عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 23-06-2011, 01:08 AM
الصورة الرمزية أبو الشيماء
أبو الشيماء أبو الشيماء غير متصل
مراقب الملتقيات
 
تاريخ التسجيل: Jul 2008
مكان الإقامة: أينما شاء الله
الجنس :
المشاركات: 6,419
الدولة : Morocco
افتراضي الحصون المنيعة في شرح قاعدة سد الذريعة .

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم المرسلين وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين وبعد :
- فإنه قد سألني بعض طلبة العلم أن أبين لهم قاعدة سد الذرائع في الشريعة الإسلامية ، وأن أذكر لهم أنواع الذرائع ، والأدلة عليها ، وما يلحق بها من الفروع المخرجة عليها ، وأن أبين لهم حدود ما يدخل تحت هذه القاعدة من التعامل ، وما لا يدخل ، فأجبته إلى ذلك ، مع كثرة الأشغال ، ولكن لأهمية هذه القاعدة الطيبة ، فرغت لها شيئا من وقتي ، لأنني أعلم كبير أهميتها وكبير تأثيرها في الفروع ، وأشترط أن لا أطيل ، ولكن أذكر ما أراه أنه موضح لهذه القاعدة ، فالله أسأل أن ينفع بهذه الكتابة اليسيرة ، وأن يبارك فيها ، وأسميتها ( الحصون المنيعة في شرح قاعدة سد الذريعة ) فيا رب أسألك باسمك الأعظم أن تيسر إتمامها على الوجه الكامل ، وأن تعين عبدك الضعيف العاجز على الوصول لما يصبوه من الكتابة فيها ، إنك خير مسئول ، وأنت على كل شيء قدير ، وإلى مقصود الكتابة ، وبالله التوفيق ، فيقول العبد العاجز الفقير لربه العلي الكبير القدير :- أولا نذكر لك نص القاعدة التي سنبني عليها هذه الوريقات وهو كما يلي :-
{ كل ذريعة تفضي إلى الممنوع عن يقين أو غلبة ظن ، فالواجب سدها }
أقول :- اعلم رحمك الله تعالى أن المحرمات التي نص الدليل على تحريمها لا تخرج عن قسمين :- ما حرم تحريم مقاصد ، وما حرم تحريم وسائل ، وهذه القاعدة التي نحن بصدد شرحها لا تعلق لها بما حرم تحريم مقاصد ، وإنما لها تعلق بما حرم تحريم وسائل ، ويوضح ذلك ، لأن هذه الشريعة متفق على كمالها في أصولها وفروعها ، كما قال تعالى } الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ { ومن أوجه كمالها أنها إن حرمت شيئا من الأفعال ، فإنها تسد كل الطرق والذرائع التي تفضي إلى هذا الشيء وتوصل إليه ، ولا يمكن أبدا أن تحرم الشريعة شيئا ، وتفتح باب الوصول إليه على مصراعيه ، هذا لا يكون أبدا ، لأن هذا من عدم الحكمة في التشريع ، والله تعالى هو الحكم العدل ، وهو الحكيم الخبير العالم بمصالح عباده ، ومن مقتضيات حكمته ، أن يمنع كل الطرق التي توصل إلى هذا الممنوع ، وقد اتفق عامة أهل السنة رحمهم الله تعالى على أن من أسمائه الحكيم ، ومن صفاته الحكمة ، فهو الحكيم العليم في تشريعه ، فلا يشرع شيئا إلا وله الحكمة البالغة في الحال والمآل ، وهذا من مقتضيات وصفه بالكمال ، بل إن هذا من الكمال البشري أيضا ، ألا ترى أن ملوك الدنيا إن منعوا شيئا فإنهم يمنعون الطرق التي توصل له ، والأب إن منع في بيته شيئا فإنه يمنع ما يوصل إليه ، ففي الغالب أنك لا تجد شيئا من المحرمات تحريم مقاصد إلا وله تحريم حوله يكون مانعا من الوقوع فيه ، وذلك لأن سلوك الطرق التي تفضي إلى الحرام هي في حقيقتها أول منازل الوقوع في الحرام ، فلا يتم كمال مجانبة الحرام إلا بمجانبة طرقه ووسائله ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم (( ألا وإن لكل ملك حمى ، ألا وإن حمى الله محارمه )) متفق عليه ، وهذا واضح لكل ذي فهم ، أن من كمال التحريم أن يمنع العبد من الوسائل التي توصل إلى الحرام ، وهذه القاعدة التي معنا هي في الحقيقة ربع الدين ، وبيان هذا أن يقال :- إن الدين لا يخرج عن كونه مأمورا به أو منهيا عنه والمأمور به إما مأمور مقاصد أو مأمور وسائل ، فهذه قسمان ، الأول :- ما أمر به أمر مقاصد والثاني :- ما أمر به أمر وسائل ، وهذه القاعدة التي معنا لا تعلق لها بباب المأمورات ، لا في مقاصده ولا في وسائله ، وأما المنهيات فهي قسمان :- منهي عنه نهي مقاصد ، ومنهي عنه نهي وسائل ، فلو جمعت هذين القسمين إلى القسمين السابقين ستكون الأقسام أربعة ، وهي كما يلي الأول :- ما أمر به أمر مقاصد ، الثاني :- ما أمر به أمر وسائل ، الثالث :- ما نهي عنه نهي مقاصد ، الرابع :- ما نهي عنه نهي وسائل ، وقاعدتنا هنا عبارة عن القسم الرابع ، وهي فيما نهي عنه نهي وسائل ، فهي إذاً ربع الدين ، فلا تستهل بها ، فإنها من القواعد الكبيرة المهمة في شريعة الله تعالى ، ولأنها من قواعد كمال الشريعة ، فلا بد أن توليها بزيادة العناية ، ويبين لك أهميتها أيضا أنها جعلت كالسياج المانع من الوقوع في الحرام ، وأن اختراقها والتساهل بها أول منازل الوقوع في الحرام ، ويبين لك أهميتها أيضا أن أهل العلم نصوا على أن التساهل بها من اتباع خطوات الشيطان كما قال تعالى } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ { وخطواته هي تلك الوسائل التي يكون بمتابعتها الوقوع في الحرام ، فالزنا له وسائل توصل إليه ، وهذه الوسائل هي من خطوات الشيطان التي يكون في سلوكها الوقوع في الزنا ، والربا له وسائل ، وهذه الوسائل هي من خطوات الشيطان التي توقع في حقيقة الربا ، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق له وسائل ، وهي من خطوات الشيطان التي يكون بسلوكها واقتحامها الوقوع في القتل ، والشرك الأكبر المخرج عن الملة له وسائل ، وهذه الوسائل هي من خطوات الشيطان التي يكون بسلوكها الوقوع في الشرك وهكذا ، فقوله تعالى } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ { هي في الحقيقة ناصة على تحريم الوسائل والذرائع التي يكون بسلوكها الوقوع في عين المحرم ، ومن اتقى هذه الوسائل فإنه إن شاء الله سيكون في منعة عظيمة وفي حصن حصين من الوقوع في الحرام ، فوالله الذي لا إله غيره إن غالب من وقع في المحرم تحريم مقاصد ، إنما هم أولئك الذين وقعوا في المحرم تحريم وسائل ، ولو سبرت حال الناس لوجدت ما ذكرته لك صحيحا ، ثم أقول :- إن المأمورات قسمان :- مأمورات مقاصد ومأمورات وسائل ، كما ذكرنا ، وإنك لتجد في الغالب أن الشيطان لا يأمر العباد بترك المأمور أمر مقاصد إلا بعد أن يملي عليه ويجلب بخيله ورجله على أن يترك المأمور أمر وسائل ، لأن الخبيث يعلم علم اليقين أن من كان محافظا على المأمور أمر وسائل فإنه في منعة وحصن حصين من ترك ما أمر به أمر مقاصد ، ولكن من تساهل في المأمور أمر وسائل فإنه سيكون فريسة سهلة في حبائل الشيطان في ترك المأمور أمر مقاصد ، وبالجملة :- فإن الشيطان إنما يأتي إلى النفس أولا في التساهل بما نهي عنه نهي وسائل ، ومن ثم يأتي لها في أمرها بفعل المنهي عنه نهي مقاصد ، ألا ترى أن السارق إن وجد الباب والنوافذ موصدة ، فإنه ييأس من سرقة ما في الدار بل لا بد أولا أن يكسر هذه الأقفال حتى يصل إلى مقصوده بغاية اليسر والسهولة ، فسبحان الله حتى السُراق واللصوص قد تقررت عندهم هذه القاعدة ، فهي في الحقيقة قاعدة تقتضيها الفطرة كما اقتضاها العقل ، وأيد ذلك اقتضاء الشرع لها ، فهي قاعدة فطرية عقلية شرعية ، فباب الوسائل هو القفل على المنهيات ، فإن كسر القفل سهل تناول المنهيات وهان على النفس اقترافها ولعلك بهذا التوضيح قد فهمت ما نريد إثباته لك في هذه الوريقات ، وعلى ذلك وردت الشريعة وقررت أدلة الدين ، وأنا أذكر لك الأدلة إن شاء الله تعالى على أنها أدلة وفروع ، فأقول وبالله تعالى التوفيق ، ومنه أستمد العون والفضل :-
( فمنها) لقد تقرر في الشرع أن أعظم المنهيات في الدين هو الشرك الأكبر ، قال تعالى } إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا { وقال تعالى } وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ { وقال تعالى } وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا { وقال تعالى } قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا { وقال النبي صلى الله عليه وسلم (( حق الله على العبيد أن يعبوه ولا يشركوا به شيئا )) والنصوص في تحريم الشرك لا تكاد تحصر إلا بكلفة ، وتحريم الشرك لا يخفى على الجميع أنه تحريم مقاصد ، وقد سد الله تعالى كل ذريعة تفضي إلى الشرك الأكبر أحكم سد ، ومنع كل طريق يوصل إليه ، ونحن قررنا في ذلك قاعدة مهمة غاية الأهمية تقول ( كل ذريعة تفضي إلى الشرك الأكبر فالواجب سدها ) وعلى ذلك فرع الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى أبوابا كثيرة في كتاب التوحيد كلها تدخل تحت ما حرم تحريم وسائل ، وسيأتي طرقها في الفروع والأدلة إن شاء الله تعالى, والمهم أن تحفظ هذه القاعدة في باب وسائل الشرك الأكبر ، فأي وسيلة توصل إلى الوقوع في الشرك الأكبر فهي محرمة ، بل وبعض أهل العلم رحمهم الله تعالى قد أطلق عليها ( الشرك الأصغر ) فقال (وسائل الشرك الأكبر شرك أصغر) وليس هذا ببعيد ، فالواجب على المرء الناصح لنفسه أن يبتعد عن الشرك كله ، ويجانبه المجانبة الكاملة ، ويحذر منه مقصدا ووسيلة
فمن وسائل الشرك الأكبر :- تعظيم القبور التعظيم المفضي إلى إخراجها عن الجائز شرعا إلى الممنوع فيها أو عندها شرعا ، كالبناء عليها ، فالشريعة ما حرمت البناء على القبور إلا لأن البناء عليها يوصل إلى تعظيمها التعظيم الشركي ، ولذلك لا تجد قبرا من القبور التي عبدت من دون الله تعالى إلا وهي مبني عليها ، بل بعضها بني عليها البناء الفخم الكبير ، وزوقت تزويقا لا مزيد عليه ولذلك فالمتقرر في الشريعة تحريم البناء على القبور ، قال الإمام مسلم في صحيحه :- حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ .. وهذا نهي ، والمتقرر في القواعد أن النهي يقتضي التحريم ، إلا لصارف ، وقال مسلم في صحيحه :- حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ يَحْيَى أَخْبَرَنَا وَقَالَ الآخَرَانِ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِى ثَابِتٍ عَنْ أَبِى وَائِلٍ عَنْ أَبِى الْهَيَّاجِ الأَسَدِىِّ قَالَ قَالَ لي عَلِىُّ بْنُ أَبِى طَالِبٍ أَلاَّ أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بعثني عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ لاَ تَدَعَ تِمْثَالاً إِلاَّ طَمَسْتَهُ وَلاَ قَبْرًا مُشْرِفًا إِلاَّ سَوَّيْتَهُ . والمراد بالقبر المشرف ، أي القبر المرتفع بالبناء ، وهذا النهي إنما هو لسد ذريعة اتخاذ هذا القبر وثنا يعبد من دون الله تعالى
ومن ذلك أيضا :- النهي عن اتخاذ القبور مساجد ، وهذا من أعظم الذرائع التي تفضي إلى الشرك الأكبر ، قال مسلم في صحيحه :- حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لأَبِى بَكْرٍ - قَالَ إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِىٍّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِى أُنَيْسَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ النجراني قَالَ حدثني جُنْدَبٌ قَالَ سَمِعْتُ النبي صلى الله عليه وسلم قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ وَهُوَ يَقُولُ (( إِنِّى أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ أَنْ يَكُونَ لي مِنْكُمْ خَلِيلٌ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدِ اتخذني خَلِيلاً كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أمتي خَلِيلاً لاَتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً أَلاَ وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ أَلاَ فَلاَ تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ إني أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ )) وقال في صحيحه أيضا :- وحدثني هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِي وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَ حَرْمَلَةُ أَخْبَرَنَا وَقَالَ هَارُونُ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أخبرني يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أخبرني عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَائِشَةَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالاَ لَمَّا نَزَلَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ فَإِذَا اغْتَمَّ كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ (( لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ )) يُحَذِّرُ مِثْلَ مَا صَنَعُوا.... وقال في صحيحه أيضا :- وحدثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا هِشَامٌ أخبرني أَبِى عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالْحَبَشَةِ - فِيهَا تَصَاوِيرُ - لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (( إِنَّ أُولَئِكِ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ أُولَئِكِ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )) .
ومن هذه الذرائع الكبيرة الخطيرة التي سدت من أجل اجتناب الوقوع في الشرك الأكبر:-تحريم الصلاة في القبور ، فالصلاة في القبور لا تجوز ، ولا تصح ، قال مسلم في صحيحه :- حَدَّثَنَا حَسَنُ ابْنُ الرَّبِيعِ الْبَجَلِىُّ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِى إِدْرِيسَ الْخَوْلاَنِىِّ عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ عَنْ أَبِى مَرْثَدٍ الْغَنَوِىِّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ (( لاَ تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُورِ وَلاَ تَجْلِسُوا عَلَيْهَا )) وقال أبو داود في سننه :- حَدَّثَنَا مُوسَى ابْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ (ح) وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ مُوسَى في حَدِيثِهِ فِيمَا يَحْسَبُ عَمْرٌو أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ (( الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلاَّ الْحَمَّامَ وَالْمَقْبُرَةَ )) فالصلاة في المقبرة لا تصح ، إلا صلاة الجنازة خاصة ، لورود الدليل الخاص بها ، والصلاة في مسجد فيه قبر لا تجوز ولا تصح ، ما دام القبر داخل حدود المسجد ، وكل ذلك من أجل إقفال باب الوقوع في الشرك الأكبر فهذا كله محرم من باب تحريم الوسائل .
ومنها أيضا :- تحريم اتخاذ القبر عيدا ، أي مكانا يجتمع الناس عنده في أوقات معلومة ، كما يجتمع الناس في العيد ، وروى مالك في الموطأ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ (( اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلْ قبري وَثَنًا يُعْبَدُ اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ )) ولسعيد بن منصور في سننه عن سهيل قال:- رآني الحسن بن الحسن بن علي ابن أبي طالب عند القبر فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى ، فقال:- هلم إلى العشاء ، فقلت:- لا أريده , فقال:- مالي رأيتك عند القبر؟ فقلت:- سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (إذا دخلت المسجد فسلم) ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( لا تتخذوا قبري عيدا ولا تتخذوا بيوتكم قبورا، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم )) وهو مرسل قوي ، فاتخاذ القبور أعيادا من وسائل الشرك الكبيرة التي لا بد من سدها ، وإغلاق بابها الإغلاق الكامل .
ومن هذه الذرائع أيضا :- تجصيص القبور وتزويقها بالرخام ، أو دفنها في الأماكن العامة في البلد والنهي عن تجصيصها قد ذكرنا الدليل الناهي عنه ،ومنها أيضا :- الطواف حولها ، فإنه إن طاف حولها لله تعالى لا تقربا لأصحابها ، ولكن ظنا منه أن مما يقربه إلى الله تعالى الطواف حول هذا القبر فهذا لا جرم أنه محرم ، وهو من الشرك الأصغر ، لأنه من الوسائل للشرك الأكبر ، وهو الطواف حولها تقربا وتعظيما للساكنين بها .
ومنها:- الذبح عندها لا تقربا لأصحابها ، ولكن لظنه حلول البركة في ذبيحته عند قبورهم وهذا لا شك أنه محرم وهو من الشرك الأصغر ، لأنه ذريعة للشرك الأكبر ، وهو الذبح لأصحابها تقربا وتعبدا لهم من دون الله تعالى ، قال تعالى } قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ { وقال تعالى } فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ { وقال النبي صلى الله عليه وسلم (( لعن الله من ذبح لغير الله )) رواه مسلم ، وأجمع أهل السنة على حرمة الذبح عند القبور ، لكن يكون من الشرك الأصغر إن كان قصده التعبد لله تعالى بهذا الذبح ويكون من الشرك الأكبر إن نوى صرف الذبح لغير الله تعالى .
ومنها :- الدعاء للنفس عند القبور ، فهو لا يدعو صاحب القبر ، ولا يرجو منه استجابة الدعوات ، ولكنه ظن أن الدعاء عند قبور الأولياء من مظان الاستجابة ، وهذا محرم ولا شك وتحريمه تحريم وسائل ، لأنه من أكبر الوسائل الموصلة للشرك الأكبر ، والذي هو دعاء أصحاب القبور من دون الله تعالى ، في تفريج الكربات وتنفيس الملمات ، وقد أجمع العلماء على حرمة قصد القبور للدعاء للنفس عندها ، ولم يقل أحد من أهل العلم رحمهم الله تعالى أن الدعاء عند القبور للنفس من مظان استجابة الدعوات ، فانتبه لهذه الذرائع ، فإنه ما وقع الشرك في الأمة ، بل في الأمم كلها إلا بسبب تعظيم الأموات الصالحين ،كما روى البخاري في صحيحه قال :- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَقَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما صَارَتِ الأَوْثَانُ التي كَانَتْ في قَوْمِ نُوحٍ في الْعَرَبِ بَعْدُ ، أَمَّا وُدٌّ كَانَتْ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الْجَنْدَلِ ، وَأَمَّا سُوَاعٌ كَانَتْ لِهُذَيْلٍ ، وَأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ لِمُرَادٍ ثُمَّ لِبَنِى غُطَيْفٍ بِالْجُرُفِ عِنْدَ سَبَا ، وَأَمَّا يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ ، وَأَمَّا نَسْرٌ فَكَانَتْ لِحِمْيَرَ ، لآلِ ذِى الْكَلاَعِ . أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أَنِ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ التي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا ، وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ فَفَعَلُوا فَلَمْ تُعْبَدْ حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ الْعِلْمُ عُبِدَتْ ... ففتن القبور من أعظم الفتن التي أوجبت وقوع الشرك في الأمة ، ولأهميتها فقد أفردها كثير من أهل العلم رحمهم الله تعالى بالتأليف والبيان ، ومن باب التشبه بهم أفردتها بالتأليف في كتابي ( تنوير الصدور في التحذير من فتنة القبور ) والمهم هنا أن تعرف الآن :- أن المتقرر في القواعد أن كل وسيلة تفضي إلى الوقوع في الشرك الأكبر فإنها من المحرم شرعا ، وأن هذه القاعدة العقدية الكبيرة ، تتفرع عن قاعدة ( سد الذرائع ) والله يتولانا وإياك .

يتبع إن شاء الله
رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 30.57 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 29.97 كيلو بايت... تم توفير 0.60 كيلو بايت...بمعدل (1.96%)]