عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 30-09-2020, 05:14 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 47,871
الدولة : Egypt
افتراضي رد: محمد بن القاسم الأنباري في كتابه الأضداد




تحقيق الكتاب:

يقول كارل بروكلمان: "بقى من مصنفاته –محمد بن القاسم الأنباري– كتاب الأضداد: نشره هوتيسما في ليدن سنه 1883م، على أساس مخطوط ليدن، ونشر أيضاً في القاهرة سنة 1325هـ عن الطبعة السابقة"[35].

وكتاب ليدن كان طبعة علمية جيدة، ووضع له فهارس منوعة، وعني بإخراجه عنايةً مشكورة، ثم عن هذه الطبعة نشرت في مصر ولم تخل من الخطأ والتحريف[36].


ويبدو أن هذه الطبعة ظلّت في متناول الدارسين والباحثين والقراء، ينهلون منها ما يخص موضوع الأضداد إلى أن قام محمد أبو الفضل إبراهيم بتحقيق أضداد ابن الأنباري سنة 1987م ليأتي ذلك ضمن سلسلة التراث العربي التي أصدرتها دائرة المطبوعات والنشر في الكويت.


تحقيق أبي الفضل للكتاب:

قام صلاح الدين المنجد بتصدير الكتاب المحقق، وذكر أنه يدور حول الألفاظ التي تحتمل معنيين متضادين في اللغة العربية[37].

وقد اعتنى أبو الفضل بتحقيق هذا الكتاب عناية كبيرة، فهو من فرسان هذا الميدان، وسبق أن حقق كثيراً من كتب الأصول القديمة... وشارك علماء آخرين في تحقيق كتب أخرى، وهذه الكتب أقوى دليل على فضل المحقق وما بذله من جهود لإحياء آثار العرب[38].


وفي تحقيقه للكتاب نجده قد بدأ بمقدمة ذكر فيها تعريف الأضداد، معرجاً على جدل العلماء في إثباتها أو إنكارها، ذاكراً أهم العلماء من الطائفتين، ثم انتقل إلى التعريف بأهم الكتب التي اشتملت على الأضداد.


وذكر أبو الفضل أنه قام الدكتور أوغست هفنر بنشر كتب الأضداد للأصمعي والسجستاني وابن السكيت والصاغاني، وطبعت هذه المجموعة طبعة علمية جيدة في بيروت سنة 1913، كما نشر الأستاذ هانس كوفلر كتاب أبي علي محمد بن المستنير المعروف بقطرب في مجلة إسلاميكا (المجلد الخامس) سنة 1931. ثم نشر محمد آل ياسين كتاب ابن الدهان، ونقل السيوطي (911هـ) أن ممن ألف في ذلك أبو البركات الأنباري (577هـ)، وظهرت فصول منه في كتاب الجمهرة لابن دريد (321هـ) والغريب لأبي عبيدة، والمخصص لابن سيده، وفقه اللغة للثعالبي (429هـ)، وديوان الأدب للفارابي (350هـ)[39].


والمتتبع لطبعة أبي الفضل يجد أنها اشتملت على ثلاثمائة وسبع وخمسين مادة في الأضداد، وقد ضمّن تحقيقه الحواشي التي ذكر فيها شروحاً للألفاظ الغامضة، والإحالات للشواهد القرآنية والأحاديث النبوية، والشعر العربي والأعلام، ثم ختم كتابه بفهارس اشتملت على ألفاظ الأضداد مرتبة على حروف الهجاء، ثم الآيات القرآنية، فالأحاديث النبوية، وفهرس القوافي، والأرجاز، وأنصاف الأبيات، والأعلام، وفهرس القبائل والأمم، والأماكن.


تحقيق محمد إبراهيم الدسوقي:

جاء الدسوقي ليقوم بمحاولة أخرى لتحقيقه، وطبع الكتاب في مكتبة القرآن للطبع والنشر والتوزيع في مصر.

وبيّن الدسوقي السبب الذي دفعه لإعادة تحقيقه بقوله: "ورغبة في التيسير على أبنائنا الباحثين عن خصائص لغتنا، وإسهاماً في معاونتهم على الإحاطة بأسرار اللغة، وامتلاك ناصية الكلام كان لا بد من إعادة تحقيقه بمزيد من تخريج الأحاديث والقرآن والروايات الشعرية مع تسليط الأضواء على كثير من الألفاظ والأساليب، والإشارات ليتسنى لهم فهم النص، والإحاطة به، والاستدلال عليه على خير وجه"[40].


وعلى عادة المحققين السابقين، بدأ الدسوقي مقدمة تحقيقه بتعريف الأضداد، وأهم من ألّف فيها، وعرج على حياة الأنباري، ومن أخذ عنهم وأخذوا عنه من العلماء، ثم شرح منهجيته في تحقيق الكتاب.


وفي الحواشي نجد شروحاً لعدد من الألفاظ التي تلتبس على القارئ، أشار فيها إلى المصادر المعتمدة، وخرّج فيها الشواهد القرآنية والأحاديث النبوية والأبيات الشعرية، وكان عدد المواد التي شرحها في كتابه ثلاثمائة وستا وخمسين مادة.


أما فهارسه فلم تشتمل إلا على الألفاظ من غير ذكر الآيات والأحاديث والأبيات الشعرية.


وبعد هذه الجولة في التحقيقين أرى الأمور الآتية:

1- اختلف المحققان في تسمية عنوان الكتاب، فأبو الفضل سماه: كتاب الأضداد، والدسوقي سماه: الأضداد في اللغة، وأرى أن تسميته الصحيحة هي: الأضداد، من غير ذكر لفظة قبله، وهذا ما وجد في مصادر اللغة.
2- اختلفا في عدد المواد المحققة، فعند الأول كانت ثلاثمائة وسبعًا وخمسين لفظة، وعند الآخر كانت ثلاثمائة وستًّا وخمسين لفظة.
3- اشتمل الأول على فهارس أكثر من الآخر، وإن كان الدسوقي أكثر شرحاً في الحواشي من أبي الفضل.
3- كتب الأضداد.
شغلت ظاهرة الأضداد مساحة كبيرة في المراجع اللغوية، ونالت اهتمام اللغويين، الذين رسموا طرقاً عدة لمعالجة هذه الظاهرة في كتبهم.

ويرى إبراهيم أنيس أن اهتداء الرواة وعلماء اللغة إلى مواد الأضداد كان نتيجة ولعهم بالتماس فرائد العربية ونوادرها وغريبها[41]، في حين يرى آل ياسين أن جمع ألفاظ الأضداد وتلمسها في القرآن الكريم والحديث الشريف والشعر والأمثال ولغة التخاطب من لدن العلماء كان دافعه استطراف هذه الألفاظ من جهة وخدمة القرآن من جهة أخرى[42].


وسنورد من ألف في الأضداد بحسب ما ورد في الكتب اللغوية[43]:

1- قطرب. 2- الأصمعي. 3- ابن السكيت. 4-السجستاني.
5- ابن الأنباري. 6- ابن الدهان. 7- الصاغاني.

وأورد علماء آخرون ظاهرة الأضداد في كتبهم اللغوية ومنهم[44]:

الفراء، أبو عبيدة (210هـ)، التوَّزي، أبو عبيد القاسم بن سلام (244هـ)، ثعلب، الآمدي (370هـ)، ابن فارس (395هـ)، عبد الله ابن القاضي (1304هـ).

المبحث الثاني

سبب نشوء الأضداد
إن لنشوء الأضداد أو حدوثه أسباباً وتسويغاتٍ وآراءً كثيرة يمكن الرجوع إليها في مظانها[45] وذلك تجنباً إلى تكرارها وتفادياً للإطالة والتعداد، واعتقاداً منا بأن الواقع العملي الفعلي في هذا الكتاب يكفي لبيان وقوعه، وتوضيح الكثير من أسبابه وملابساته وإدراك طبيعة نشوئه.

فأسباب نشوء الأضداد بحسب ما جاء في الكتاب نوردها في النقاط الآتية:

أ- تداخل اللهجات:
أشار ابن الأنباري إلى هذا الأمر فقال: "وقال آخرون: إذا وقع الحرف على معنيين متضادين، فمحال أن يكون العربي أوقعه عليهما بمساواة منه بينهما، ولكن أحد المعنيين لحي من العرب، والمعنى الآخر لحي غيره، ثم سمع بعضهم لغة بعض فأخذ هؤلاء عن هؤلاء، وهؤلاء عن هؤلاء، وقالوا: الجون: الأبيض في لغة حي من العرب، والجون: الأسود في لغة حيّ آخر ثم أخذ أحد الفريقين من الآخر"[46].

ومن الأمثلة التي أوردها ابن الأنباري قوله: "السُدفة حرف من الأضداد، فبنو تميم يذهبون إلى أنها الظلمة، وقيس يذهبون إلى أنها الضوء، وقال الأصمعي: يقال: أسدِف أي: تنحَّ عن الضوء، وقال غيره: أهل مكة يقولون للرجل الواقف على البيت: أسدف يا رجل، أي تنحّ عن الضوء حتى يبدو لنا، قال ابن مقبل:



وليلة قد جعلت الصبحَ موعدها بصُدرة العَنْسِ حتى تَعرفَ السُّدَفا


العنس: الناقة، ومعنى البيت: إني كلفت هذه الناقة السير إلى أن يبدو الضوء وتراه، وقال الآخر:
قد أسدَفَ الليلُ وصاحَ الحِنزابْ

أراد بأسدفَ: أضاء، والحنزاب: الديك، وقالت امرأة تذكر زوجها:

لا يرتدي مَرادِيَ الحريرِ ولا يُرى بسُدْفة الأميرِ

أي: لا يرى بقصر الأمير الأبيض الحسن، وزعم بعض الناس أن السُدفة في هذا البيت: الباب، وأن العرب تذهب بالسدفة إلى معنى الباب.
وقال ذو الرمة:
ولما رأى الرائي الثريا بسُدفةٍ ونشَّت نِطافُ المبقياتِ الوقائعِ[47]

ويروي (ونشت بقايا المبقيات)، السُّدفة في هذا البيت: الظلمة، وقال الآخر:
وأطعَنُ الليلَ إذا ما أسْدَفا[48]

وقال بعض شعراء هذيل:

وماءٍ وردتُ قُبيل الكرى وقد جنّه السَّدَفُ الأدهمُ

أراد بالسدف الظلمة، وقال إبراهيمُ بن هَرْمة:
إليك خاضتْ بنا الظلماء مُسدِفة والبيدُ تقطعُ فِنْداً بعد أفنادِ

المسدفة: الداخلة في الظلمة، والفند: الشمراخ من الجبل، وقال جدُّ جرير المعروف بالخَطَفى:
يرفعن لليل إذا ما أسدفا أعتاق جِنَّانٍ وهامًا رُجَّفا

وعَنَقًا بعد الكلالِ خطفا

ويروى خطيفا، وقال ابن السكيت: قال الفراء: يقال: أتيته بسُدفة، وشُدفة، وسَدفة، وشَدْفة، وهو السَّدَف والشَّدَف"[49].


ويبدو أن هناك عدداً من الألفاظ "تطورت صورةُ بعضاً منها حتى ماثلت البعض الآخر وهكذا رُويت لنا متحدة الصورة مختلفة المعنى"[50].


ب- العوامل النفسية والاجتماعية:

يندرج تحت هذا السبب: التفاؤل والتشاؤم، والتهكم والسخرية.... الخ.

ومثال ما جاء على سبيل التفاؤل قول ابن الأنباري:

"والسليم حرف من الأضداد، يقال: سليم للسالم، وسليم للملدوغ، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن في الحي سليماً، أي: ملدوغاً، وقال الشاعر:
يُلاقي من تذكرِ آل ليلى كما يلقى السليمُ من العدادِ

العِداد: العلة التي تأخذ الإنسان في وقت معروف نحو الحُمَّى الرِّبع، والغِب، وما أشبه ذلك؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما زالت أكلة خيبر تعادّني، فهذا أوان قطعت أبهري، والأبهر: عرق معلق بالقلب إذا انقطع مات الإنسان، قال الشاعر:
وللفؤاد وجيبٌ تحت أبهره لَدْمَ الغلام وراءَ الغيب بالحجرِ

وقال الأصمعي وأبو عبيد: إنما سُمي الملدوغ سليماً على جهة التفاؤل بالسلامة، كما سميت المهلكة مفازة على جهة التفاؤل لمن دخلها بالفوز. وأخبرنا أبو العباس عن سلمة عن الفراء قال: قال بعض العرب: إنما سمي الملدوغ سليماً لأنه مُسلَمٌ لما به. قال أبو بكر: الأصل منه مُسلَم، فصرف عن مُفعل إلى فعيل كما قال الله عز وجل: "تلك آيات الكتاب الحكيم" أراد المحكم[51].

ومما جاء بسبب الاستهزاء والتهكم قول ابن الأنباري:

"ومما يشبه الأضداد أيضاً قولهم للعاقل: يا عاقل، وللجاهل إذا استهزءوا به: يا عاقل؛ يريدون: يا عاقل عند نفسك، قال عز وجل: {ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} [الدخان: 48-49] معناه: عند نفسك، فأما عندنا فلست عزيزاً ولا كريماً، وكذلك قوله عز وجل فيما حكاه عن مخاطبة قوم شعيب شعيبًا بقولهم: {إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} [هود: 87] أرادوا: أنت الحليم الرشيد عند نفسك، قال الشاعر:
فقلت لسيدنا يا حل يمُ إنك لم تأسُ أسْوًا رفيقا

أراد: يا حليم عند نفسك، فإنما عندي فأنت سفيه!" [52].

جـ- التغير في الوحدات الصرفية:

إن المتتبع لكتاب ابن الأنباري يستشعر أثر الاشتقاق الصرفي، والتباس الصيغ المختلفة في خلق الأضداد. ومن الأمثلة التي أوردها ابن الأنباري على التحول في الصيغ الصرفية ومن ثم حدوث الضدية قوله: "والعائذ حرف من الأضداد، يكون الفاعل: ويكون المفعول، يقال: رجل عائذ بفلان، بمعنى "فاعل" ويقال ناقة عائذ أي: حديثة النتاج وهي مفعولة؛ لأن ولدها يعوذ بها، وجمعها عُوذ، وقال أبو ذؤيب:
وإن حديثاً منك لو تبذلينه جنى النحل في ألبان عوذ مطافل
مطافيل أبكار حديث نتاجها تُشاب بماء مثل ماء المفاصل

قال الأصمعي: المفاصل: منقطع الجبل من الرملة، وفيه رضراض وحصى صغار، فالماء يرق عليه ويصفو، وقال أبو عبيدة: المفاصل: مسايل الوادي، وقال أبو عمرو: المفاصل: مفاصل العظام، وقال الآخر:
لا أُمتِع العُوذَ بالفصال ولا أبتاع إلا قريبة الأجل"[53]

فالفاعل أتى للفاعل والمفعول، وتأتي ألفاظ على فعول تنصرف للفاعل والمفعول.

ومنه قول ابن الأنباري: "والرغوث مثله؛ يقال: رغوث للتي يرغثها ولدها، فيكون للمفعول، ويقال: رغوث للولد الذي يرغثها، فيكون للفاعل"[54].


ويأتي فعيل على فاعل ومفعول، قال ابن الأنباري: "والقنيص حرف من الأضداد؛ يقال القنيص: للقانص، ويقال: للمفعول أيضاً: قنيص، ويكون القنيص بمعنى الفعل والمصدر، قال الشاعر:

تَقنِصُك الخيلُ وتصطادُك الط يرُ ولا تُنكَعُ لهوَ القنيصْ

معنى تنكع: تُخلّى والقنيص، وتُمتَّع بلهوه"[55].

ويأتي مُتفعل على فاعل ومفعول، قال ابن الأنباري: "والمتظلم حرف من الأضداد، يقال للرجل الظالم: متظلم وللمظلوم متظلم، قال نايفة بني جعدة:

وما يشعرُ الرمحُ الأصم كعوبُه بثورة رهط الأبلخِ المتظلمِ

الأبلخ: المتكبر، والمتظلم: الظالم. وقال المخبل:
وإنا لنُعطي النَّصف من لو نَضِيمه أقرَّ ونأبى نخوةَ المتظلمِ

ويقال: قد تظلم الرجل إذا ظلم، وطلب النصرة، وقد تظلم إذا ظلم، قال الشاعر:
تظلَّمني مالي خديجٌ وعقَّنى على حين كانت كالحَنِيِّ ضُلُوعي

وقال الآخر:
تظلمني مالي كذا ولوَى يدي لوى يدَه اللهُ الذي هو غالِبُهْ

أراد: ظلمني"[56].

ويبدو أن (تمام حسان) لم يجانب الصواب عندما أقر بأن المبنى الصرفي صالح لأن يعبِّر عن أكثر من معنى واحد ما دام غيرَ متحقق بعلامةٍ ما في سياق ما، فإذا تحقق المعنى بعلامة أصبح نصاً في معنى واحد بحسب القرائن اللفظية والمعنوية والحالية على السواء[57].


د- المجاز:

لا يخفى على كل ذي بصيرة في اللغة أثر المجاز في ازدياد مفردات اللغة ومعانيها، وهو مظهر من مظاهر التطور الدلالي فيها، والعربية لغة التوسع المجازي، "وباب المجاز مفتوح على مصراعيه، كما يقول أحد الباحثين العرب[58]، "والمجاز القديم مصيره إلى الحقيقة"[59].

وأقر ابن الأنباري أن المجاز سبب في حدوث ضدية عدد من الألفاظ من خلال ما عرضه من مواد لغوية في كتابه، ويرى آل ياسين أن قول ابن الأنباري: "ومما يشبه الأضداد" قصد به المجاز وإن لم يصرح بذلك[60]، ونقل الباحث أيوب سالم رأي آل ياسين في رسالته الأضداد في اللغة العربية ونسبه إلى نفسه من غير أن يشير إلى صاحب الرأي.


ومن الأمثلة على أثر المجاز قول ابن الأنباري: "ومن الحروف أيضاً الظعينة: المرأة في الهودج، والظعينة: الهودج، وقد يقال للمرأة وهي في بيتها: ظعينة، والأصل ذاك، وقال ابن السكيت: يقال: بعير ظَعُون إذا كان يحمل الظعائن، قال زهير:

تبصَّرْ خليلي هل ترَى من ظعائنٍ تحمّلنَ بالعلياءِ من فوقِ جُرثُمِ[61]

وأنشدنا أبو العباس:
إنَّ الظعائنَ يوم حزمِ سُوَيقةٍ أبكينَ عندَ فراقهنَّ عُيونا

وقال أبو عكرمة الضبي: قال بعض أهل اللغة: لا يقال للمرأة ظعينة حتى تكون في هودج على جمل، فإن لم يجتمع لها هذا الأمران لم يقل لها ظعينة"[62].

ويرى عدد من اللغويين أن مثل هذه اللفظة قد تطورت دلالتها إلى مجال آخر لعلاقة مكانية أو سببية بين مدلولين فكانت من الأضداد[63].


ولم يقتصر المجاز على قول ابن الأنباري: "ومما يشبه الأضداد" كما ذكر آل ياسين، وإنما يتعدى إلى ألفاظ أخرى لم يصرح بها، ونجد دلالتها في كلامه[64].


هـ- القلب والإبدال:

قال ابن الأنباري: "و(صار) حرف من الأضداد. يقال: صرتُ الشيءَ إذا جمعته، وصرته إذا قطعته وفرقته، وفسر الناس قول الله عز وجل: {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} [البقرة: 260] على ضربين؛ فقال ابن عباس: معناه: قطعهن، وقال غيره: معناه: ضمهن إليك، فالذين قالوا معناه قطعهن قالوا: "إلى" مقدمة في المعنى، والتأويل: فخذ أربعة من الطير إليك، فصرهن أي: قطعهنَّ، وقال الفراء: بنو سليم يقولون: فصرهن، وقال: أنشدني الكسائي عن بعض بني سليم:
وفرعٍ يَصيرُ الجيدَ وَحْفٍ كأنه على اللِّيتِ قِنوانُ الكُرومِ الدوالحِ

أراد يضم الجيد.

قال أبو بكر: واستضعف الفراء مذهب من قال: صرهن قطعن، وقال: لا نعرف صار بمعنى قطع إلا أن يكون الأصل فيه صرى فقدمت الراء إلى موضع العين وأخرت العين إلى موضع اللام، كما قالوا: عاث في الأرض وعثا، وقاع على الناقة وقعا"[65].


و- دلالة الفعل على السلب والإيجاب:

عرض ابن الأنباري ذلك في صيغة الفعل: (أخفى) فقال: "وأخفيت حرف من الأضداد، يقال: أخفيت الشيء إذا سترته، وأخفيته إذا أظهرته، قال الله عز وجل: {إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا} [طه: 15] فمعناه: أكاد أسترها، وفي قراءة أبي: "أكاد أخفيها من نفسي فكيف أطلعكم عليها"... ويقال: معنى الآية: إن الساعة آتية أكاد أظهرها، ويقال: خفيت الشيء إذا أظهرته ولا يقع هذا –أعني الذي لا ألف فيه- على الستر والتغطية، قال الفراء: حدثنا الكسائي عن محمد بن سهل عن وقاء عن سعيد بن جبير أنه قرأ "أكاد أخفيها" فمعنى أخفيها أظهرها، وقال عبيدة بن الطيب ...:
يَخْفِي التراب بأظلاف ثمانية في أربعٍ مسُّهن الأرضَ تحليلُ

أراد يظهر التراب.." [66].

ز- دلالة الألفاظ على المفرد والجمع:

قال ابن الأنباري: "و(ضِعْف) حرف من الأضداد عند بعض أهل اللغة، يكون ضعف الشيء مثله، ويكون مثليه، قال الله عز وجل: {يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} [الأحزاب: 30]. قال أبو العباس عن الأثرم عن أبي عبيدة: معناه: يجعل العذاب ثلاثة أعذبة. قال: وضعف: الشيء مثله، وضعفاه: مثلاه. وقال أبو عبد الله هشام بن معاوية: إذا قال الرجل: إن أعطيتني درهماً فلك ضعفاه معناه: فلك مثلاه، قال: والعرب لا تفرد واحدهما، إنما تتكلم بها بالتثنية، وقال غير هشام وأبي عبيدة: يقع الضعف على المثلين. وقال أبو بكر: وفي كلام الفراء دلالة على هذا"[67].

وبعد ذكر أسباب حدوث الأضداد كما وجدتها ظاهرة في كتاب ابن الأنباري لا بد من الإشارة إلى أمرين:

أحدهما: أن الكثير من آراء العلماء التي تشتمل على أسباب حدوث الأضداد إنما ساقوها بالاعتماد على أضداد ابن الأنباري.

الآخر: هناك تباين في آراء العلماء حول سبب حدوث الأضداد في لفظة الجون مثلاً، فبعضهم يرجعها إلى تداخل اللهجات، وابن فارس يردها إلى أصل الوضع اللغوي، في حين يردها علي عبد الواحد وافي إلى الاقتراض من اللغات الأخرى، ويرى إبراهيم أنيس: أن هذه المادة قد حدث فيها مخالفة صوتية أدت إلى الأضداد[68].


وهذا يقودنا إلى نتيجة مفادها: أن هناك عدداً من الألفاظ لم تصل فيها آراء العلماء إلى أحكام دقيقة، لذا ينبغي الوقف عليها من جديد من خلال البحث والتدقيق للخروج بنتائج حاسمة.
يتبع










__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 35.59 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 34.97 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (1.75%)]