عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 05-09-2019, 01:35 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 17,358
الدولة : Egypt
افتراضي منطق العربية في ظلال السيرة النبوية

منطق العربية في ظلال السيرة النبوية
د. معمر العاني





العربية على مثال مُبدعها، يتصرف فيها بسعة وانتظام، يستحضر ظواهرَها في كلامه كالترادف والاشتراك، ويُعرج على لغات القبائل أخذًا بالحُسبان صحة الأخذ عنها وعليها القياس، وإن كان بعضها أكثر شيوعًا وأوسع في الخطاب.



ولي من بعد هذا المستهل أن أُدوِّنَ ملحظين بإمعان:

إن العربية قد قدمت مزيدَ دوالٍّ، وكان على المشتغلين بها - أفرادًا وجماعات - أن يجدوا سعة المدلولات.



إن العربية لا تحتكم إلى منطق العقل على الدوام، ولو احتكمت إلى العقل، لَما وجدنا تعددًا في أنماط الخطاب، فيخرج اللفظ الواحد إلى معان عدة، وقد تصل إلى التضاد، ونبصر ألفاظًا عدة تدور في فلك المعنى الواحد بتقدير العلماء.



وتأسيسًا على الفائت من الملحظين، أَصِلُ إلى أن ظواهر العربية المتواترة لها أثرها في الحياة بالانتفاع والضرار على أحداث الحياة، ولنا في سيرة المصطفى العدنان عليه الصلاة والسلام خير مثال:

ففي صعيد الانتفاع نرى منطق العربية مُخلصًا من المآزق حين تتمثل ضروب الكلام، وقد رُوِيَ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لَقِيَ طليعة للمشركين وهو في سفرٍ مع أصحابه، فقال المشركون: ممن أنتم؟ فأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم: ((نحن من ماء))، فنظر بعضهم إلى بعض! فقالوا: أحياء اليمن كثيرة لعلهم منهم، وانصرفوا، وبمعاينة قوله تعالى: ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ﴾ [الطارق: 5، 6]، نجد ترابُطَ المقصد من الهدي النبوي متخذًا سَعة البيان لتدارُك سوء العاقبة في هذا المقام.



وفي واقعة تعبيرية أخرى أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وهو مُردِفٌ أبا بكر، وأبو بكر شيخ يُعرَفُ، ونبي الله شابٌّ لا يُعرَفُ، قال: فيلقى الرجل أبا بكر، فيقول: يا أبا بكر، من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل، قال: فيحسب الحاسب أنه إنما يعني الطريق، وإنما يعني سبيل الخير".



ويُطالعنا الماوردي باستبيان: فورَّى عن الإخبار بنَسَبِه بأمر محتمل، وكما في إجابة أبي بكر رضي الله عنه عندما سُئل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "هادٍ يهديني السبيل"، فظنوا أنه يعني: هدايةَ الطرق، وهو إنما يريد هداية سبيل الخير".



وأما صعيد الضِّرار ففي الحديث: أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسير يرعد، فقال لقوم: ((اذهبوا به فأدفوه)، فذهبوا به فقتلوه، فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أراد الإدفاء من الدفء، وأن يُدفأ بثوب، فحسبوه بمعنى القتل في لغة أهل اليمن، وأراد أدفئوه، بالهمز مخففة حذف الهمزة، وتنظيره في القياس أنه تخفيف شاذ؛ كقولهم: لا هناك المرتعُ، وتخفيفه للقياسي أن تجعل الهمزة بين بين، لا أن تحذف، فارتكب الشذوذ؛ لأن الهمز ليس من لغة قريش.




ذلكم من أنباء القيم التعبيرية للعربية، بسَطت مداها في السيرة النبوية وكانت انعكاسًا لمقاصد الخطاب بتعدُّدية مموهة في أحايين بظلال المعاني المستخلصة برَويَّة، جامعةً بين الحسية والمعنوية، ممتدةً إلى حياة الناس بواقعية، ولقد قال رينان (rinan): من أغرب ما وقع في تأريخ البشر، وصعُب حلُّ سرِّه: انتشاره اللغة العربية، على أننا لا نُعدَمُ المشكلَ المتمثل بالتلقي والفَهم في الآفاق القصيَّة.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 16.53 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 15.90 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (3.76%)]