عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 19-11-2019, 06:35 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 22,099
الدولة : Egypt
افتراضي رد: في فقه "اللّعن واللّعان والملاعنة" بيانٌ لحقيقة المباهلة وأحكامها الشَّرعيَّة

في فقه "اللّعن واللّعان والملاعنة" بيانٌ لحقيقة المباهلة وأحكامها الشَّرعيَّة
صلاح عباس فقير


ب. المباهلة مع اليهود:
وقد أُشير إليها في قوله - تعالى - من سورة البقرة: (قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) [البقرة: 94].
يقول ابن جرير الطبري: "وهذه الآية مما احتجَّ الله بها لنبيِّه محمد - صلى الله عليه وسلم - على اليهود الذين كانوا بين ظهرانيِّ مُهاجَره، وفضحَ بها أحبارهم وعلماءهم، وذلك أنَّ الله جل ثناؤه أمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يدعوهم إلى قضيَّة عادلة بينه وبينهم، فيما كان بينه وبينهم من الخلاف،... إلى فاصلةٍ بينه وبينهم من المباهلة،... فامتنعت اليهودُ من إجابة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك،... فبلغنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لو أنَّ اليهود تمنَّوا الموت لماتوا، ولرأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرجعوا لا يجدون أهلاُ ولا مالاً...
قال أبو جعفر: فانكشف -لمن كان مشكلاً عليه أمرُ اليهود يومئذٍ- كذبُهم وبهتهم وبغيهم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وظهرت حجة رسول الله وحجة أصحابه عليهم، ولم تزل والحمد لله ظاهرة عليهم وعلى غيرهم من سائر أهل الملل" [29].
وروى ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنه- قوله في تفسير الآية: "أي: اُدعوا بالموتِ على أيِّ الفريقين أكذبَ"[30].
وعلَّق الشيخ السّعدي على هذه الآية قائلاً: "وهذا نوعُ مباهلةٍ بينهم وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"[31].
كما دعا الله - سبحانه وتعالى -- رسوله محمداً - صلى الله عليه وسلم - إلى مباهلة اليهود في قوله: (قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)[الجمعة: 6].
يقول ابن كثير: "أي: اُدعوا على المبطل منَّا ومنكم بالموت، إن كنتم تدَّعون أنَّكم على الحقِّ"[32].
ت. المباهلة مع النَّصارى:
وهي المباهلة المشهورة، الَّتي أُمِرَ بها الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - في العام التَّاسع من الهجرة، لمَّا قدم إلى المدينةِ وفدٌ من نصارى نجرانَ، مكوَّنٌ من ستين راكباً فيهم أشرافُهم وأهلُ الحلِّ والعقد منهم، وفدوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحاجُّونه في أمر المسيح - عليه السلام -، ويريدون أن يُثبتوا إلهيَّته بالادِّعاء الباطل[33]، فحاورهم الرَّسولُ - صلى الله عليه وسلم - وجادلهم ودعاهم إلى الإسلام، "فقالوا له: قد كنّا مسلمين قبلك!
فقَال -وهو يُخاطبُ اثنينِ من رؤسائهم-: كَذَبْتُمَا، مَنَعَ الإِْسْلاَمَ مِنْكُمَا ثَلاَثٌ: قَوْلُكُمَا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا، وَسُجُودُكُمَا لِلصَّلِيبِ، وَأَكْلُكُمَا الْخِنْزِيرَ [34].
قَالاَ: مَنْ أَبُو عِيسَى؟ " " كُل آدَمِيٍّ لَهُ أَبٌ فَمَا شَأْنُ عِيسَى لاَ أَبَ لَهُ! "[35]
فأنزل الله - تعالى -نيِّفاً وثمانين آيةً صُدِّرت بها سورة آل عمران، وذلك رداً لباطلهم، وإقامةً للحجَّة عليهم، فلمَّا لم يستجيبوا للحُجج النَّبويَّة والقرآنيَّة، أمر الله - تعالى -رسوله بأن يُباهلهم، ونزل في ذلك قوله - تعالى -: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) [سورة آل عمران61].
يقول ابن جرير الطَّبريُّ في تفسير هذه الآية: "يعني بقوله جلَّ ثناؤه: (فمن حاجَّك فيه)، فمن جادلك، يا محمَّد، في المسيح عيسى ابن مريم... ويعني بقوله: (من بعد ما جاءك من العلم)، من بعد ما جاءك من العلم الذي قد بيَّنتُه لك في عيسى أنَّه عبد الله، (فقل تعالوا)، هلمُّوا فلنَدْعُ (أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل)، يقول: ثم نلتعن... (فنجعل لعنة الله على الكاذبين) منَّا ومنكم في أنَّه عيسى"[36].
وبعد نزول هذا الأمر الإلهيِّ، قال لهم الرّسول - صلى الله عليه وسلم - فيما رُوي عن ابن عبّاس رضي الله عنه-: "إنَّ الله قد أمرني إن لم تقبلوا هذا أن أباهلكم، فقالوا: يا أبا القاسم بل نرجع فننظر في أمرنا ثم نأتيك... وقد كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - خرجَ ومعه عليٌّ والحسنُ والحسين وفاطمة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن أنا دعوتُ فأمِّنُوا أنتم" [37].
فتملَّكهم الخوف، وقال بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: "إِنْ فَعَلْتُمُ اضْطَرَمَ الْوَادِي عَلَيْكُمْ نَارًا.. فَإِنَّ مُحَمَّدًا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ وَلَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ جَاءَكُمْ بِالْفَصْل فِي أَمْرِ عِيسَى، فَقَالُوا أَمَا تَعْرِضُ عَلَيْنَا سِوَى هَذَا؟ فَقَال - صلى الله عليه وسلم -: الإِْسْلاَمُ أَوِ الْجِزْيَةُ أَوِ الْحَرْبُ فَأَقَرُّوا بِالْجِزْيَةِ "[38].
وروى البخاريُّ في "صحيحه" عن حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- قوله: "جاء العاقبُ والسَّيد صاحبا نجرانَ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُريدانِ أن يُلاعناه، فقال أحدُهُما لصاحبه: لا تفعل، فو اللهِ لئن كان نبياً فلاعنَّا لا نُفلح نحن و لا عقبُنا من بعدنا،..."[39].
وقيل فيما رُوي عن ابن عباسٍ، أنّهم قالوا للرَّسول - صلى الله عليه وسلم -: "أخِّرْنا ثلاثة أيام، فذهبوا إلى بني قريظة والنَّضير وبني قينقاع فاستشاروهم، فأشاروا عليهم أن يُصالحوه ولا يُلاعنوه، وهو النبي الذي نجده في التوراة"[40].
خاتمة:
ممّا سبق يتبيّنُ لنا أنَّ المباهلة ليست لها صورةٌ واحدة، ففي مباهلة المشركين أُمِرَ الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - بأن يقولَ لهم: (مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدّاً) [مريم: 75].
وفي مباهلة اليهود، أُمِرَ الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - بأن يقولَ لهم: (إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) [البقرة: 94].
وفي مباهلة النَّصارى، أُمِرَ الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - بأن يقولَ لهم: (تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) [سورة آل عمران، 61].
وكانت مباهلةُ المشركين أخفَّ وطأةً، ربّما لأنَّهم لم يكونوا أهل كتابٍ سابق، ما روي عن قتادة -رضي الله عنه- في قوله - تعالى -: (لتُنذِرَ قوماً ما أُنذِرَ آباؤهم)، "قال: قُريشٌ، لم يأتِ العربَ رسولٌ قبلَ محمَّد - صلى الله عليه وسلم -، لم يأتِهم ولا آباءَهم رسولٌ قبله"[41]، فأُريد إمهالهم حتّى يسمعوا كلام الله.
وكانت مباهلتا اليهود والنَّصارى أشدَّ وطأةً، ربّما لأنهما أهلُ كتابٍ سابق، رغم تفاوُت ما بينهما: فاليهود هم: "(الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) الَّذين عرفوا الحقَّ وتركوه"[42]، فلا يُرجَى كثيرٌ من الخير في إيمانِ من كفر منهم، فلذا كانت مباهلتُهم أخفَّ من مباهلة النَّصارى.
وربَّما أنَّ شدَّة المباهلة مع النَّصارى، واتِّخاذَها صورةً فيها اجتماعٌ ومقابلةٌ بين كلٍّ من الطَّرفين وأهله الأقربين، تعكسُ اهتماماً بحالهم عسى أن يتوبوا ويثوبوا إلى رشدهم، ذلك لأنَّهم "تركوا الحقَّ على جهل وضلال"[43] وكما قال ابن كثير في تعليقه على قوله - تعالى -: (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى) قال: "أي: الذين زعموا أنَّهم نصارى من أتباع المسيح وعلى منهاج إنجيله، فيهم مودةٌ للإسلام وأهله في الجملة، وما ذاك إلا لما في قلوبهم، إذ كانوا على دين المسيح من الرِّقَّة والرَّأفة، كما قال - تعالى -: (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً) [الحديد: 27] وفي كتابهم: من ضربك على خدك الأيمن، فأدر له خدك الأيسر، وليس القتالُ مشروعًا في ملَّتهم؛ ولهذا قال - تعالى -: (ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ) أي: يُوجد فيهم القسِّيسون، وهم خطباؤهم وعلماؤهم"[44].
ومن المعلوم أنَّ للمباهلة بالنسبة لأهل الباطل طرفين، فإمّا باهلوا فلقُوا عاقبة أمرهم السُّوأى، وإمّا أعرضوا عن المباهلة، ففي هذه الحالة يُرجَى أن يتوبوا، وأن يكون للمباهلة دورٌ كبيرٌ في أوبتهم إلى ربِّهم.
الفصل الثَّالث مسائل في فقه المباهلة
أ‌. تعريف المباهلة:
بناءً على ما تقدّم، يمكن تعريف المباهلة بأنَّها:
أسلوبٌ دعويٌّ، يلجأ إليه الدَّاعية أو خصمُه أو كلاهما -وهو في مقام التَّحدِّي، بأن يبتهلَ إلى الله - عز وجل - ويسألَهُ أن يحسم النِّزاع بينهما، استناداً إلى علمه وقدرته وجبروته، بأن يُهلك المبطل منهما هلاكاً عاجلاً، أو يَمُدَّ له في باطله حتَّى يأتيه عذابٌ آجل، أو حتَّى يلقى ربَّه؛ ليكون في ذلك حجّةٌ قاطعةٌ على باطله.
ويُشكلُ على هذا التّعريف أنَّ المباهلة مُفاعلةٌ من "البَهل"، وبالتالي فلا يُعتبر ما يلجأ إليه أحد الطَّرفين بإرادته المنفردة مباهلةً، بل الأولى أن يُسمّى ابتهالاً، وذلك للتَّمييز بينه وبين المباهلة التي تحدث بناءً على اتِّفاق الطرفين.
ويُقال دفعاً لهذا الإشكال:
أولاً: إنَّ أساس المباهلة هو اللُّجوء والابتهال إلى الله - عز وجل - وسؤالُه أن يفصل بين الخصمين بعزَّته وعلمه وقدرته، فصلاً قاطعاً للحجَّة بينهما، وذلك بأن يوقع اللعنَ على المبطل منهما عاجلاً أو آجلاً، وهذا المعنى متحقّقٌ في الحالة الّتي يقوم فيها أحد الطرفين فقط بـ"المباهلة"، ولذلك حدّد العلامة ابن كثير معنى المباهلة بقوله في سياق كلامه عن: "المباهلة لليهود،... أنَّ المرادَ أن يدعُوْا على الضَّالِّ من أنفسِهم أو خصومِهم"[45]، وابن كثير من القائلين بوجود المباهلة مع المشركين واليهود، وبالتالي فهو يقصد: أن يدعوَ اللهَ أيٌّ من الطَّرفين أو كلاهما.
ثانياً: إنَّ ذلك المعنى الّذي تُعبّر عنه آيات المباهلة مع المشركين ثم اليهود والنّصارى، لا يصلح أن يُطلق عليه لغةً اسمُ الابتهال، إلا مع مزيدٍ من الشّرح والتوضيح والتّقييد، بل الصَّحيح لغة أن يُقال: إنّه جنسٌ خاصٌّ من الدُُّعاء، فيستحقُّ اسماً خاصَّاً به، وليس هناك مانعٌ من أن يكون هذا الاسم الاصطلاحيُّ هو المباهلة، كما سار على ذلك ابن جرير وابن كثير، ومن رَوَيا عنهما من أئمّة السّلف، لأنَّهم رأوا اتّفاقاً جوهريّاً بين النَّوعين.
ثالثاً: إنَّ معنى المفاعلة متحقّقٌ في كلِّ "المباهلات" أو "الابتهالات المخصوصة" التي تمِّ الاستدلال بها من القرآن الكريم، ذلك أنَّ "تلك المباهلة" أو ذلك "الابتهال المخصوص"، ما كان ليكون لولا وجودُ الطرف الآخر، في سياق الدّعوة وواقعها أولاً، وفي وعي هذا المباهِل أو المبتهل لمّا أعلن مباهلته ثانياً.
هذا إضافةً إلى أنَّ صيغة المفاعلة تدلُّ في معناها اللُّغويِّ الأصليّ، على محاولة تحقيق الفعل من جانبين، كما تدلُّ على مشاركة "المفعول" في الحدث ومدافعته "للفاعل"، لكن "ليس من اليسير ردُّ كل معاني "فاعل" إلى المعنى الذي يُرجَّح أنَّه المعنى الأصلي"، بل قد وردت صيغةُ المفاعلة بدلالاتٍ أخرى، مثلاً: "ضاعف" بمعنى "ضعَّف"؛ "عافاك الله" بمعنى أعفاك، وباعدته بمعنى أبعدته، وقد يكون "فاعَل" بمعنى "فَعَلَ" المجرد مثل: "سافر"، و"هاجر".
ومن المصطلحات الفقهيّة التي صيغت على وزن "فاعل": المُزارعة، وهي "مفاعلة" من ا"لزَّرع"، وتقتضي بحسب الأصل فعلاً من الجانبين، ولكنَّ فعل الزَّرع في "المزارعة" يكونُ من أحد الجانبين فقط[46].
وقال الخليل: "والتلاعُنُ كالتَّشاتُم في اللفظ، وكلّ فعل على [تفاعل] فإن الفعل يكون [منهما][47]، غير أن التّلاعُنَ ربّما استعمل في فعل أحدهما، والتَّلاعُنُ يقع فعل كلّ واحدٍ منهما بنفسه ويجوز أن يقع كلُّ واحدٍ بصاحبه فهو على معنيين"[48].
ب. حكم المباهلة:
لا شكَّ في جواز المباهلة، عند وجود الضّرورة الّتي تقتضيها، وعند توفّر شروطها، وهذا ما ذهب إليه كثيرٌ من الأئمّة:
يقول ابن القيم: "السُّنَّة في مجادلة أهل الباطل إذا قامت عليهم حجَّة الله، ولم يرجعوا؛ بل أصروا على العناد أن يُدعَوا إلى المباهلة، وقد أمر الله - سبحانه - بذلك رسوله - صلى الله عليه وسلم - ولم يقل إنَّ ذلك ليس لأمتك من بعدك"[49]. [زاد المعاد 3/557].
ويقرِّر الحافظ ابن حجر "مشروعية مباهلة المخالف، إذا أصرَّ، بعد ظهور الحجة"[50].
ويقول العلامة ابْنُ عَابِدِينَ: "الْمُبَاهَلَةُ بِمَعْنَى الْمُلاَعَنَةِ مَشْرُوعَةٌ فِي زَمَانِنَا. "[51].
وقد سئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية: "هل المباهلة خاصَّة بين الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - والنَّصارى؟ "
فأجابت بأنها ليست خاصَّةً به - صلى الله عليه وسلم - مع النصارى، بل حكمها عامٌّ له ولأمَّته، مع النَّصارى أو غيرهم[52].
وقد تتعلَّق بالمباهلة الأحكامُ الشّرعيّة الأخرى، فتكون مندوبةً أو واجبةً، في بعض الأحوال، كما إذا كان أهلُ الباطل هم المبادرين والمتحدِّين بها، ففي هذه الحالة -وبعد أن يستفرغ أهل الحقِّ جهدهم في المجادلة وإقناع الخصم، وفي تحقيق شروط المباهلة عموماً- قد يُندب أو يجب القيامُ بها، وكذلك قد تكون المباهلة مكروهةً أو محرَّمة، كما إذا كان في أهل الحقِّ ضعفٌ في قوَّة المنطق والإقناع، وتقصيرٌ في بذل الجهد الدَّعويِّ اللازم.
ت‌. محلُّ المباهلة أو موضوعها:
لقد كان موضوع المباهلات الَّتي جرت في عهد النُّبوّة، هو العقيدةُ والدِّين كلُّه، وبناءً على ذلك ثار التَّساؤل عن محلِّ المباهلة وموضوعها، أهو العقيدة فقط من حيث الدَّعوة إليها، أم أنَّها تشملُ سائر الأمور، سواءٌ كانت قضايا علميَّة، أو قضايا عمليَّة؟!
سئل الشَّيخ الألبانيُّ - رحمه الله - عمَّا إذا كان من الممكن أن تشمل المباهلةُ قضايا عمليّة أو دنيويَّة بحتة، كما إذا كان لك على أخيك المسلم مالٌ فأنكره، أفيجوزُ لك أن تُباهله؟
فأجاب بأنّه لا يجوز تمديدُ الحكم بجواز المباهلة، ليشمل أموراً دنيويّةً أو مادِّيَّةً، وذلك لسببين اثنين:
الأول: أنَّ المباهلة إنَّما تعلَّقت في الأصل بأمورٍ عقديَّة.
والثّاني: أنّ قضايا الخلاف الدنيويّ المادّي، وُضعت لحلّها قاعدة "البيِّنة على المدَّعي و اليمين على المنكر".
ثم يقول: "و لكن إن كان و لا بدَّ من سحب القضيَّة إلى جانبٍ آخر، لم يُنصَّ على هذا الجانب في أثرٍ ما أو حديثٍ ما، فيُمكن سحبُها إلى خلافٍ بين طرفين من المسلمين، مختلفين في بعض الأفكار أو بعض العقائد، كالمعتزلة مثلاً و أهل السنة،... يمكن سحبُ تلك القضية إلى مثل هذه؛ للمجانسة الموجودة بينهما"[53].
هذا عن قضايا الخلاف الدُّنيويّ المادّي، ويُمكن كذلك إخراجُ قضايا الخلاف العلميِّ والفقهيِّ الَّذي لا يمسُّ أصول العقيدة، من باب المباهلة، ذلك أنّ هذه الخلافات تحكمها أصول البحث والحوار والنّظر في الأدلة، والاحتكام إلى المتخصّصين فيها، وردُّ الأمر إلى الله ورسوله، ولكن يرِد على ذلك أنَّ هناك أخباراً عن دعواتٍ للمباهلة أعلنها بعضُ الصّحابة -رضوان الله عليهم- وكانت في قضايا علميّة بحتة، ولم تكن تتعلّق بخلافاتٍ في أمورٍ عقديّة، فمن ذلك:
ما روي من أنَّ عبد الله بن عباس رضي الله عنهما- دعا المخالفينَ له في إحدى مسائل الإرث، إلى المباهلة قائلاً: "فَإِنْ شَاءُوا فَلْنَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَهُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَهُمْ ثُمَّ نَبْتَهِل فَنَجْعَل لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ"[54]، وروي عنه قوله: "من شاء باهلته، إنَّ المسائل لا تعول، إنَّ الذي أحصى رمل عالج عدداً أعدلُ من أن يجعلَ في مالٍ نصفاً ونصفاً"[55].
وما روي عن ابن عباس-رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا- أنّه قَالَ: "مَنْ شَاءَ بَاهَلْتُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلأَمَةِ ظِهَارٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ"[56].
وما رُوي عن عكرمة في قوله - تعالى -: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت)... أنّه قال: "من شاء باهلتُه، أنها نزلت في نساء النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - خاصَّةً"[57].
وما رواه عبد الرزاق، عن ابن مسعود أنّه قال: "من شاء باهلتُه أو لاعنته، أنَّ الآية التي في سورة النِّساء القُصرى: (وأولات الأحمال أجلهنَّ أن يضعن حملهنَّ) [الطلاق، 4] نزلت بعد الآية التي في سورة البقرة (والَّذين يُتوفَّون منكم) [البقرة 234]"[58].
هذا، وقد روي عن الشيخ محمد بن صالح العثيمين، أنَّه سُئل عن هذه الأخبار الّتي تدلُّ على جواز المباهلة في الفروع، فقال: "إنَّه اجتهادٌ منهم -رضي الله عنهم-[59]، ولعلَّ فضيلة الشيخ ابن عثيمين يقصد بذلك أنّه لا حجِّيَّة لها في هذا الباب، ويُمكن أن يُقال إنّها قد صدرت عنهم في مقام الجدال والمنافحة عمَّا يراه أحدُهم من رأيٍ، بدون أن يكون مقصودهم نفسَ ما تدلُّ عليه العبارة، فلا يُمكن للمسلم ناهيك عن صحابيٍّ أن يدعوَ على أخيه باللَّعن والطّرد من رحمة الله، بسبب خلافٍ في مسألةٍ علميَّة، بل غايةُ ما هنالك أن يؤكِّد أحدهم صحَّة المذهب الّذي ذهب إليه، والله - تعالى -أعلم.
ث. الملاعنة بين الزَّوجين وعلاقتها بالمباهلة:
ثبت اللّعانُ بين الزّوجين في الشّريعة الإسلامية، بحديث سهل بن سعد -رضي الله عنه- أنَّ رجلاً من الأنصار جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً أيقتله أم كيف يفعل؟ فأنزل الله في شأنه ما ذُكر في القرآن من أمر المتلاعنين -أي قوله - تعالى -: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ *وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ) [النُّور6-9]- فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "قد قضى الله فيك وفي امرأتك"قال: فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد"[60].
صفة اللّعان: يقول الزوج عند الحاكم أمام جَمْعٍ من النَّاس: أشهدُ بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي فلانة من الزِّنى، أربع مرات،... ثم يزيد في الشَّهادة الخامسة -بعد أن يعظه الحاكم ويحذره من الكذب-: وعليَّ لعنةُ الله، إن كنت من الكاذبين، ثم تقول المرأة أربع مرات: أشهدُ بالله لقد كذب فيما رماني به من الزِّنى، ثم تزيدُ في الشَّهادة الخامسة: وأنَّ غضب الله عليها إن كان من الصَّادقين.
وسُمِّي اللعانُ لأنَّ الرجل في الخامسة يوقع اللعنةَ على نفسه، إن كان من الكاذبين، والمرأةُ تستوجب غضبَ الله عليها إن كان من الصَّادقين.
ويترتّبُ على أيمان الملاعنة: سقوطُ حدِّ القذف عن الزَّوج [ما لم ينكل]، سقوط حدِّ الزِّنا عن المرأة [ما لم تنكل]، ثبوتُ الفرقة المؤبّدة بين الزوجين، انتفاء نسب الولد وإلحاقه بالزوجة[61].
والسؤال: هل تدخل الملاعنة بين الزَّوجين في مفهوم "المباهلة"؟
والجواب: نعم، فهي تتّفق معها في أنّ الطرفين قد ارتضيا رفع أمر الخلاف بينهما في هذا الأمر الحرج، إلى الله - عز وجل - ليُنزل غضبه ولعنته على الكاذب منهما، والحال أنَّ كليهما لا يملك دليلاً على دعواه أو إنكاره.
وهي تبقى صورةً خاصَّةً من صور المباهلة، تتميّز بكونها قد ضُبطت ضبطاً تشريعيّاً محكماً، ولم تعد محلاً للاجتهاد، وهي صورةٌ استثنائية بمعنى أنها تأتي استثناءً من مبدأ عدم جواز إيقاع اللّعن من المسلم على أخيه، وفي ذلك تأكيدٌ على أنَّه لا ينبغي التّوسّع في المباهلة، فإنَّها لمّا شُرعَت في غرضٍ لا علاقة له بأصل الدِّين والعقيدة، قُيِّدت بهذه القيود المُحكمة.
يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 35.98 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 35.36 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (1.73%)]