عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 21-09-2019, 05:23 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 17,401
الدولة : Egypt
افتراضي رد: أثر الحق في حضانة الولد- دراسة فقهية

أثر الحق في حضانة الولد- دراسة فقهية




أ. د. بندر بن فهد السويلم[*]

المبحث الثالث


صاحب الحق في الحضانة

المطلب الأول: حق الله تعالى
ذكر ابن محرز (ت 655هـ) من المالكية قولا: إن الحضانة حق لله تعالى, ولكنه لم ينسب هذا القول لأحد من أهل العلم بعينه[36].
وهذا الرأي مرجوح, لأن حق الله تعالى على قسمين:
القسم الأول: حق خالص لله تعالى, وهو ما يتعلق به النفع العام من غير اختصاص بأحد. ومثاله: الإيمان بالله تعالى, والعبادات التي شرعها الله عز وجل, والله سبحانه وتعالى لا ينتفع بوجود هذا الحق, ولا يتضرر بفقده, لأنه سبحانه وتعالى متعال عن الكل, لا يحتاج لشيء من مخلوقاته, بل المخلوقات كلها مفتقرة إليه سبحانه, وإنما أضيف هذا الحق لله تعالى, لعظم خطره وشمول نفعه[37], ومثال ذلك: حد قاطع الطريق, لأن سببه محاربة الله ورسوله, وقد سماه الله جزاء, والجزاء المطلق بما يجب حقا لله تعالى بمقابلة الفعل[38].
ومن أهم خصائص حق الله تعالى أنه حق لا يقبل الإسقاط[39], قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت728هـ): (الحكم بين الناس يكون في الحدود والحقوق, وهما قسمان, فالقسم الأول: الحدود والحقوق التي ليست لقوم معينين, بل منفعتها لمطلق المسلمين, أو نوع منهم, وكلهم محتاج إليها, وتسمى حدود الله, وحقوق الله, مثل حد قطاع الطريق, والسراق والزناة ونحوهم)[40], ومن هنا نستطيع أن نقول: إن حق الحضانة ليس حقا خالصا لله تعالى.
القسم الثاني: حق اجتمع فيه حق الله تعالى وحق العبد, وهذا نوعان:
النوع الأول: ما يكون فيه حق الله تعالى هو الغالب, وهذا كحد القذف, فإنه زاجر يعود نفعه إلى عامة العباد, وفيه دفع العار عن المقذوف[41], ولأن الأعراض حفظها حق لله تعالى[42], ولأن حد القذف ليس فيه مماثلة فصار أشبه بسائر الحدود[43].
وقال جمهور أهل العلم: حد القذف حق للعبد, أي حق العبد هو الغالب, لأنه جناية على عرضه[44], ولأنه لا يستوفى إلا بطلبه باتفاق الفقهاء, فإن عفا عنه سقط[45].
قال العز بن عبد السلام (ت660 هـ): (بخلاف استيفاء القصاص وحد القذف, فإنهما حقان لله تعالى ولعباده, غلب عليهما حق العبد بالاستيفاء والإسقاط, شفاء لغليل المقذوف والمجني عليه إن كان حيا, ولورثته إن كان ميتا)[46].
وفي المسألة قول ثالث: وهو الفرق بين أن يصل إلى الإمام فيغلب حق الله تعالى, لوصوله لنائبه, وإن لم يصل إلى الإمام كان حقا للعبد, فيصح إسقاطه[47].
وأظهر من المثال بحد القذف, المثال بعدة المطلقة, فإن فيها حقا لله تعالى, وهو التعبد والطاعة لله تعالى, وصيانة الأنساب في المجتمع عن الاختلاط, وفيها حق للعبد وهو الزوج, وهو المحافظة على نسب أولاده باستبراء الرحم, ولكن حق الله فيها هو الغالب, لأن جانب العبادة فيها ظاهر, وكذلك حماية المجتمع من اختلاط الأنساب, أما حق العبد فهو مغلوب, ومن ثم فليس للمطلق أن يسقط حق العدة, حتى ولو تمكن العلم الحديث من معرفة خلو رحم المرأة المطلقة من الحمل بواسطة التحاليل المخبرية الطبية أو الأشعة ونحوها[48], وحق الحضانة ليس من هذا النوع.
والنوع الثاني: ما يكون فيه حق العبد هو الغالب كالقصاص, فإن لله تعالى في نفس العبد حق الاستعباد, فإن الله تعالى خلق الخلق لعبادته: قال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين﴾ [الذاريات:56-58], وللعبد حق الاستمتاع, ففي شرعية القصاص إبقاء للحقين, وإخلاء للعالم عن الفساد, إلا أن وجوبه بطريق المماثلة, والمنبئة عن معنى الجبر, وشفاء الغيظ, وما فيه من معنى المقابلة بالمحل, يجعل حق العبد راجحا[49].
والذي يظهر أنه لا يتصور قسم آخر فيه حق الله تعالى وحق العبد على التساوي في اعتبار الشرع[50], وعلى ما سبق فإنه ما من حق للعبد إلا وفيه حق لله تعالى, وهو أمره تعالى بإيصال ذلك الحق إلى مستحقه[51].
قال العز بن عبد السلام (ت 660هـ): (ما من حق للعباد يسقط بإسقاطهم أو لا يسقط بإسقاطهم إلا وفيه حق لله, وهو حق الإجابة والطاعة, سواء كان الحق مما يباح بالإجابة أو لا يباح بها. وإذا سقط حق الآدمي بالعفو فهل يعزر من عليه الحق لانتهاك الحرمة ؟ فيه اختلاف, والمختار أنه لا يسقط إغلاقا لباب الجرأة على الله عز وجل)[52], وقال الشاطبي (ت 790هـ): (كل حكم شرعي ليس بخال عن حق الله تعالى, وهو جهة التعبد, فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا, وعبادته امتثال أوامره واجتناب نواهيه بإطلاق, فإن جاء ما ظاهره أنه حق للعبد مجردا فليس كذلك بإطلاق, بل جاء على تغليب حق العبد في الأحكام الدنيوية. كما أن كل حكم شرعي ففيه حق للعباد إما عاجلا وإما آجلا, بناء على أن الشريعة إنما وضعت لمصالح العباد)[53].
ومن هنا فإن حق الحضانة لا يتساوى فيه حق الله وحق المخلوق, وإنما حق المخلوق فيه أغلب.
المطلب الثاني

حق الحاضن وحق المحضون

يأتي حق الحضانة ضمن الحقوق التي يغلب فيها حق العبد على حق الله تعالى, ولكن السؤال الآن هو هل الحق في الحضانة للحاضن أو للمحضون ؟ بمعنى أنه هل يستقل بهذا الحق المحضون, أو يستقل به الحاضن, أو هو مشترك لهما ؟.
اختلف العلماء في ذلك, ولهم ثلاثة آراء:
الرأي الأول: أنه حق مشترك بين المحضون والحاضن, وهو قول عند الحنفية[54], وقول الباجي (ت494هـ)[55], وقال ابن القيم (ت 751هـ)والصحيح أن الحضانة حق لها, وعليها إذا احتاج الطفل إليها ولم يوجد غيرها)[56]. وهذا يفيد أنه يأخذ بهذا الرأي.
الرأي الثاني: أنه حق للمحضون, وهو قول عند الحنفية[57], وبه قال ابن الماجشون (ت 213هـ)[58], وعده العز بن عبد السلام (ت 660هـ) من حقوق العباد على العباد, فقال: (ومنها: حضانة الأطفال وتربيتهم وتأديبهم وتعليمهم حسن الكلام, والصلاة والصيام إذا صلحوا لذلك, والسعي في مصالح العاجلة والآجلة, والمبالغة في حفظ أموالهم, ودفع الأذى عنهم, وجلب الأصلح فالأصلح لهم, ودرء الأفسد فالأفسد عنهم, وإذا وجب هذا الحق في حق الأصاغر والأطفال فما الظن بما يلزم القيام به من مصالح المسلمين)[59].
الرأي الثالث: أنه حق للحاضن, وهو قول عند الحنفية[60], وهو قول لبعض المالكية[61], وقال ابن القيم: (هل الحضانة حق للحاضن أو حق عليه ؟ فيه قولان في مذهب الإمامين أحمد ومالك)[62].
الأدلة والمناقشات:

يدل للرأي الثاني:

قال الله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولداهن حولين كاملين﴾[البقرة:233].
وجه الاستدلال: أن الله تعالى أخبر أن الوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين, والمراد بهذا الخبر هو الأمر والوجوب[63], فدل هذا على أن الحق في الرضاع للطفل, فتجبر عليه الأم, والحضانة كذلك.
ونوقش بأن الأمر للندب, بدليل قوله تعالى: ﴿فإن تعاسرتم فسترضع له أخرى﴾ [الطلاق:6] والأبوان إذا اختلفا فقد تعاسرا, أو أن الآية الآمرة بالرضاع حولين كاملين محمولة على حالة الاتفاق وعدم التعاسر[64].
أن الغرض من الحضانة حفظ المحضون, ومراعاته, ومصلحته دون مراعاة أمر الأم, ويدل على عدم مراعاة الأم أنه يؤخذ منها إذا تزوجت وإن لحقها الضرر بأخذه, وكذلك إذا غاب الأب غيبة استقرار[65].
أن الحضانة حق المحضون ولذا تجبر الأم عليها إذا امتنعت عنها[66].
ونوقش هذا بأن الإجبار محمول على ما إذا تعينت الحضانة على الأم وامتنعت, لعدم من يحضنه غيرها, فأما إذا لم تتعين عليها الحضانة فلا تجبر[67].
ويدل للرأي الثالث:

قوله e: "أنت أحق به ما لم تنكحي"[68], قال ابن القيم: (والمقصود أن في قوله e: "أنت أحق به" دليلا على أن الحضانة حق لها)[69].
ولأنها يلحقها ضرر بالتفرقة بينها وبين ولدها مع كونها أحن عليه وأرفق به[70].
أن الحاضن إذا أسقط الحضانة سقطت, ولا تجبر على الحضانة, ولو كانت حقا للمحضون أو لله تعالى أو لهما, ما سقطت بإسقاطه.
ونوقش بأن عدم جبر الحاضنة على الحضانة إنما يحمل على ما إذا لم تتعين لها, لأن المحضون حينئذ لا يضيع حقه, لوجود من يحضنه غيرها, بخلاف ما إذا تعينت للحضانة لعدم وجود غيرها, فتجبر على الحضانة رعاية لحق الطفل[71].
ولكونه كذلك لا أجرة للحاضن على الحضانة, إذ الإنسان لا يأخذ أجرا على فعل شيء واجب عليه, ولو كانت حقا للمحضون لكانت له الأجرة[72].
ويناقش بأن تقرير الأجرة للحاضنة محل خلاف, والذي يترجح أن للأم الحاضنة أجر الحضانة, تقديما لحق الصغير على حق الحاضنة.
الترجيح:

بعد التأمل في آراء العلماء وأدلتهم يتبين سلامة بعض أدلة القائلين بأن الحضانة حق للحاضن, وسلامة بعض أدلة القائلين بأنها حق للمحضون, ويتبين أن الرأي الأول يوفق بين الرأيين, لاستناده إلى الأخذ بمجموع أدلة الفريقين, ولهذا يترجح أن حق الحضانة حق مشترك بين الحاضن والمحضون, لكن يبقى بيان الأحق من الحقين المشتركين, حق الحاضن وحق المحضون, فنقول: إن حق المحضون مقدم على حق الحاضن, لأن مقاصد الحضانة كما بينها فقهاء الشريعة هي حفظ الصغير وإمساكه عما يؤذيه, وتربيته, ورعاية حياته ومصالحه, وهي متعلقة بمقاصد الشريعة والضرورات الخمس التي جاءت الأديان بحفظها[73], فأقوى الحقين في الحضانة للصغير, ولئن أسقطت الأم حقها فلا تقدر على إسقاط حق الصغير أبدا[74], وكذا إن حصل تقصير في الحضانة أو انشغال عن القيام بالواجب نحو المحضون، فالحق له في الانتقال إلى من يلي هذا المقصر في القيام بحق الحضانة[75].
المبحث الرابع

أحق الجنسين بالحضانة

جنس النساء أحق بالحضانة من جنس الرجال, لأن الضابط في الولايات هو تقديم أقوم الناس بجلب مصالحها ودرء مفاسدها[76], فتقدم الأمهات على الآباء في الحضانة, لمعرفتهن بها, وفرط حنوهن على الأطفال, ولأن الحضانة تفتقر إلى وفور الصبر على الأطفال في كثرة البكاء والتضجر من الهيئات العارضة للصبيان ومزيد الشفقة والرقة الباعثة على الرفق بالضعفاء والرفق بهم, والنسوة أتم من الرجال في ذلك كله, وأصبر على أخلاق الصغر, وأشد شفقة ورأفة, قال النووي: (وهي نوع من ولاية وسلطنة, لكنها بالإناث أليق, لأنهن أشفق, وأهدى إلى التربية, وأصبر على القيام بها, وأشد ملازمة للأطفال)[77].
ولا يعني تقديم جنس النساء في الحضانة تقديم جهة الأم, وقد أوضح ابن تيمية رحمه الله هذا الأمر فقال: (وإن الذين اعتقدوا أن الأم قدمت لتقدم قرابة الأم لما كان أصلهم ضعيفا كانت الفروع اللازمة للأصل ضعيفة, وفساد اللازم يستلزم فساد الملزوم, بل الصواب بلا ريب أنها قدمت لكونها امرأة)[78], ويقدم الآباء على الأمهات في النظر في مصالح أموال المجانين والأطفال, وفي التأديب, وارتياد الحرف والصناعات, لأنهم أقوى رأيا, وأقوم بذلك وأعرف من الأمهات[79].
المبحث الخامس

أحق الأبوين بالحضانة

إذا افترق الأبوان وبينهما ولد فالأم أحق به من الأب ما لم يقم بالأم ما يمنع تقديمها, أو بالولد وصف يقتضي تخييره, وهذا مالا يعرف فيه نزاع[80], قال ابن المنذر(ت 318هـ): (وأجمعوا أن الزوجين إذا افترقا ولهما ولد "طفل" أن الأم أحق به ما لم تنكح)[81], وقال ابن حزم (ت456هـ): (الأم أحق بحضانة الولد الصغير والابنة الصغيرة حتى يبلغ المحيض أو الاحتلام أو الإنبات مع التمييز وصحة الجسم)[82].
وليس للشارع نص عام في تقديم أحد الأبوين مطلقا, ولا تخيير أحد الأبوين مطلقا, والعلماء متفقون على أنه لا يتعين أحدهما مطلقا, بل مع العدوان والتفريط لا يقدم من يكون كذلك على البر العادل المحسن القائم بالواجب[83], أما حديث: "أنت أحق به ما لم تنكحي", فهو ليس على إطلاقه, بدليل أنها إذا لم تكن رشيدة فلا حق لها ولو لم تنكح, قال ابن القيم: (وقضاؤه e بالولد لأمه, وقوله: "أنت أحق به ما لم تنكحي" لا يستفاد منه عموم القضاء لكل أم حتى يقضى به للأم وإن كانت كافرة, أو رقيقة, أو فاسقة, أو مسافرة, فلا يصح الاحتجاج به على ذلك, ولا نفيه, فإذا دل دليل منفصل على اعتبار الإسلام والحرية والديانة والإقامة, لم يكن ذلك تخصيصا ولا مخالفا لظاهر الحديث)[84].
وذكر الباجي أن كل واحد من الأبوين أحق مما إليه منافع الصبي والقيام بأمره, فإذا كان الابن في حضانة أمه, لم يمنع من الاختلاف إلى أبيه يعلمه, لأنه محتاج إلى أن يؤدبه, ويسلمه إلى من يعلمه القرآن والكتابة والصنائع والتصرف, وتلك معان إنما تستفاد من الأب, فكان الأب أولى في الأوقات التي يحتاج فيها إلى ذلك, ولا يمنع تولي الأب تعليم وتأديب ابنه الصغير الحضانة للأم, لذا فإنه يأوي إليها بعد وقت التعليم, لأن الحضانة تختص بالمبيت, ومباشرة عمل الطعام, وغسل الثياب, وتهيئة المضجع والملبس, والعون على ذلك كله والمطالعة لمن يباشره وتنظيف الجسم وغير ذلك من المعاني التي تختص مباشرتها بالنساء, ولا يستغني الصغير عن من يتولى ذلك له[85], وقال ابن القيم: (والولاية على الطفل نوعان: نوع يقدم فيه الأب على الأم ومن في جهتها, وهي ولاية المال والنكاح, ونوع تقدم فيه الأم على الأب, وهي ولاية الحضانة والرضاع, وقُدّمَ كل من الأبوين فيما جعل له من ذلك لتمام مصلحة الولد, وتوقف مصلحته على من يلي ذلك من أبويه, وتحصل به كفايته)[86].

المبحث السادس

حق المحضون إذا تزوجت أمه الحاضنة

اختلف أهل العلم على فيما إذا تزوجت الأم وفي حضنها ولدها, هل تسقط حضانتها أو لا ؟, ولهم في ذلك رأيان:
الرأي الأول: أن حق الحضانة للأم لا يسقط بزواجها, وإليه ذهب ابن حزم, وحكي ذلك عن الحسن البصري (ت110هـ)[87].
الرأي الثاني: أن الأم إذا تزوجت سقطت حضانتها, وبه قال جمهور أهل العلم, قال ابن المنذر: (وأجمعوا على أن لا حق للأم في الولد إذا تزوجت)[88].
الأدلة والمناقشات:

يدل للرأي الأول:

عن أبي هريرة t قال: جاء رجل إلى رسول الله e, فقال: يا رسول الله, من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ قال: "أمك" قال: ثم من ؟ قال: "ثم أمك" قال: ثم من ؟ قال: "ثم أمك" قال: ثم من ؟ قال: "ثم أبوك" متفق عليه, واللفظ لمسلم[89].
وجه الاستدلال: أن هذا نص جلي على إيجاب الحضانة, لأنها صحبة[90], أي فيجب أن تكون الحضانة للأم وقد تأكد ذلك ثلاث مرات, ولم يستثن من ذلك زواج الأم.
ما رواه أنس t قال: قدم رسول الله e المدينة ليس له خادم, فأخذ أبو طلحة[91] بيدي فانطلق بي إلى رسول الله e, فقال: يا رسول الله, إن أنسا غلام كيس فليخدمك, قال: فخدمته في السفر والحضر[92].
وجه الاستدلال: أن أنسا كان في حضانة أمه, ولها زوج وهو أبو طلحة, بعلم رسول الله e, ولو كان زواجها مسقطا لحضانتها لولدها لبينه رسول الله e ولم يسكت عنه[93].
عن البراء بن عازب أن ابنة حمزة اختصم فيها علي وزيد وجعفر, فقال علي: أنا أحق بها وهي ابنة عمي, وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي, وقال زيد: ابنة أخي, فقضى بها النبي e لخالتها, وقال: "الخالة بمنزلة الأم"[94].
وجه الاستدلال: أن النبي e حكم للخالة في الحضانة حكما خاصا, لأن الخالة تقرب من الأم في الحنو والشفقة والاهتداء إلى ما يصلح الولد, لما دل عليه السياق, وفي الحديث جعل النبي e حضانة ابنة حمزة للخالة وهي مزوجة, فدل على أن حق الأم في الحضانة لا يسقط بالتزويج من باب أولى.
ونوقش هذا الاستدلال: بأن النبي e إنما جعل حضانة ابنة حمزة لخالتها, لأن زوجها من أهل الحضانة, ولأنه لا يساويه في الاستحقاق إلا علي, وقد ترجح جعفر بأن امرأته من أهل الحضانة فكان أولى[95].
ويجاب عن هذه المناقشة بأنها تعليل بعيد, والحضانة فيه للخالة لأنها أم, لا لأن زوجها من أهل الحضانة, والله أعلم.
ولأنه لم يأت نص صحيح قط بأن الأم إذا تزوجت يسقط حقها في الحضانة[96].
ويدل لرأي الجمهور:

قوله e: "أنت أحق به ما لم تنكحي"[97].
ويناقش الحديث بما تقدم في بيان تخريجه وبيان درجة صحته.
ولأن الأم إذا تزوجت انشغلت عن ولدها أو هي في مظنة الانشغال والتقصير عنه, فتفوت مصلحة الحضانة.
ويناقش هذا بأنه تعليل في مقابل الأحاديث الدالة على عدم سقوط حق الأم إذا تزوجت, فلا يعول عليه.
الترجيح:

بعد التأمل في آراء العلماء وأدلتهم وما ورد من اعتراضات وإجابات فإن الراجح هو القول الأول, وهو أن حضانة الأم لا تسقط بالزواج, لقوة أدلة هذا الرأي وضعف استدلال الجمهور لما ورد عليها من مناقشات.
ثم اختلف القائلون بسقوط حضانة الأم بالتزويج وهم جمهور أهل العلم، هل تسقط حضانة الأم بمجرد التزويج والعقد, أو لا بد من دخول الزوج بها ؟ على رأيين:
الرأي الأول: أن حضانة الأم لا تسقط إلا بالدخول. وهو رأي المالكية[98].
الرأي الثاني: أنها تسقط بالتزويج, وإن عري عن الدخول. وهو رأي الحنفية[99], والشافعية[100] والحنابلة[101].
الأدلة والمناقشات:

يدل للرأي الأول:

أن الصبي يلحقه الضرر بتكره الزوج له وتضجره به بعد الدخول, أما قبله فلا.
أن الأم بعد دخول الزوج بها, تدعوها الضرورة إلى التقصير في تعاهد المحضون طلبا لمرضاة الزوج واشتغالا به, وذلك مضر بالصبي[102].
ويناقش: بأن العقد عليها يجعلها في مظنة الاشتغال عن الولد والتهيؤ للدخول, وأخذها حينئذ في أسبابه[103].
ويمكن أن يجاب بأن النساء ليسوا كذلك على الإطلاق, بل ربما يكون العقد عليها سببا في زيادة الحنان والشفقة بالولد, تحسبا لحال الصغير عند انشغالها بالدخول وما بعده.
ويدل للرأي الثاني:

قوله e: "أنت أحق به ما لم تنكحي".
وجه الاستدلال: أن النكاح الذي يسقط به الحق يوجد بالعقد, قد وجد النكاح قبل الدخول.
ونوقش: بأن الحديث فيه إضمار, تقديره: ما لم تنكحي ويدخل بك الزوج ويحكم الحاكم بسقوط الحضانة.
وأجيب: بأن هذا تعسف بعيد لا يشعر به اللفظ, ولا يدل عليه بوجه, ولا هو من دلالة الاقتضاء التي تتوقف صحة المعنى عليها[104], وأما حكم الحاكم بسقوط الحضانة فذاك إنما يحتاج إليه عند التنازع والخصومة بين المتنازعين, فيكون منفذا لحكم رسول الله e, لا أن رسول الله e أوقف سقوط الحضانة على حكمه, بل قد حكم هو بسقوطها, حكم به الحكام بعده, أو لم يحكموا[105].
ورد الجواب: بأن الدخول داخل في قوله في الحديث: "تنكحي" وهو كما في قوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره﴾[106][البقرة: 230] والنكاح هنا هو الوطء[107].
أن الزوج يملك بالعقد منافع الزوجة, ويستحق زوجها منعها من حضانته فزال حقها, كما لو دخل بها[108].
ويناقش هذا بأن قياس ما قبل الدخول على ما بعد الدخول قياس مع الفارق, لأن الأحكام الفقهية المتعلقة بما قبل الدخول مخالفة لما بعد الدخول, مثل: وجوب المهر بالطلاق بعد الدخول, ونصفه إذا طلقها قبل الدخول.
الترجيح:

يظهر بعد النظر والتأمل أن الرأي الأول وهو أن الحضانة لا تسقط بمجرد العقد وإنما يلزم الدخول هو الراجح, لقوة التعليل له, وضعف ما استدل به الجمهور, لما ورد على أدلتهم من مناقشات.
المبحث السابع
حق الحضانة للأم إذا تزوجت ثم طلقت
المطلب الأول: حق الحضانة للأم المطلقة طلاقا بائنا
وصورة المسألة: أن تتزوج الأم فينتقل حق الولد في الحضانة لمن يليها, ثم يطلقها الزوج فتبين منه, فهل يعود لها حق حضانة ولدها, أم لا ؟, للعلماء رأيان:
الرأي الأول: أن حق الحضانة يعود للحاضن إذا سقط الحق عنها ثم زال المسقط, وبه قالت الحنفية[109]، وهو قول عند المالكية[110], وبه قالت الشافعية[111] والحنابلة[112].
الرأي الثاني: أن حق الحضانة لا يعود للحاضن الذي انتقل عنه الحق, وهو المشهور عند المالكية[113].
الأدلة والمناقشات:

يدل للرأي الأول:

عن أبي عبد الرحمن الحبلي قال: كنا في البحر وعلينا عبد الله بن قيس الفزاري ومعنا أبو أيوب الأنصاري فمر بصاحب المقاسم وقد أقام السبي, فإذا امرأة تبكي, فقال: ما شأن هذه ؟ قالوا: فرقوا بينها وبين ولدها, فأخذ بيد ولدها حتى وضعه في يدها, فانطلق صاحب المقاسم إلى عبد الله بن قيس فأخبره, فأرسل إلى أبي أيوب, فقال: ما حملك على ما صنعت ؟, قال: سمعت رسول الله e يقول: "من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين الأحبة يوم القيامة"[114].
وجه الاستدلال: يدل الحديث على النهي الشديد عن تفريق الوالدة عن ولدها, وإن كان الحديث في الأمة والمسبية, فإن الحرة أولى وأخص[115], قال السرخسي (ت483هـ): (لا ينبغي أن يفرق ين الولد الصغير وبين أمه)[116].
أن الحق في الحضانة قد منع منه مانع, فإذا زال المانع فيزول المنع, ويعود الحق للأحق, وهو الأم إذا طلقت, وتكون أولى ممن هو أبعد منها كما كانت[117].
أن سبب الحضانة وسبيلها قائم, وإنما امتنعت لمانع, فإذا زال المانع عاد الحق بالسبب السابق الملازم[118].
أن سبب انتقال الحضانة عن الأم دخول الزوج بها وما يحذر من استضرار الولد وتبرمه به, وشغل الأم عنه, وإذا زال الزواج فقد أمن هذا فعادت الحضانة[119].
إن تزويجها رضا منها بإسلام الولد إلى الذي يحضنه في حال تزويجها, وليس رضا منها بإسقاط حقها فيه جملة[120].
أن الحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها, وعلة سقوط الحضانة التزويج, فإن طلقت زالت العلة, فزال حكمها[121].
أن حق الحضانة الذي ثبت للأم بعد الطلاق حق جديد لقيام سببه, وليس هو الحق الذي سقط, وهذا بخلاف سقوط الشفعة لأنه حق واحد[122].
يدل للرأي الثاني:

قوله e: "أنت أحق به ما لم تنكحي".
وجه الاستدلال: أن قوله e: "أنت أحق به ما لم تنكحي" للتوقيت, أي: حقك من الحضانة مؤقت إلى حين نكاحك, فإذا نكحت انقضى وقت الحضانة, فلا تعود بعد انقضاء وقتها, كما لو انقضى وقتها ببلوغ الطفل واستغنائه عنها [123].
ويناقش هذا الاستدلال: بأن المقرر في أصول الفقه أن الحكم يدور مع علته, والحديث بيان للعلة وليس توقيتا, ثم إن الحديث لم يفرق بين ما إذا طلقت أو لم تطلق, ولم ينه أيضا عن عود الحق للأم إذا طلقت, فلزم أن ننظر في الأصل, وهو أن الحق للأم.
أن الحضانة مبنية على أن أسبابها إذا زالت زال حكمها لزوال سببها, ولم يعد, كما لو تركته ابتداء ثم طلبته[124].
ويناقش بأن القياس مع الفارق, فإن الأم لو تركت حق الحضانة ثم طلبته لكان لها, لأن الحق يتجدد بتجدد الزمان قياسا على النفقة[125].

الترجيح:

إن المتأمل في آراء الفقهاء وأدلتهم يظهر له أن الحضانة تعود للمطلقة البائن, وأنها أحق بها إذا طلقت, لما ذكرنا من الاعتراضات على حجة المانعين, ولقوة أدلة هذا القول, والله أعلم.
المطلب الثاني
حق الحضانة للأم المطلقة طلاقا رجعيا
إذا طلقت الأم فهل تعود الحضانة لها بمجرد الطلاق الرجعي, أو يتوقف على انقضاء العدة ؟ خلاف بين العلماء:
الرأي الأول: أن الحضانة تعود بمجرد الطلاق الرجعي, وهو رأي الشافعية, والحنابلة[126].
الرأي الثاني: أن الحضانة لا تعود بالطلاق الرجعي حتى تنتهي العدة, وهو رأي الحنفية[127]. وهو قول في مذهب أحمد والشافعي[128].
الأدلة والمناقشات:

يدل للرأي الأول:

أن الرجعية مطلقة, فعاد حقها من الحضانة, كالبائن في عدتها[129].
ويدل للرأي الثاني:

أن المطلقة الرجعية زوجة, والزوجية قائمة, فأشبه ما لو كانت في صلب النكاح, فلا بد من انقضاء العدة[130].
ونوقش: بأن المطلق قد عزل الزوجة عن فراشه, ولم يبق لها عليه قسم[131], ولا لها به شغل, وعقد سبب زوال نكاحها, والعلة التي سقطت الحضانة لأجلها قد زالت بالطلاق[132], ولو قيل بأن الزوج قد يراجعها في أثناء عدتها, فلا بد من انتهاء العدة, لأمكن الجواب عنه بأن هذا احتمال, وحق المحضون مقدم على هذا الاحتمال.
الترجيح:

بعد التأمل في الرأيين والقياسات التي تستند إليها يتبين أن قياس الرجعية هنا على البائن أقرب من القياس على بقائها في صلب النكاح, لما ورد من مناقشة على هذا الأخير, مع سلامة القياس على البائن من المناقشة والاعتراض, فيترجح الرأي الأول وهو أن الحضانة تعود للمطلقة الرجعية وهي في عدتها, والله أعلم.
المبحث الثامن

حق المحضون في الزيارة

المطلب الأول: زيارة المحضون لوالديه في حال الصحة
زيارة المحضون لأمه إذا كان عند أبيه, وزيارته لأبيه إذا كان عند أمه صلة حث الإسلام عليها, وحذر من قطيعتها, فينبغي تربية الولد على زيارة أمه وأبيه, لأنها تربية على البر بالوالدين, وعدم القطيعة والعقوق في حقهما, حتى إذا بلغ قام بما وجب عليه لحقهما, قال الله تعالى: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا﴾ [النساء:36], وقال سبحانه وتعالى: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا﴾ [الإسراء:23], وقال عز وجل: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسنا﴾ [العنكبوت: 8], وعن أبي بكرة t قال: قال رسول الله e: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر" ؟ ثلاثا. قلنا: بلى يا رسول الله. قال: "الإشراك بالله, وعقوق الوالدين" وكان متكئا فجلس فقال: "ألا وقولُ الزور وشهادة الزور"[133].
ولما كان الولد -إذا افترق والداه- وهو في حضانة أحدهما, محتاجا إلى صلة الآخر وزيارته وعدم الانقطاع عنه, بين أهل العلم حق المحضون في الزيارة.
- فيرى الحنفية أن الولد متى كان عند أحد الأبوين فلا يمنع الآخر من رؤيته إليه, وتعهده إن أراد ذلك, ولا يجبر أحدهما على إرساله إلى مكان الآخر, بل يخرجه إلى مكان يمكن للآخر أن يراه فيه كل يوم[134].
- وذكر المالكية أن القاضي يقضي للزوجة على زوجها إذا كان لها أولاد صغار من غيره بالدخول إليها كل يوم مرة لتتفقد حالهم, وللكبار من أولادها كل جمعة مرة, كالوالدين يقضي لهما في الجمعة مرة[135].
- ويذهب الشافعية والحنابلة إلى أن المحضون إذا كان بنتا فتكون عند حاضنها أبا أو أما ليلا ونهارا, لأن تعليمها وتأديبها يكون في البيت كما يكون حفظها وإطعامها, والأم تزور ابنتها, لأن بقاء البنت أحفظ لها, والأم قد تخرجت وعقلت, فهي تدرك مصلحتها وتحذر الشر وتتقيه, ولا يمنع أحد الأبوين من زيارتها عند الآخر, لأن المنع من ذلك يفضي إلى قطيعة الرحم, وإذا كان المحضون ذكرا عند أبيه ليلا ونهارا فإنه يزور أمه, ويصلها ولا يقطعها, ولا يكلف الأم الخروج لزيارته, رعاية لسترها وحمايتها[136], ويزور أمه في كل يومين أو ثلاثة, وإن كان منزلها قريبا فلا بأس أن يزورها في كل يوم, ليألف برها, وليس للأب أن يمنعه منها فيألف العقوق[137].
وهكذا إذا كان المحضون ذكرا عند أمه, فإنه يزور أباه ويصله ولا يقطعه, والاجتهاد في المسألة عند الفقهاء ظاهر, لعدم النص في المسألة, واختلاف التقدير تبعا لاختلاف تقدير مصلحة حفظ المحضون وتربيته, أي تبعا لتقدير حق المحضون, وكذلك تقدير حق الوالدين في رؤية أولادهم ومتابعة أحوالهم وتفقد أمورهم.
ولا يجوز لأحد الأبوين التعسف في استعمال الحق, فليس لأحد الأبوين منع الآخر من زيارة المحضون, وليس له أن يطلب ما يضر بالولد, وليس للأم أن تطلب ما يضر بالأب, وكذلك الأب ليس له أن يطلب ما يضر بالأم, فـ(ليس للأب أن يقول ابعثيه يأكل عندي ثم عود, لأن في ذلك ضررا على الولد وإخلالا بصيانته, وفيه ضرر أيضا على الحاضنة, وليس لها موافقة الأب على ذلك لضرر الولد, فإن أكل الولد غير منضبط في وقت)[138].
وفي العصر الحاضر وفرت التقنيات الحديثة وسائل التواصل المسموعة والمرئية, وعلى الرغم من فائدتها في هذا المجال, إلا أني أرى أنها لا تغني عن الزيارة الفعلية والرؤية المباشرة, ولا تقوم مقامها, وحاجة الصغير إلى ملاقاة أبويه مباشرة, وما يكتنفها من حرارة اللقاء وإفاضة مشاعر المودة ومحبة الولد وإشباع عواطفه وتأمين وجدانه والأنس لهو الفرح المتبادل, لا يمكن أن تحل محلها تلك التقنيات, لما تفتقده الرؤية عبر وسائل التواصل من دفء المشاعر وحصول الأنس والاطمئنان المتكامل.
يتبع


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 38.66 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 38.03 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (1.61%)]