عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 30-09-2020, 05:18 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 47,871
الدولة : Egypt
افتراضي رد: محمد بن القاسم الأنباري في كتابه الأضداد




2- أنواع الأضداد في الكتاب:


أورد ابن الأنباري عدداً من أنواع الأضداد لا نكاد نجدها مرتبة ترتيباً معيناً، وإنما كانت موزعة على الكتاب كله، وسأورد ما تتبعته في النقاط التالية:


1- الأضداد في الأسماء:


قال قطرب: "الحرفة من الأضداد، يقال: قد أحرف الرجل إحرافاً، إذا نما ماله وكثر، والاسم الحرفة من هذا المعنى. قال: والحرفة عند الناس: الفقر، وقلة الكسب، وليست من كلام العرب إنما تقولها العامة"[69].


2- الأضداد في الأفعال:


"وأسررت من الأضداد أيضاً، يكون أسررت بمعنى: كتمت وهو الغالب على الحرف، ويكون بمعنى أظهرت، قال الله عز وجل: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} [الأنبياء: 3] فمعنى أسروا هنا: كتموا، وقال تبارك وتعالى في غير هذا الموضوع: {وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ} [يونس: 54]، فقال الفراء والمفسرون: معناه: وأظهروا الندامة عند معاينة العذاب، واحتجا بقول الفرزدق:



ولما رأى الحجاج جرّد سيفه أسرّ الحروري الذي كان أضمرا[70]




معناه: أظهر الحروري"[71].


3- الأضداد في الحروف:


"و(أو) حرف من الأضداد، تكون بمعنى الشك في قولهم: يقوم هذا أو هذا، أي: يقوم أحدهما، وتكون معطوفة في الشيء المعلوم الذي لا شك فيه كقول جرير:



نال الخلافة أو كانت له قدرا كما أتى ربَّه موسى على قدر[72]




أراد: وكانت، وقال توبة بن الحُمير:



وقد زعمت ليلى بأني فاجر لنفسي تقاها أو عليها فجورها




أراد: وعليها،..... وتكون: أو بمعنى التخيير كقولك للرجل، جالس الفقهاء أو النحويين، فمعناه: إن جالست الفريقين فأنت مصيب أيضاً، وتكون أو بمعنى بل كقوله عز وجلّ: {إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} [الصافات: 147]، فمعناه: بل يزيدون...." [73].


4- الأضداد في المصادر:


"ومن الأضداد التفطر، التفطر: أن لا يخرج من لبن الناقة شيء، والتفطر: الحلب، والتفطر: الانشقاق، قال الله عز وجل: {تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ} [مريم: 90]" [74].


5- الأضداد في المشتقات:


"والسارب أيضاً من الأضداد، يكون السارب: المتواري من قولهم: قد انسرب الرجل، إذا غاب وتوارى عنك، فكأنه دخل سرباً، والسارب: الظاهر، قال الله عز وجل: {وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ} [الرعد: 10]، ففي المستخفي قولان: يقال هو المتواري في بيته، ويقال هو الظاهر، وفي تفسير السارب قولان أيضاً؛ يقال: هو المتواري، ويقال: هو الظاهر البارز، قال قيس بن الخطيم:



أنَّى سربتِ وكنتِ غيرَ سروبِ وتُقرِّبُ الأحلامُ غيرَ قريبِ




ويروي: أنى اهتديت، أراد: أي ظهرت وكنت غير ظاهرة، وقد يفسر على المعنى الآخر، ومن قال: السارب: الظاهر، قال: سرب الرجل يسرب سرباً: إذا ظهر"[75].


6- الأضداد في الضمائر:


لم يرد في أضداد ابن الأنباري إلا الضمير (نحن)، قال: "ومما يشبه حروف الأضداد (نحن)، يقع على الواحد، والاثنين، والجميع، والمؤنث؛ فيقول الواحد: نحن فعلنا، وكذلك يقول الاثنان والجميع والمؤنث، والأصل في هذا أن يقول الرئيس الذي له أتباع يغضبون بغضبه ويرضون برضاه، ويقتدون بأفعاله: أمرنا ونهينا وغضبنا ورضينا؛ لعلمه بأنه إذا فعل شيئاً فعله تُبّاعه، ولهذه العلة قال الله جل ذكره: أرسلنا، وخلقنا، ورزقنا، ثم كثر استعمال العرب لهذا الجمع حتى صار الواحد من عامة الناس يقول وحده: قمنا، وقعدنا، والأصل ذلك..." [76].


7- الأضداد في الظروف:


أورد ابن الأنباري ثلاثة من الظروف هي دون، فوق، وراء. قال ابن الأنباري: "وراء من الأضداد، ويقال للرجل: وراءك، أي خلفك، ووراءك أي: أمام؛ قال الله –عز وجل–: {مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ} [الجاثية: 10] فمعناه من أمامهم، وقال تعالى: {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} [الكهف: 79] فمعناه: وكان أمامهم، وقال الشاعر:



ليس على طول الحياة ندمْ ومن وراء المرء ما يُعلمْ




أي: من أمامه، وقال الآخر:



أترجو بنو مروان سمعي وطاعتي وقومي تميم والفلاة ورائيا




أي قدامي..."[77].


8- الأضداد في الأصوات:


"ومن الأضداد أيضاً قولهم: طرطبت بضأنك طرطبةً، وهي بالشفتين إذا دعوتها إليك، وطرطبت بها طرطبة: إذا زجرتها عنك"[78].


9- الأضداد في الأعلام:


"ومنها أيضاً يعقوب، يكون عربياً لأن العرب تسمي ذكر الحجل يعقوباً، ويجمعونه يعاقيب، قال سلامة بن جندل:



أودى الشباب حميداً ذو التعاجيب أودى وذلك شاو غير مطلوب
ولى حثيثاً وهذا الشيب يطلبه لو كان يدركه ركض اليعاقيب"[79]




10- الأضداد في الألوان:

"ومما يشبه حروف الأَضداد (الأحمر)، يقال: أحمر للأحمر، ويقال: رجل أحمر، إذا كان أبيض، قال أبو عمرو بن العلاء (154هـ): أكثر ما تقول العرب في الناس: أسود وأحمر، قال: وهو أكثر من قولهم: أسود وأبيض، وأنشد ابن السكيت لأوس بن حجر:



وأحمر جعدا عليه النسور وفي ضبنه ثعلب منكسر
وفي صدره مثل جيب القنا ة تشهق حيناً وحيناً تهر




قوله: في ضبنه معناه: وفي إبطه، والثعلب: ما دخل من طرف الرمح في جُبَّة السنان، وقوله: تشهق حيناً: شهيق الطعنة: أن تدخل الريح فيها فتصوت، وتهرُّ معناه: تُقبقب".


11- الأضداد في التراكيب:


"وقال قطرب: من الأضداد قولهم: قد ثللت عرشه، إذا هدمته وأفسدته، وأثللت عرشه، إذا أصلحته، قال أبو بكر: ليس عندي كما قال قطرب، إذ كان ثللت يخالف لفظ أثللت فلا يجوز أن يُعد في الأضداد حرف لا يقع إلا على معنى واحد، والمعروف عند أهل اللغة ثللتُ عرشه: أهلكته، يقال: قد ثُل عرش فلان، وثلَّ عرشه، وأثلَّ الله عرشه، إذا أهلكته، والثلل: هو الهلاك، قال زهير:



تداركتما الأحلاف إذ ثُلَّ عرشها وذبيان إذ زلت بأقدامها النَّعل"




3- منهجية ابن الأنباري في الأضداد:

يعدُّ كتاب ابن الأنباري مرحلة متقدمة من مراحل التأليف اللغوي في هذا الباب، إذ تأثر بمحاولات من سبقه كالأصمعي وابن السكيت وزاد عليها أضداداً عدة، بحسب معرفته ومبلغ علمه، كما زاد عليها من الحجج والشواهد الكثير، مما جعله موسوعة ضخمة في هذا المجال.


وعندما تتبعت مواد الكتاب وجدت فيها الكثير من الملحوظات على منهجيته اشتملت على طريقة ترتيبه للمواد وشروحه واستطراداته، ولا يمكن أن نحصر هذه الملحوظات في مبحث صغير كهذا، إلا أنني سأورد ذلك بإيجاز أرجو أن يكون غير مخل، وذلك في النقاط الآتية:



أ- منهجيته في ترتيب الألفاظ:


لم يلتزم ابن الأنباري بترتيب معين في كتابه كما جرت العادة في ترتيب المعاجم العربية، فسار على منهج سابقيه من مؤلفي الأضداد، فقد بدأ على غير ضابط معين في ترتيب مواده، فالمادة الأولى هي: كلمة ظن، قال ابن الأنباري: "فأول ذلك الظن، يقع على معانٍ أربعة: معنيان متضادان: أحدهما: الشك، والآخر: اليقين الذي لا شك فيه..."[80].


وقد طال الحديث عنها في صفحات عدة، في حين نجد أن الحروف التي تسبق الظاء قد جعلها في نهاية كتابه. ولم يلتزم ابن الأنباري بترتيب الأسماء متتالية، أو الحروف متتالية، أو الأفعال، وإنما كان يقدم ويؤخر كيفما شاء، إلا أننا نجد بين الحين والآخر ترتيباً في الأفعال أو الحروف التي يوردها، فقد بدأ في المادة الثانية بأفعال الشك واليقين أو الناصبة لمفعولين، "قال بعض أهل اللغة: رجوت حرف من الأضداد يكون بمعنى الشك والطمع، ويكون بمعنى اليقين"[81].



ونراه يورد أضداد الألوان مرتبة في وسط كتابه، قال: "ومنها أيضاً: الأخضر، يقال: أخضر للأخضر، وأخضر للأسود..." [82].



ويورد ابن الأنباري أضداد الأعلام مرتبة في نهاية كتابه، قال: "ومنها أيضاً إسحاق، يكون أعجمياً مجهول الاشتقاق... ويكون عربياً من أسحقه الله إسحاقاً.." [83].



ومن منهجيته في الترتيب ما يأتي:


- يأتي بالألفاظ المتقاربة المعنى كما في شرى وباع[84].

- يأتي بأن المصدرية والفعل المضارع في ثلاثة مواضع متتالية[85].

- يأتي بالتراكيب اللفظية متتالية[86].

- يأتي بوصف للمؤنث ويتبعه بوصف للمذكر[87].


ب- منهجيته في الشروح:


إن المتتبع لمنهجية الكتاب يجد أن ابن الأنباري كان أكثر موضوعية في كتابه ممن سبقه، فقد ناقش كثيراً من الأضداد التي ذكرها راداً بعضها، وشاكاً في البعض الآخر، وناصاً على عدم ضدية القسم الثالث، ومضى في كتابه شارحاً للألفاظ بصورة واضحة وجلية، ووصف دقيق وبحث شامل لهذا الموضوع.


قال آل ياسين: "لم يكتف ابن الأنباري بجمع المادة اللغوية فحسب، بل راح يمتحنها، محللاً إياها، مناقشاً لها، ولذا وصل إلى نتائج دقيقة أعطت كتابه أهمية كبيرة"[88].



وسأوجز منهجيته في النقاط الآتية:


- يتبنى في شرحه التأويل والتقدير من أجل الوصول إلى نتائج دقيقة في ضدية عدد من الألفاظ، قال: "وكذلك أحلف أن تذهب؛ قال الفراء: من أجاز مع هذه الأفاعيل الوجهين جميعًا، لم يُجِز مع الظن والعلم وما أشبههما إلا وجهاً واحداً؛ فمن قال: ظننت أن تذهب معنا لم يحمله على معنى الجهد، لأنه لا دليل عليه هاهنا وصلح تقدير الجهد مع الأفاعيل الأول؛ لأنها جواب. وفيها معنى تحريج، والتحريج يدل على معنى الجحد المنوي، فمتى قال القائل: نشدتك الله أن تقوم، وأقسمت عليك أن تقوم، فتأويلها: أحرِّج عليك أن لا تفعل، فلهذه العلة من تأويل الجواب والتحريج ما فهم معنى الجحد وهو غير ظاهر ولا منطوق به"[89].


- استعماله مبدأ التعليل لعدد من الألفاظ التي أوردها، فأعان الدارسين والباحثين في الأضداد التي التبست عليهم، ونجد ذلك -على سبيل المثال لا الحصر- في أنه علل مجيء أسماء المدن على ما تعارفه الناس، فمكة سُميت مكة لجذب الناس إليها، والبصرة سُميت بصرة للحجارة البيض الرخوة بها، والكوفة لازدحام الناس بها من قولهم قد تكوّف الرمل تكوفاً، إذا ركب بعضه بعضاً...الخ[90].



- ناقش آراء العلماء، فأيد بعضها وأنكر بعضها الآخر، مما ينم على علمه الواسع وثقافته وسعة اطلاعه ويتجلى ذلك فيما يلي:


- إنكاره آراء عدد من اللغويين كقطرب وابن قتيبة، قال: "وقال قطرب: من الأضداد قولهم: خَذِمَت النعلُ، إذا انقطعت عُروتُها وشسعها، وأخذمتُها: إذا أصلحت عُروتها وشسعها، وهذا ليس عندي من الأضداد لأن خذمت لا يقع إلا على معنى واحد..."[91].

وقال: "قال قطرب: من الأضداد حمأت الركبة حمئاً، إذا أخرجت منها الحمأة، وأحمأتها إحماءً، إذا جعلت فيها الحمأة، قال أبو بكر: وليس هذا عندي من الأضداد لأن لفظ: حمأت يخالف لفظ أحمأت، فكل واحدة من اللفظتين لا تقع إلى على معنى واحد، وما كان على هذا السبيل لا يدخل في الأضداد"[92].


- إنكاره لضدية ما نقله السابقون من ألفاظ: ومن ذلك قوله: "وأما معنى العلم فقوله عز وجل (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً)، معناه: فمن كان يعلم لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً، وقولهم عندي غير صحيح؛ لأن الرجاء لا يخرج أبداً من معنى الشك"[93].



- جوّز ضدية عدد من الألفاظ بتصريحه بذلك، قال ابن الأنباري: "يقال عاقل، إذا كان حسن التمييز، صحيح العقل والتدبير، ويقال: وَعِل عاقل وهو مما لا يعقل، يراد به قد عقل نفسه في الجبل، فما يبرح منه، ولا يطلب به بدلاً، قال الشاعر:




لقد خفتُ حتى ما تزيد مخافتي على وَعِل في ذي المطارة عاقل[94]




أي حابس نفسه في هذا الموضوع، ويجوز أن يكونا متضادين، وأن يقال أصل العقل في اللغة الحبس"[95].


ومن منهجيته: توثيق الآراء التي أتى بها، ومن ذلك:


- تعرضه للأوصاف التي ذكرتها العرب، أو ما اشتهر عند العرب من صفات وأسماء، من ذلك قوله: "قال أبو عبيد: يقال في ليالي الشهر: ثلاث غُرَر، وثلاث نُفَل، وثلاث تُسَع، وثلاث عُشَر، وثلاث بيض، وثلاث دُرَع، وثلاث ظُلَم، وثلاث حنادس، وثلاث دآديّ، وثلاث محاق"[96].


- تعرضه للغات القبائل واللهجات، ومن ذلك قوله: "والسامد من الأضداد، فالسامد في كلام أهل اليمن: اللاهي، والسامد في كلام طيء الحزين.." [97].



- وثقّ آراءه بالأخبار والقصة، ومن ذلك قوله: "والوراء، ولد الوالد، قال: حيّان بن أبجر: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل من هُذيل فقال له: ما فعل فلان؟ لرجل منهم، فقال: مات وترك كذا وكذا من الولد وثلاثة من الوراء، يريد من ولد الولد.." [98].



- تعرضه لأقوال العامة من الناس غير كلام العرب: قال ابن الأنباري: "وقال قطرب: الحِرفة من الأضداد، يقال: قد أحرف الرجل إحرافاً إذا نما ماله وكثر، والاسم الحرفة من هذا المعنى، قال: والحرفة عند الناس: الفقر، وقلة الكسب، وليست من كلام العرب إنما تقولها العامة"[99].



- أخذه بأدلة السماع والقياس لتوثيق الآراء، وإثبات ما يصبو إليه من ضدية عدد من الألفاظ، ومن السماع قوله: "وسمعت أبا العباس يقول: يقال للساكن: رهو، وللواسع رهو، وللطائر الذي يقال له الكُركيُّ: رهو؛ قال الله عز وجل: {وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا} [الدخان: 24] فمعناه: ساكناً"[100].


أما القياس فقوله: "ويقال: رجل مُنهِل، إذا كانت إبله عطاشًا كما يقال: رجل مُعطِش ورجل مُنهِل على القياس إذا كانت رواءً"[101].


- أسند ما أورده من أضداد إلى أصحابها، وبذا انتهج في كتابه نهجاً علمياً دقيقاً، ومن ذلك قوله: "وقال ابن قتيبة: توسد القرآن حرف من الأضداد يقال: توسد فلان القرآن: إذا نام عليه، وجعله كالوسادة له، فلم يكثر تلاوته، ولم يقم بحقه، ويقال: توسد القرآن: إذا أكثر تلاوته وقام به في الليل فصار كالوسادة، وبدلاً منها، وكالشعار، والدثار"[102].



ونشير إلى أن آل ياسين في كتابه (الأضداد في اللغة) قد أورد عدداً من النقاط التي تشتمل على منهجية ابن الأنباري من شروحه ونقده وإنكاره وتأييده للأضداد[103]، وأرى أن (حسين نصار) لم يجانب الصواب في قوله: "وعلى الرغم من نقده –ابن الأنباري– لآراء العلماء فإنه لم يغلط أحداً ... وكانت انتقاداته معتدا بها على أقوال غيره من اللغويين"[104].



4- المآخذ على الكتاب:


لا شك أن كل كتاب يؤخذ منه ويُرد، إلا كتاب الله عز وجل القرآن الكريم وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وكتاب ابن الأنباري لا يخلو من سقطات وقع فيها صاحبه كغيره من مؤلفي المصنفات اللغوية، على أن هذه المآخذ لا تنقص من قيمة الكتاب عند الباحثين والدارسين وفي المكتبة العربية، وسأوجز أهم ما وقعت عليه من هذه المآخذ:


1- الاستطراد بغير سبب في شروحه لعدد من الألفاظ، مما يجعله يبتعد عن موضوع الأضداد، ولا سيما في الشواهد الشعرية، إذ يشرح ما غمض من الألفاظ ويأتي بشواهد لا تمس الموضوع الذي هو بصدده، ومثال ذلك قوله: "وتأثم حرف من الأضداد، يقال: قد تأثم الرجل إذا أتى ما فيه المأثم، وتأثم: إذا تجنب المأثم، كما يقال: قد تحوّب الرجل: إذا تجنب الحُوب، ولا يستعمل تحوب في المعنى الآخر، والحوب الإثم العظيم، قال الله عز وجل: {إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} [النساء: 2]"[105]، فنراه يترك اللفظة الأصلية ويستطرد في لفظه أخرى مبتعداً عن معنى الضدية.



ومن ذلك قوله: "وذعور من الأضداد، يقال: فلان ذعور، أي ذاعر، وذعور، أي: مذعور؛ أنشدنا أبو العباس:





تنول بمعروف الحديث وإن تُرد سوى ذاك تَذعر منك وهي ذعور




أي: مذعورة ويروى: تنول بمغروض الحديث أي: بطريه، واللحم الغريض عند العرب، الطري، قال الشاعر:




إذا لم يجتزر لبنيه لحماً غريضاً من هوادي الوحش جاعوا




ويروى تنول بمشهود الحديث، والمشهود: الذي كأن فيه شُهداً من حلاوته وطيبه..."[106]، فابتعد عن ضدية اللفظة المقصودة.


2- اختلاف منهجية الشواهد التي أتى بها، فالمعروف أن لكل لفظة من الأضداد شواهد عليها، ولا نجد ذلك في عدد منها، مما يورث الشك عند القارئ في مصداقيتها. قال ابن الأنباري: "وقال قطرب أيضاً من حروف الأضداد النحاحة، يقال في السخاء ويقال في البخل.."[107].



وقد يأتي بشاهد من غير أن يبين على أي من المعاني قصده، قال: "ومن الأضداد أيضاً قولهم: مُشِب للمسن ومشب للشاب، قال أبو خراش الهذلي:




بموركتين من صدوى مشب من الثيران عقدهما جميل"[108]




ورأى (أيوب سالم) في رسالته في الأضداد أن الألفاظ التي لا شواهد عليها يمكن أن نخرجها من الأضداد[109]. والحقيقة أننا لا يمكن أن نخرجها من الأضداد إلا بعد التمحيص والبحث حتى نخرج بأحكام دقيقة في ذلك.


3- لا يخلو الكتاب من التكلف في إقرار ضدية عدد من الألفاظ، والمتتبع لذلك لا يجد الأضداد فيها، قال آل ياسين: "والكتاب حفل بطائفة كبيرة من الألفاظ التي ألصقت بالأضداد، ولا تتوفر فيها فكرة الأضداد بوجه من الوجوه.."[110].



ومن ذلك قوله: "ومن الحروف أيضاً الحَفَض، يقال لمتاع البيت، حَفَض وجمع الحفض أحفاض. قال الشاعر:





فَكَبَّه بالرمح في دمائه كالحفض المصروع في كفائه




وقال الآخر:




ولا تكُ في الصبا حَفَظاً ذلولاً فإن الشيب والغزل الثُّبُورُ




وقال الآخر:

يا ابن قُروم لسن بالأحفاضِ


ويروي بيت عمرو بن كلثوم على وجهين:





ونحن إذا عماد الحي خرّت على الأحفاض نمنع ما يلينا




ويروى: على الأحفاض، فمن رواه عن الأحفاض قال: الأحفاض: الإبل، ومن رواه على الأحفاض قال: الأحفاض: الأمتعة"[111].


وأتساءل: ما وجه الأضداد في كل ما تقدم، فالأولى عدم التكلف والتصنع في ذكر ألفاظ لا تمس الضدية بشيء.



ولا يفوتنا أن نشير إلى التكلف في إقرار ضدية عدد من الأعلام التي ذكرها، وقد عقب آل ياسين على هذه المسألة وأزال الغموض التي اكتنفها[112].



المبحث الثالث


القضايا اللغوية والنحوية والبلاغية في الكتاب

حفل كتاب ابن الأنباري بالكثير من قضايا اللغة، فلم يكتفِ بذكر معاني الأضداد، وإنما زاد في ذكر قضايا النحو والصرف والصوت والدلالة وعلم البلاغة، مما يدل على علمه الواسع وثقافته الغزيرة، فأخذ منه النحويون والبلاغيون، ومن اهتم باللغة وعلومها، وصدق ابنُ النديم في قوله: "كان –ابن الأنباري– في غاية الذكاء والفطنة، وجودة القريحة، وسرعة الحفظ، يضرب به المثل في حضور البديهة وسرعة الجواب"[113].


وذكر الأزهري أن ابن الأنباري: "كان أعلمَ من شاهدتُ بكتاب الله ومعانيه وإعرابه ومعرفته اختلاف أهل العلم في مشكله"[114].



وأرى أن من الضروري التعرض لتلك القضايا التي أوردها ابن الأنباري في كتابه، وسأتناول ما استطعت من هذه القضايا:


أ- القضايا الصرفية:

وقد تعرض في أضداده للكثير من القضايا الصرفية التي لها صلة بحدوث الأضداد وبيان المعاني، وفهم التفسير، ومن ذلك ما يأتي:


الصيغ الصرفية:


قال: "وأما معنى التهمة، فهو أن تقول ظننت فلاناً فتستغني عن الخبر؛ لأنك تريد اتهمته، ولو كان بمعنى الشك المحض لم يقتصر به على منصوب واحد. ويقال: فلان عندي ظنين، أي متهم، وأصله مظنون فصرف عن مفعول إلى فعيل كما قالوا: مطبوخ وطبيخ"[115].


جمع التكسير:


قال: "والقُرءُ حرف من الأضداد يقال: القُرءُ للطهر، وهو مذهب أهل الحجاز، والقُرءُ: للحيض، وهو مذهب أهل العراق، ويقال في جمعه: أقراء وقرُوء.."[116] وهذا مما يطرد جمعه على القلة والكثرة[117].


وقد يتعرض للجمع والتثنية في شرحه لأحد الألفاظ، قال ابن الأنباري: "ويقال في تثنية الندّ: نِدّان، وفي جمعه أنداد، ومن العرب من لا يثنّيه ولا يجمعه ولا يؤنثّه فيقول: الرجلان ندّي، والرجال ندّي، والمرأة ندّي، والنساء نِدّي. كما قالوا: القوم مثلي، أو أمثالي، قال الله –عز وجلّ– {ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد: 38]"[118].



الإدغام والإبدال:


يرى عدد من الدارسين أنهما من الموضوعات التي توجد فيها صعوبة في استيعابها؛ بسبب قواعدها المتشابكة وصورها المتخيلة، إذ يقتربان من دراسة اللهجات أحياناً ومن الأصوات في أحيان أخرى[119]. ولكننا نجد أن ابن الأنباري يعالج عدداً من الألفاظ ببيان ما طرأ عليها من أمور الإدغام أو الإقلاب، قال: وكان أبو البلاد النحوي ينشد هذا البيت:



عسعس حتى لو يشاء ادنَّى كان له من ضَوئه مقبس




ومعناه: لو يشاء إذْ دنا، فتركت همزة إذ، وأبدلوا من الذال دالاً، وأدغموها في الدال التي بعدها.."[120].


التمييز بين الاسم والمصدر:


فرق ابن الأنباري في مواضع عدة بين الاسم والمصدر لما لذلك من أهمية في تحديد المعنى بدقة. قال: "ويقال في دعاء للعرب: به الوَرَى وحُمَّى خَيْبَرَى، وشرُّ ما يُرَى، فإنه خَيْسَرَى[121]. وقال أبو العباس: الوَرْي المصدر بتسكين الراء، والوَرَى بفتح الراء: الاسم"[122].
يتبع





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 40.11 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 39.49 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (1.55%)]