عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 09-09-2019, 06:40 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 16,719
الدولة : Egypt
افتراضي من بلاغة النداء في الأربعين النووية

من بلاغة النداء في الأربعين النووية


حسين لون بللو


النداء هو طلب إقبال المدعو على الداعي، بأحد حروف مخصوصة، ينوب كلُّ حرف منها منابَ الفعل "أدعو"[1]؛ نحو قوله صلى الله عليه وسلم: (يا عمر، أتدري مَن السائل؟)[2]، وقول جبريل عليه السلام: (يَا مُحَمَّدُ، أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلاَم)[3]، "وقول الصحابة رضي الله عنهم: (يا رسول الله، ذَهَبَ أهلُ الدُّثورِ بالأجور)[4]، والغاية منه أن يُصغي منه من تناديه إلى أمر ذي بال، لذا غلب أن يلي النداء أمر أو نهي أو إخبار بحكم شرعي[5]؛ كما في الأحاديث السابقة.
دلالة النداء على الطلب دلالة مطابقة على أرجح الأقوال؛ لأنه طلب إقبال؛ أي: بمعنى "أقبِل" على الأمر، وقيل: إن دلالته على الطلب إلزامية؛ لأنه بمقتضى تعريفه: "طلب إقبال المخاطب بحرف ناب مناب كلمة: "أدعو"؛ ليُصغي إلى ما يريده المتكلم، و"أدعو" فعل مضارع لا أمر، ولكن الدعاء يتضمن طلب الإقبال، لذا جعل النداء من أقسام الطلب، ودلالته عليه دلالة إلزامية تضمُّنية... ومنهم من يرى أنه مجرد تنبيه لا طلب فيه، والراجح هو الرأي الأول[6].
حروف النداء في الأربعين النووية:
حروف النداء أو أدواته سبعة:
1- الهمزة.
2- أي.
3- يا.
4- هيا.
5- آ.
6- وا.
7- أيا.
وهذه الأدوات في الاستعمال نوعان:
1- الهمزة وأي لنداء القريب.
2- والأدوات الست الأخرى لنداء البعيد.
فمن أمثلة استعمال الهمزة وأي لنداء القريب جريًا على الأصل ما يأتي:
1- أمحمد افتح نافذة التي بجوارك.
2- أي صدقي إني قصدتك لَمَّا *** لم أجد في الحياة غيرك سهما
ومن أمثلة استعمال الأدوات الأخرى لنداء البعيد جريًا على الأصل أيضًا:
ويا نسيم الصبا بلغ تحيتنا
من لو على البعد حيَّا كان يحيينا
أيا رب قد أحسنت عودًا وبدأة
إلي فلم ينهض بإحسانك الشكر
أيا جامع الدنيا لغير بلاغة
لمن تجمع الدنيا وأن تموت
هيا غائبا عني وفي القلب عرشه
أما آن أن يحظى بوجهك ناظري
أنعشتنا روائحُ من ديار
كم حننا لها وللساكنيها[7]

هذا وقد ينزل البعيد منزلة القريب، فيُنادى بالهمزة وأيْ لغرض بلاغي، وهو الإشعار بأنه حاضر في القلب ولا يغيب عن الخاطر، حتى صار كأنه حاضر مشاهد، ومن ذلك قول أبي فراس وهو أسير في بلاد الروم ينادي سيف الدولة:
أسيف الهدى وقريع العرب
إلام الجفاءُ وفيم الغضب
ومال كتبك قد أصبحت
تنكبني مع هذي النكب

فعلى الرغم من تباعدهما جاء النداء بالهمزة؛ ليعبِّر عما يُضمره له من حبٍّ، فهو حاضر في قلبه لا يغيب عن خاطره، وكأنه مشاهد أمامه[8].
ومنه القول: " أي بُني، عليك بالاستقامة وترك المعاصي، فإن العلم نور ونور الله لا يُهدى لعاصٍ"، فقد عبَّر بأي في نداء ابنه وهو بعيد عنه؛ ليدل على أنه حاضر في قلبه لا يبرَح خياله، ولا يغيب عن فكره ووِجدانه.
كما قد ينزل القريب منزلة البعيد، فينادى بغير الهمزة وأي لأغراض بلاغية أهمهما:
1- الإشعار ببُعد منزلته وعُلو مكانته، فينزل بعد المنزلة وعلو المكانة منزلة البعد المكاني؛ كما في قوله تعالى: ﴿ يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا [مريم: 44].

فإبراهيم عليه السلامينادي أباه وهو قريب منه، وقد استخدم "يا" الموضوعة لنداء البعيد؛ ليُنبئ ببُعد مكانته وسُمو منزلته، وهذا أدب الابن مع أبيه، حتى ولو كان على غير دينه، ومن ذلك نداؤك لفظ الجلالة، فتقول: "يا ألله"، مع أنه أقرب إليك من حبل الوريد.
2- الإشعار بأن المنادى وضيع المنزلة، وكأنه بعيد عن القلب، فينزل هذا البعد المكاني.
3- التنبيه على عظم الأمر المدعو له وعلو شأنه، حتى كأن المنادى مقصر فيه غافل، مع شدة حرصه على الامتثال[9]؛ كما في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [المؤمنون: 51]، وقوله تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة: 104]. وقوله صلى الله عليه وسلم: (يَا بْنَ آدَمَ إِنَّكَ...)[10]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (يا غلام، إِني أُعَلِّمك كلمات، احفَظ الله يحفظك) [11]، وقوله تعالى في الحديث القدسي: (يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْم....)[12].
ويدخل في ذلك كل النداءات الموجهة من رب الخالق إلى مخلوقه، وكذلك نداءات نبيِّه صلى الله عليه وسلم، ليتبادر المدعو إلى امتثال الأمر على وجهه.
4- أن يكون المنادى نائمًا أو ساهيًا، فيكون كل من النوم والسهو بمنزلة البعد الذي يقتضي عُلو الصوت؛ كقولك: هيَا عمر استيقظ، أيا خالد تنبَّه ولا تَسْهُ.
5- الإشعار بغفلة المنادي عن الأمر العظيم الذي يقتضي اليقظة والانتباه؛ كقولك: هيا فلان تهيَّأ للحرب، ومنه قول الشاعر:
يا أيها السادر المزورُّ من صلف *** مهلًا فإنك بالأيام مُنخدعُ
وكأن غفلة هذا الغافل جعلتْك تُبعده عن ساحة الحضور، وتُنزله منزلة البعيد، فتناديه نداءَه[13].
من الأغراض البلاغية التي يفيدها أسلوب النداء:
وقد خرج النداء في الأربعين النووية من معناه الأصلي إلى معان تفهم من سياق الأحوال والقرائن، فمنها ما يأتي:
الاستغاثة: كقوله صلى الله عليه وسلم: (يَا رَبِّ، يَا رَب[14]، يدرك في هذا الحديث خروج النداء عن معناه إلى استغاثة الرجل بربه، وقد دل تكرار النداء على شدة ما هو فيه من المشقة واللهفة[15]، وقد نادى الله بصفة الربوبية "يا رب يا رب" بشكل متكرر، وهي من أقرب أسباب الاستجابة لدعوة العبد، وقد رفع يديه إلى السماء، وذلك من أسباب سرعة الإجابة أيضًا، ورغم هذه الأسباب كلها، فقد رد يديه من السماء خائبًا منكسرًا[16].

التعظيم: ومنه قول الصحابة: "يا رسول الله، ذَهَبَ أهلُ الدثورِ بالأجور[17]"، فقد خرج النداء من معناه الأصلي إلى غرض تعظيم المنادى واحترامه، تجد فيه الروعة ما يبهرك، فما كانوا ليوجهوا الخطاب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم إلا بعد إيفائه بكامل الاحترام والتعظيم، وقد عبر نداؤهم عن هذا التعظم، خلاف ما كانوا عليه قبل الإسلام من ندائه بمجرد اسمه. ثم اختاروا لفظ "يا" الذي ينادى به البعيد رغم قرب المنادى منهم، وفي ذلك زيادة التعظيم والتحليل، وإشعار المنادى ببعد منزلته عن المنادين، وارتفاع درجته عندهم[18].

[1] عبد العزيز عتيق، علم المعاني، ط1، دار الآفاق العربية القاهرة، 1427ه – 2006م، ص 91.

[2] النووي، ح2، ص4، أخرجه مسلم، في صحيحه (باب معرفة الركعتين اللتين كان.....) ج2، ص703.

[3]النووي، ح2، أخرجه البيهقي (باب إثبات فرض الحج على من....) ج4، ص 324..

[4] النووي، ح25، ص 18، أخرجه مسلم في (باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف) ج2، ص698.

[5] بسيوني، عبد الفتاح فيود، علم المعاني دراسة بلاغية ونقدية لمسائل المعاني، ط2، ص 329.

[6] بسيوني، عبد الفتاح فيود، علم المعاني دراسة بلاغية ونقدية لمسائل المعاني، ط2، ص 329.

[7] عبد العزيز عتيق، علم المعاني، ط1، دار الآفاق العربية القاهرة، 1427ه – 2006م، ص91.

[8] بسيوني، عبد الفتاح فيود، علم المعاني دراسة بلاغية ونقدية لمسائل المعاني، ط2، 429ه - 2008م، مؤسسة المختار - القاهرة ، 331.

[9] بسيوني، عبد الفتاح فيود، علم المعاني دراسة بلاغية ونقدية لمسائل المعاني، 323.

[10] النووي، ح42.

[11] النووي، ح 19، ص 13، والترمذي في سننه، ج4، ص 667.

[12] النووي ح 24، ص 16، أخرجه الترمذي، في سننه، ج4، ص 1793.

[13] بسيوني، عبد الفتاح فيود، علم المعاني دراسة بلاغية ونقدية لمسائل المعاني، ص 333.

[14] النووي، ح10، أخرجه المسلم في (باب قبول الصدقة من كسب الطيب) ج2، ص303.

[15] ألاويي لقمان، التحليل البلاغي للأربعين حديثاً النووية، ط1، 1431 هـ - 2010 م، ص 41.

[16] ألاويي لقمان، التحليل البلاغي للأربعين حديثاً النووية، ص 43.

[17] النووي، ح25، ص 18، أخرجه مسلم في (باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف) ج2، ص698.

[18] ألاويي لقمان، التحليل البلاغي للأربعين حديثاً النووية، ص 102.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 29.00 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 28.38 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (2.14%)]