عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 17-09-2020, 04:17 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 48,285
الدولة : Egypt
افتراضي المغارة السوداء

المغارة السوداء


أسامة طبش







بخطاه الحثيثة المتسارعة يتسلَّق رأس الجبل، المسلك وعْر ومليء بالصخور لكنَّه لن يَستسلِم، إحساسه كبير بأنه سَتُحَلُّ جميع مشكلاته بمجرد ولوجه المغارة السوداء، فلقد زارها الكثير وشُفوا من جميع أسقامهم.


جلُّ أهل القرية يقدِّسونها ويُعْنَونَ بإشعال الشُّموع بها كلَّ ليلة، معتقدين بذلك تَنَزُّلَ بعضٍ من بركاتها عليهم، ذاع صيتها بالمنطقة كلها، فجاءها الناس من كل حدب وصوب، وكلهم يقين بأن لها سرًّا عجيبًا، يحل العقد التي عجز العلم عن شفائهم منها.


يعمل طبيبًا في عيادته ولم يعرف يومًا النجاح في مهنتِه، لم يُرزَق بالأولاد رغم مرور سنوات عديدة من زواجه، أخته أيضًا لم يَطرق بابها عروس حتى هذه اللحظة، تلك هي قائمة مُشكلاته التي سيَطرحها في تلك المغارة السّوداء، مُعتقدًا أنه سيَلقى الجواب الشافي فيها، وتُفتَح له أبواب الفرج.


يلج المغارة ورِجلاه ترجفان من وَجل، هَمْهَمَ ببعض الكلمات ولم يعرف أهي: دعاء أم ابتهال أم توسُّل؟ المهم أنه نطق بجمل مقتضبة محاولاً استجماع كل تركيزه فيها، أشعل شمعة صغيرة ووضعها في صينيَّة أمامه، ووضع دنانير تحت رداء أخضر في إحدى جنبات المغارة، ثم كتب اسمه على أحد جدرانها، وخرَج هادئ البال مرتاحًا، وقد أنهى مهمَّته بنجاح.


بالرغم من أنه مُتعلِّم ويعمل طبيبًا، إلا أنَّ ذلك لم يُسعِفه في التخلص من أفكار بالية قد تُخرجه من الملَّة، يرى أنه لم يرتكب سوءًا بفعلته، فهو مؤمن متيقِّن من أن كل شيء بيد الله، زيارته للمَغارة لم تكن إلا كوسيلة استئناس ليبلغ مراده؛ لكنه نسي أنه هتَك سترًا وميثاقًا غليظًا يربطه بالمولى - عزَّ وجل - قد عاد إلى جاهلية عمياء أزال الإسلام الكثير من شركيَّاتها، وقع الآن في حبائلها فأضاع أغلى شيء عنده، رضي بالدنيَّة في دينه رغم أنه مُكرَّم؛ حيث لم يُجعَل بينه وبين خالقه ترجمان.



عقول مريضة وقلوب اسودَّت، منهم مَن كستْه الغفلة ويحتاج لمن يوقد في قلبه بعضًا من معاني التوكُّل والإيمان الخالص، بَلِيَّات بُلِيَ بها بعض النَّاس في حالة ضعف وانكسار، كان عليهم صيانة أنفسهم من دنس قد يهلكهم، زلة قدم في براثن ممارسات كهذه تهوي بالإنسان إلى أسفل سافلين، ولن ينفعه حينئذ إنس ولا جانٌّ، يوم يقام الحساب ليفصل بين العباد.







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 16.81 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 16.19 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (3.70%)]