الموضوع: معاجم الأبنية
عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 21-10-2019, 07:27 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 45,194
الدولة : Egypt
افتراضي رد: معاجم الأبنية


معاجم الأبنية
د.مسعود بوبو


وما دام معجم "ديوان الأدب" قد اتصف بالشمول والترتيب، واحتل مرتبة الصدارة بين معاجم الأبنية، فمن المتوقّع أن يكون له أثر واضح في المعاجم التي جاءت بعده، منهجاً ومضموناً. ويمكن رصد حصيلة هذا التأثر في ثلاثة اتجاهات هي بإيجاز:‏

1- ما صنّف حول المعجم نفسه، أو ما بني عليه، أو اختصره، أو زاد في أبوابه.‏

2- الاستفادة به في جمع المادة اللغوية، وقد شمل ذلك معظم ما جاء بعده من مؤلفات لغوية. ويبدو معجم "الصحاح" للجوهري أكثر كتب اللغة تأثراً بديوان الأدب، في المادة اللغوية على وجه الخصوص.‏

3- التأثر بمنهجه تأثراً منوّعاً وموزعاً بين التطابق وبين التعديل. أو بين جمع أبنية الأسماء والأفعال معاً، أو الاقتصار على أبنية الأفعال ومصادرها فقط، وأشهر معاجم النوعين.‏

آ- شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكُلُوم للقاضي نشوان بن سعيد الحميري(23) الذي تأثر بالفارابي في المنهج، وإن أدخل عليه (على المنهج) بعض تعديلات يسيرة لا يظهر فيها عنصر الابتكار، كما أن المادة اللغوية الخاصة مشتركة بين المعجمين،(24) أو متشابهة، وإن كان القاضي الحميري قد حشد في معجمه معارف متنوّعة من الأخبار والأقوال، في الأشجار والأحجار والكواكب وعلوم القرآن والقراءات والتفسير والأنساب، وما شابه ذلك(25) من الاستطرادات التي لا تستدعيها طبيعة المادة اللغوية المنتظر وجودها في معاجم الأبنية.‏

ب- وتأثر بالفارابي محمود بن الحسين الكاشْغَرِي المتوفى عام 466 هـ في معجمه "ديوان لغات الترك". والزوزني (أبو عبد اللَّه الحسين بن أحمد بن علي المقري البيهقي)، المعروف باسم "بو جعفرك" والمتوفى عام 544هـ في معجمه "تاج المصادر". وهذه المعاجم الثلاثة صنفت لخدمة اللغتين التركية والفارسية بمنهج ومادة عربيين فكرةً وأسلوباً.‏

-4- معاجم أبنية أخرى:‏

وثمة مؤلفات تُسلك في هذا اللون من البحث اللغوي، وتبدو موزّعة بين المعجمية وكتب الأبنية، فمن خصائص المعجمية نجد فيها الترتيب الهجائي بمراعاة أواخر الأصول أو أوائلها، مثلما نجد فيها محاولة الإحصار أو الاستيفاء. ومن البناء نجد فيها الوزن الواحد، أو محاولة تصنيف الأوزان بعد تحقيق أصولها بالاحتكام إلى الدلالة اللغوية أو إلى القواعد الصرفية.‏

ومن الأمثلة التي تصلح لإيضاح هذه الفكرة كتاب "ما بنته العرب على فَعَالِ" للصغاني.‏

وتجدر الإشارة إلى أن للصغاني كتباً أخرى على هذا الغرار مثل: كتاب الأفعال، وكتاب الافتعال، وكتاب الانفعال، وكتاب نقعة الصديان فيما جاء على وزن فعلان، وكتاب يَفْعُوْل.(26) وقد أورد الصغاني في هذا الكتاب(130) مئة وثلاثين لفظة مما استعمله العرب من الثلاثي على بناء "فَعَالِ" في المعاني المختلفة. وألحق بها سبعة ألفاظ مما بني من الرباعي على معنى "فعالِ". وقد ذكر السيوطي هذه الألفاظ جميعاً في كتابه "المزهر" نقلاً عن الصغاني.(27) جمعها في ثلاث مجموعات، جعل المجموعة الأولى منها على أسماء الأفعال خاصة، وجعل الثانية لأسماء المواضع خاصة، وجعل الثالثة لأسماء أعلام النساء، وأنواع الحيوان، والأشياء الأخرى كالحرب والشمس.(28) ورتبه على حروف المعجم ووفق أواخر الأصول بادئاً بالهمزة في ثلاث كلمات هي: بَلاَءِ، شَرَاءِ، نَفَاءِ. ويلحظ أنه راعى الترتيب الهجائي في فصل الحرف الأول فبدأ بالباء، فالشين، فالنون. وانتهى بكلمة "بَهَانِ" أي بباب النون فصل الباء.‏

ولكنه أخل بالقاعدة التي تنص على بناء "فعالِ" من كل فعل ثلاثي، من "فَعَلَ" أو "فَعُل" أو "فَعِل" فحسب. ولا يجوز بناؤها مما جاوز ذلك. حين أورد أمثلة من الرباعي مثل: بَحْباحِ، وعَرْعارِ، وقرقارِ، ودهداعِ، وحَمْحامِ... وفي تعليل هذه القاعدة يقول سيبويه:‏

"واعلم أن (فَعَالِ) جائزة من كل ما كان على بناء (فَعَلَ) أو (فَعُل) أو (فَعِلَ). ولا يجوز من (أفعلتُ)لأنا لم نسمعه من بنات الأربعة. إلا أن تسمع شيئاً فتجيزه فيما سمعت، ولا تجاوزه. فمن ذلك: قرقارِ، وعرارِ"(29).‏

والقيمة العلمية في تخير مثل هذه الأبنية اللغوية تنصرف إلى بيان نشأة المعنى اللغوي ومجال استعماله أو دلالته العامة في تشعبها مما يسميه المحدثون من اللغويين الحقل الدلالي Semantic Field فأصل كلام العرب في استعمال صيغة (فَعَالِ) للأمر، عند حاجتهم إلى توكيد الكلام وتقوية معناه، وتثبيته في نفس السامع، وهذا هو السر في أن أكثر ما يجيء منه يكون مكرراً، كقول الشاعر:‏

حَذَارِ من أرماحنا حَذَارِ!‏

وقول الآخر:‏

تراكِها من إبل تراكِها‏

وذلك عند شدة الحاجة إلى هذا الفعل.(30) ويستعمل هذا البناء في النداء والتهديد والتحذير والزجر والشتم والمبالغة في الوصف أو الدلالة على غلبته على الشيء وما إلى ذلك من المعاني التي تشتد الحاجة إلى توكيد الكلام فيها.(31).‏

ولمحقق كتاب "ما بنته العرب على فعالِ" في مقدمته حديث وافٍ في تعليل هذا البناء ومجيئه اسماً للفعل، ومعدولاً من صفة المؤنث، ومعدولاً من مصدر مؤنث معرفة، واسماً علماً لامرأة أو لشيء آخر مؤنث. وغير خفي أنّ مدار ذلك كله صيغة "فَعَال" في وزنها الصرفي الثابت، ودلالتها اللغوية المتحوِّلة، مع محاولة إحصاء لعدد هذه الصيغ وتصنيف دلالاتها بنوع من الفلسفة اللغوية التي تكاد تبدو ترفاً علمياً أكثر منه نهجاً تعليمياً، ولكن ما يخلص إليه القارئ هو ضبط نطق هذه الصيغة في لغة العرب، وتعليل بنائها، وحصر ما تنصرف إليه، أو تقتصر عليه من دلالات أو مسميات، وفي هذا تقنين للغة بفرز أبنيتها في قوالب بأعيانها، وتصنيفها في أوعية خاصة سموها المعجمات، أو أخضعوها لمنهجية صناعة المعجمات، مع وضوح ما بينهما من اختلاف في التفصيلات.‏

ومن كتب الأبنية ما اقتصر على المذكّر والمؤنث ومثَّل ظاهرة مستقلة في دائرة البحث اللغوي. وقد ألف فيه طائفة من اللغويين فعقدوا عليه فصولاً في تضاعيف كتبهم، أو خصوه بتأليف مستقل. نذكر من هؤلاء أبا زكريا يحيى بن زياد الفراء (ت207هـ)، وأبا عبيد القاسم بن سلام (224هـ)، وأبا حاتم السجستاني (ت255)، وأبا العباس محمد بن يزيد المبرد (ت285هـ)، وإبراهيم بن السري الزجاج (ت310، أو 311هـ)، وابن خالويه (الحسن بن أحمد المتوفى سنة 370هـ)، وأبا الفتح عثمان بن جني (ت392هـ)، وأبا البركات عبد الرحمن بن محمد بن الأنباري (ت577هـ) وغيرهم.‏

ويشير بعض الباحثين إلى أن قدامى العرب لم يكونوا يفرقون بين المذكر والمؤنث بعلامات نحوية، وإنما بإدراك فطري غريزي، وأول ما عرفوا ذلك في الإنسان والحيوان اللذين كان لكل من المذكر والمؤنث فيهما كلمة مختلفة، نحو رجل وامرأة، وولد وبنت، وحمار وأتان، وحَمَل ورَخلِ (الأنثى من أولاد الضأن). فلما كثرت عليهم الألفاظ لجؤوا إلى اتخاذ علامات أضيفت إلى المؤنث، لأن المذكر عندهم هو الأصل، وقيدوا بعض العلامات بقيود الوزن فقالوا مثلاً: إن علامة التأنيث الألف الممدودة توجد في اللغة العربية على الأخص في صيغة "فعلاء" مؤنث "أفْعَل"، نحو سمراء وأسمر، وعرجاء وأعرج. وعلامة التأنيث الألف المقصورة توجد في اللغة على الأخص في صيغة "فُعْلى" مؤنث "أَفْعَل" الدال على التفضيل، مثل كبرى وأكبر، وفي صيغة "فَعْلى" و "فَعْلان" مثل عطشى وعطشان، وسكرى وسكران.. وهذا اللون من التقييد أو التقعيد وفق "أبنية" هو الذي حمل اللغويين على تصنيف ما أُلِّف في المذكر والمؤنث ضمن معاجم الأبنية. وثمة حالات أخرى اعتمدوا فيها القياس أو التقعيد عند تمييز المذكر من المؤنث بالتاء "علامة التأنيث" كقولهم: إن دخول التاء يكون للمبالغة، أو تأكيد المبالغة في مثل: راوية، ونسّابة، وعلاّمة، أو لتمييز الواحد من الجنس، نحو تمر وتمرة، أو للدلالة على تعريب الأسماء الأعجمية، نحو فرزدق وفرازنة، ومَرْزُبان ومرازبة. أو للتعويض عن مدَّة تفعيل، نحو زكّى تزكية، وربّى تربية.(32) وكان الأصل أن يقال ذلك على قاعدة فعَّل تفعيل، نحو هدَّد تهديد، ورجّع ترجيع. وكل هذا مما يمكن سلكه في منظومة تقعيدية تتظاهر فيها القواعد الصرفية والنحوية والصيغ البنائية، وإن كان هذا النمط من التأليف أكثر بعداً من أبنية الأفعال عن معاجم الأبنية. نضيف إلى ذلك أنهم اعتمدوا القياس أيضاً في النظر إلى صيغة التأنيث التي تحمل علامته المعروفة بالألف المقصورة، فقالوا صغرى وكبرى، مؤنث أصغر وأكبر، وسموها صيغة "فُعْلى" مؤنث "أفْعَل" الدال على التفضيل، وإن لم يكن قياساً مطّرداً.‏

ومن كتب الأبنية "المقصور والممدود" اللذان يمثِّل البحث فيهما شعبة من شعاب البحث اللغوي العام عند العرب. وكتاب الفرّاء الذي يحمل هذا العنوان يعد من "أول الكتب التي أسهمت في جلاء ظاهرة الخلط بين المقصور والممدود من الأسماء."(33)‏

وصلة هذا اللون من التأليف بمعاجم الأبنية، أو بكتب الأبنية ترجع إلى أن النحاة يعتمدون، في التقعيد لمادته، على الأوزان غالباً، لا على أثر العامل النحوي، أو أثر السياق، أو التقديم والتأخير، أو وظيفة المفردة في الجملة أو التركيب... هنا يقولون مثلاً: "ما يعرف من المنقوص والممدود بالتحديد والعلامات. من ذلك المصدر في (أفْعَل) الذي أثناه (فعلاء) فهو منقوص، من ذلك عَمِيَ عَمَى، وعَشِي عَشَى، وطوِي طَوَى.."(34).‏

ويقولون: "وما كان من جمع (فعْلَة) من الياء والواو على (فعِال) كان ممدوداً، مثل رَكْوة ورِكاء، وشكوة وشكاء، وفروة وفراء..."(35).‏

ويقولون: "ما جمع على فَعيْل أو فُعَال أو فَعُول على فِعَال مُدَّ أيضاً، مثل قولك: قصير وقصار، وكريم وكرام، مثل هذا من الياء والواو ممدود يكتب بالألف. وأكثر ما يجمع من الواو والياء (من جمع فعيل) على أفْعِلاَء فيمدّ ويكتب بالألف، من ذلك وَلِيّ وأولياء، وغني وأغنياء، ودعي وأدعياء، وإن جمع على فُعلاَء مُدَّ أيضاً وكتب بالألف مثل: شركاء وضعفاء.."(36)‏

ومنه: "ما جمعته على فَعَالى أو فُعالى (بضم الفاء وفتحها) أو فَعْلى فهو مقصور يكتب بالياء، من ذلك: كَسَالى وكُسَالى، وسَكَارى وسُكَارى، وصرعى وأسْرى وأُسارى. فإن كان على فُعالى وهو اسم واحد فهو مقصور يكتب بالياء مثل: حُبارى وجُمادى وذُنابَى الطائر..."(37).‏

وأنت إذا تأملت هذه القواعد والأحكام وجدت أن ألفاظ "الأوزان" طاغية فيها، ووجدتَها معقد التقعيد ومظنة الاحتكام لبيان الأصول والاستيثاق من سلامة القول الفصيح.‏

وأما تسويغ تصنيف أمثال هذه المؤلفات في جملة معاجم الأبنية فمردّه إلى التشابه الملحوظ بين مضمونها ومضمونات المعاجم المذكورة؛ فلو بوَّبَ المؤلف أوزان المقصور والممدود كلها في أبواب، أو أوردها متتابعة، من الأبنية الصغيرة (الثلاثية مثلاً) إلى الأبنية الخماسية لتقيَّل بذلك المعجميين في مناهجهم. ولو قام اللغويون باستقصاء الأسماء المقصورة والممدودة حتى استيفائها إحصاءً تاماً لكانت الحصيلة معاجم خالصة، ولكنها ليست عامة، وإنما تكون "معاجم متخصصة".‏

وقد ألَّف اللغويون بعد الفراء ما يزيد على أربعين كتاباً في المقصور والممدود ذُكِر آخرها باسم ابن مالك النحوي (ت672هـ)(38) وهي رسالة بعنوان "ذِكْر معاني أبنية الأسماء الموجودة في المفصل".(39).‏

-5-‏

ولم يتوقف البحث والتأليف في "الأبنية" عند السلف، أو عند لغويي العصور المتأخرة، بل استمر ذلك في مصنفات المحدثين، نجد من ذلك كتاباً بعنوان "بحث في صيغة (أَفْعَلَ) بين النحويين واللغويين واستعمالاتها العربية "للدكتور أحمد النحاس،(40) وفيه يربط المؤلف عمله بأعمال السلف ليبدو امتداداً لهم واستمراراً لصنيعهم في هذا المجال، يقول:‏

"... جاءت صيغة أفعل في اللغة العربية متداولة في الاستعمال في أغراض شتى وأنواع متعددة، فجاءت فعلاً متعدد المعاني مما جعل العلماء يعنون به ويؤلفون فيه كتباً كثيرة تحمل هذا الاسم: (فعلت وأفعلت) أو (فعل وأفعل) فألف فيه أبو زيد الأنصاري..."(41)‏

ثم يسرد أسماء من تقدّم ذكرهم في بداية هذا البحث. ويعرض المؤلف في مفتتح كتابه لاستعمالات صيغة (أفْعَل) من ناحية فعليّتها أولاً، وأسميتها ثانياً ذاكراً ما يتعلق بها من أحكام متفرقة.(42) ويعقد فصول الكتاب الثلاثة على ورودها اسماً وفعلاً، والمعاني المستفادة من الصيغة كورودها للتعدية والنقل والصيرورة والتحريض... وإفادتها السلب والدعاء والتعجب واللزوم والتعدي...وورودها اسماً وصفة مشبهة وللتفضيل وممنوعة من الصرف... وهكذا حتى يستوفي هذه الصيغة وما يحيط بها من حالات ودلالات واستعمال، في التذكير والتأنيث والإفراد والجمع والصفة والشذوذ والزيادة... وفي معنى الفاعل والمفعول... إلخ.‏

وبعد، فقد يتساءل القارئ الكريم عن الحافز على وضع مثل هذه المصنفات في "الأبنية" أو عن القيمة العلمية لها، أو عن أثرها في خدمة العربية. وبيان ذلك لا يحتاج إلى فضل تأمل وتدبّر، إذ يمكن أن نبادر إلى القول إنه لا شيء يمنع من مثل هذه الرياضة العقلية ولمِّ شعاب هذه الأبنية في أنساق وزمر وفق أوزانها لنستخلص منها ما لا نستطيع أن نقف عليه في غيرها من المصادر والمراجع، لأن الحديث عنها بالتفصيل لا يرد في سواها من فروع البحث اللغوي في العربية، بل سيبدو استطراداً في غير محله، أو إقحاماً له في غير نسيجه. وإيفاء الشيء حقه يستدعي إخلاص الجهد له وحده. ثم إن ما صنِّف في "الأبنية" كان يمثّل نهجاً من الجهود التعليمية التي التمست كل سبيل للحفاظ على العربية سليمة فصيحة، ولإيصالها إلى الشداة من غير ما طريق وأسلوب.‏

ومما يجدر استحسانه في معاجم الأبنية أنها نصّت في كثير من المواضع على الدقة والضبط بذكر الوزن وتقييد الحركات تسميةً كقول الفراء مثلاً:‏

"هذا باب يُفتح أوله فيمدّ، وإذا كُسر أوله قُصر".(43) وكقولهم مثلاً: مَفْعَل (بفتح الميم وإسكان الفاء وفتح العين) في اسم المكان، ومُفْعِل (بضم الميم وسكون الفاء وكسر العين) في اسم الفاعل، ومِفْعَل (بكسر الميم وسكون الفاء وفتح العين) لاسم الآلة... ذلك أن المعاجم القديمة لم تكن تهتم بالحركات في الضبط، وإنما كانت تكتفي بالحروف الساكنة.‏

ومن فوائد معاجم الأبنية في الدلالة اللغوية تعيين ما انصرفت إليه الأوزان من مثل بناء (فُعَال) بضم الفاء وفتح العين، فهذا البناء يعدد المعاني التي يتجه إليها في الأعم الأغلب تعدداً يشبه الحَصْر، أو القصرْ على ما هو شائع بين اللغويين، إذ قالوا: يختص هذا البناء بما هو مستقبح أو مستقذر نحو: البُصاق، والمخاط، والعطاس... وبما هو من الصغائر والبقايا كالغُبار، والسُّخام، والجُفاء. ونظيره من التأنيث بناء "فُعالة" نحو: الحُثالة، والنُخالة، والحُكاكة، والقمامة، والنُّفاية... وبما هو للأمراض والأصوات: كالصُداع، والنُّكاف، والدُّوار، والسعال، والنُّباح، والصُّراخ، والعُواء... وبمثل هذا التقسيم يتعلم شُداة العربية كيف يقرؤون ويفهمون هذا البناء قراءة صحيحة وفهماً يستفيد من الاحتكام إلى القياس والخيارات المحدودة.‏

ومثل هذا يقال عن بناء "فِعَالة" بكسر الفاء وفتح العين الذي ينصرف غالباً إلى الحرفة نحو: النَّجارة، والقبالة، والحِدادة، والحياكة، والحجامة، والفراسة....‏

وتُعين معاجم الأبنية شداة العربية على ردّ الكِلم على أصوله، من ذلك مثلاً تصنيف النحاة أبنية الأفعال الثلاثية الذي يستدعي تجريدها من الزوائد وإعادتها إلى أصولها نحو: الميناء من (وَنَى) بمعنى ضعف، فالمبتدئ قد لا يتهدّى إلى الأصل، أو قد يبحث عنه في (مَيَنَ)...‏

ونحو: تهامة والتهائم التي يثبت أصلها في (تَهَمَ)، أما التهمة فيثبت أصلها في (وَهَمَ)... وكل ذلك ونظائره قد يغمّ على المبتدئين استخلاصه من الكلمات المزيدة، أو التي فيها إبدال وإعلال... وهنا تتجلى أيضاً أهمية حصر المقصور والممدود وتحرّي أصولهما وتقييدهما في أنساق بعد التثبت من تلك الأصول. وبغير هذا الجهد وهذه المرحلة ستظل معرفة الأصول عسيرة على غير المتمكنين من أسرار العربية وخصائصها.‏

لقد عكف اللغويون العرب القدامى على دراسة الكلمة المفردة زمناً، فجمعوا نوادرها وغرائبها، وأحدثوا المعاجم وكُتب الشروح من أجل رصد دلالتها أو دلالاتها، واتخذوها شاهداً على صحة كلام العرب في النحو واللحن والفصاحة، ونظروا إلى وظيفتها في التركيب والسياق، وأسّسوا عليها في إيضاح الفصاحة والبلاغة فأشاروا إلى وجوب خلوّها من تنافر الحروف... واستكمالاً لهذه الجهود العلمية حول الكلمة المفردة جاءت معاجم الأبنية فأوفتها حقها من جهات الصوت والصرف والوزن والدلالة.‏

الحواشي والإحالات:‏

1- معجم "العين": 1/49 بتحقيق د. مهدي المخزومي، ود. إبراهيم السامرائي- ط: إيران 1405هـ. والقرعبلانة: دويبة عريضة مُحْبنْطِئة عظيمة البطن- اللسان: قرعبل.‏

2- وانظر كتابنا: أبحاث في اللغة والأدب. دار شمأل، دمشق 1994.‏

3- الكتاب /230 تحقيق عبد السلام محمد هارون. ط: الهيئة المصرية العامة للكتاب 1977.‏

4- انظر: المعجم العربي -نشأته وتطوره للدكتور حسين نصار ج1/ 180-181، دار مصر للطباعة، و"البحث اللغوي عند العرب" للدكتور أحمد مختار عمر ص 188-190، توزيع دار المعارف بمصر 1971.‏

5- ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون (133)، وقال إنه كان ممن صنف في "الأفعال وتصاريفها". وانظر"معجم الألفاظ والتراكيب المولَّدة في "شفاء الغليل فيما ورد كلام العرب من الدخيل "لشهاب الدين الخفاجي (ت 1069هـ). تحقيق الدكتور قصي الحسين. دار الشمال، طرابلس، لبنان 1987.‏

6- انظر كتاب: فعلت وأفعلت لأبي إسحاق الزجاج، إبراهيم بن السري بن سهل ص 8-9 بتحقيق وشرح ماجد حسن الذهبي. الشركة المتحدة للتوزيع- 1984.‏

7- نفسه ص14.‏

8- نفسه ص 31. ويجد القارئ المزيد من الأمثلة المشابهة في كتاب "ما جاء على فعلت وأفعلت بمعنى واحد" لأبي منصور الجواليقي، تحقيق ماجد الذهبي. ط: دمشق 1982.‏

9- كتاب: فعلت وأفعلت للزجاج ص 43.‏

10- نفسه ص63.‏

11- الموضع السابق ص 110-111‏

12- البحث اللغوي عند العرب ص 190 (م. س)‏

13- وانظر "المعجم العربي" للكتور حسين نصار 1/190 (م. س).‏

14- الموضع السابق 1/190- 191.‏

15- نفسه 1/ 193.‏

16- انظر: البحث اللغوي عند العرب ص 189 (م. س).‏

17- صدر عن مجمع اللغة العربية بالقاهرة بتحقيق الدكتور أحمد مختار عمر، ومراجعة الدكتور إبراهيم أنيس بدءاً من سنة 1974.‏

18- ديوان الأدب: ج1/ 72-73.‏

19- ديوان الأدب، المقدمة ص 10-11.‏

20- كان البندنيجي ضريراً شاعراً عارفاً باللغة، ولقي ابن السكيت، وقد حقق هذا المعجم الدكتور خليل العيطة، وطبعته وزارة الأوقاف ببغداد سنة 1976.‏

21- ص40.‏

22- انظر: البحث اللغوي عند العرب ص 190 (م. س).‏

23- صدر بتصحيح عبد اللَّه الجرافي اليمني. ط. عالم الكتب (جزآن)- بيروت (د.ت).‏

24- لمزيد من التفصيل انظر مقدمة المحقق ص 52-53.‏

25- وانظر: المعجم العربي 1/205 (م. س)‏

26- انظر: ما بنته العرب على فعال ص 17 من مقدمة المحقق الدكتور عزة حسن. مطبوعات المجمع العلمي بدمشق 1964.‏

27- انظر المزهر في علوم اللغة وأنواعها 2/ 131- 134 بتحقيق محمد جاد المولى وزميله. ط: عيسى البابي الحلبي.‏

28- ما بنته العرب على فعال ص23.‏

29- الكتاب 2/ 41 طبعة بولاق. القاهرة 1316-1317هـ.‏

30- وانظر: ما بنته العرب على فعال ص27.‏

31- الموضع نفسه.‏

32- للوقوف على مزيد من التفصيل حول التذكير والتأنيث انظر المقدمة الضافية التي قدّم بها الدكتور رمضان عبد التواب لكتاب "البُلْغة في الفرق بين المذكر والمؤنث" لأبي البركات بن الأنباري. ط: دار الكتب 1970.‏

33- حقق الكتاب "المقصور والممدود" في نشرته الثانية: عبد الإله نبهان، ومحمد خير البقاعي، وصدر عن دار قتيبة بدمشق عام 1983م. وانظر المقدمة ص5. وكان الكتاب قد طبع في مصر بتحقيق عبد العزيز الميمني ضمن سلسلة ذخائر العرب (41) عام 1967.‏

34- المقصور والممدود للفراء ص 23-24‏

35- نفسه ص 26.‏

36- نفسه ص 27-28.‏

37- المقصور والممدود ص 32-33.‏

38- المصدر السابق، ص12-18.‏

39- و "المفصل في علم العربية كتاب لجار اللَّه محمود بن عمر الزمخشري (ت538هـ) وقد أعدّ هذه الرسالة للنشر د. عبد الإله نبهان، ونُشرت في المجلد33 الجزء الأول في يناير (كانون الثاني) 1989، وتضم هذه الرسالة (165) مئة وخمسة وستين بناء، فيها عدد قليل من الأبنية المعرّبة من لغات أخرى.‏

40- صدر الكتاب عن مطبعة السعادة بالقاهرة عام 1403هـ/ 1983م.‏

41- المقدمة ص 3.‏

42- نفسه ص4.‏

43- المقصور والممدود ص12.‏

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 30.74 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 30.11 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (2.02%)]