم الله تعالى بجواز قتل من تترس بهم الكفار من المسلمين إن تترس بهم العدو في حال هجومه على الدولة الإسلامية ، فإن لم نجد بدا من رميه إلا برميهم معهم فلا حرج ،لأن المتقرر أنه إن تعارض مفسدتان روعي أشدهما بارتكاب أخفهما، ولأن ترك العدو وما يريد مراعاة لمصلحة المسلمين الذين معه يوجب هلاك المسلمين أهل البلد ، واستباحة ديارهم وانتهاك أعراضهم ، فإن العدو الكافر لا يرحم عرض المسلم ولا توسله إن تغلب عليه ، فلما كان ترك العدو يوجب هذه المفاسد كان لا بد من سد جميع ذرائعها ، فنحن نقول :- بجواز رمي الكفار وإن تترسوا بمسلمين سدا لذريعة هلاك أهل الإسلام واستباحة أموالهم وأعراضهم وأرواحهم ولأن المتقرر أن الضرر الخاص يحتمل من أجل الضرر العام .
ومنها:- ما نص عليه الفقهاء رحمهم الله تعالى من أن من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه فإن هذه القاعدة تدخل تحت هذا الأصل المبارك ( سد الذرائع ) وبيان ذلك ، أن من أوصى لك بشيء ، ولكنه طال عمره ، والوصية لا تنفذ إلا بعد الموت ، واستبطأت موته ، وكان الموصى له قليل الديانة ، فاستعجل تنفيذ الوصية فقتل الموصي ، فهو هنا قد استعجل الشيء قبل أوانه ، وفي هذه الحالة فإنه لا بد وأن يعاقب بحرمانه ، لأن هذا يسد ذرائع القتل بغير وجه حق ، والدين جاء بحفظ النفوس ، فسدا لذريعة القتل منعت الشريعة القاتل من حق الوصية ، وكذلك نقول :- إن المتقرر أن القاتل ليس له حق في الميراث ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم (( لا يرث القاتل شيئا )) وذلك لسد ذريعة القتل أيضا ، فإن الوارث إن كان قليل الدين وتأخر موت مورثه فقد تسول له نفسه أن يقتله ليستعجل الإرث ، فسد هذا الباب سدا لذريعة القتل ، وكذلك نقول :- إن الفقهاء رحمهم الله تعالى قد أفتوا بأن الرجل إن كان قد طلق زوجته في مرضه المخوف عليه من الموت فيه فإن طلاقه هذا لاغ غير معتبر ، لأنه لو فتح هذا الباب لضاعت حقوق النساء في أموال أزواجهن فسدا لضياع الحقوق لا سيما حق المرأة لم تعتبر الشريعة الطلاق في المرض المخوف عليه منه شيئا وهذا والله العظيم هو عين الكمال ، فالحمد لله تعالى على أن جعلنا من أهل هذه الشريعة المباركة زادها الله شرفا ورفعة .


يتبع إن شاء الله....
رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 46.05 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 45.45 كيلو بايت... تم توفير 0.60 كيلو بايت...بمعدل (1.30%)]