عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 30-09-2020, 05:10 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 47,871
الدولة : Egypt
افتراضي محمد بن القاسم الأنباري في كتابه الأضداد

محمد بن القاسم الأنباري في كتابه الأضداد




معمر العاني


المقدمة:


خالص الحمد وجزيله لله، كما يليق بجمال وجهه وعظيم سلطانه، على ما أنعم ويسّر وأتمّ، وأفضل الصلاة والسلام على النبي الحبيب، كما يليق بمقامه الشريف وشخصه الكريم؛ لما فتح لنا من أبواب العلم والعرفان، وهدانا إلى منابع البحث والتدبر والبيان.


أما بعد:












فإن اللغة العربية أكثر اللغات بلاغة وفصاحة، وأجملها لفظاً، وأغزرها بالمعاني الأخاذة الدقيقة والصور الجميلة الرقيقة، وهي في الوقت نفسه مليئة بالمعاني القوية المحكمة، ولهذا اختارها الله -سبحانه وتعالى- لتكون لغة القرآن العظيم، ولسان النبي -صلى الله عليه وسلم-، وفي ذلك أمارة واضحة على ما لها من منزلة وما فيها من سمات لا توجد في سواها من اللغات.















لذلك قام علماء اللغة بالبحث والدراسة، والاستقصاء لكنوز هذه اللغة، والغوص في أعماقها، يدفعهم حسُّهم الديني وإيمانُهم بضرورة الحفاظ على هذا التراث العظيم.






وإن الألفاظ المؤتلفة المختلفة المعاني لَتمثل -مع ما صدر لها من شروح ودار حولها من مناقشات- جزءاً مهماً من تراثنا اللغوي والأدبي، غير أن موقف اللغويين حيال هذه الألفاظ كان ولا يزال خلافياً غير مستقر، كما أن الكتب التي تناولت هذه الألفاظ تختلف في منهجيتها ودراستها لهذه الظاهرة، مما جعل هذه الألفاظ جديرة بالبحث والدراسة والاستقصاء.



ومن بين الكتب التي عالجت هذه الألفاظ التي أطلق عليها الأضداد، كتاب ابن الأنباري الذي يعد من أفضل كتب الأضداد وأوسعها، مما جعلني أختار هذا الكتاب للبحث والدراسة، وعند قراءتي للكتاب رأيت أن أقسم البحث إلى ثلاثة فصول، وقبلها مهّدت للحديث بتعريف الأضداد وآراء اللغويين في هذه الظاهرة، ثم شرعت في الفصل الأول في بيان حياة ابن الأنباري وثقافته، وكتابه، وأهم كتب الأضداد المصنفة.



واشتمل الفصل الثاني على سبب نشوء الأضداد، والأنواع التي ذكرها من الأضداد، والمنهجية التي سار عليها في شروطه، وتتبعت المآخذ التي أخذت على هذا الكتاب.





أما فصل الختام –الفصل الثالث– فتضمن نظرة عميقة للقضايا اللغوية الصرفية والنحوية والبلاغية التي أتى عليها في كتابه لدعم آرائه وتدقيق أحكامه، ثم عرَّجت على أهم شواهد الكتاب ومصادره التي اعتمدها في تقرير معاني الأضداد أو إنكارها.



وفي نهاية المطاف أتيت بجملة من النتائج التي ظهرت لي خلال مسيرة البحث في هذا الكتاب.



التمهيد:


1- تعريف الأضداد:

الضد لغة: كل شيء ضادَّ شيئاً ليغلبه، والسواد ضد البياض، والموت ضد الحياة، والليل ضد النهار، إذا جاء هذا ذهب ذلك، قال ابن سيده: ضد الشيء وضديده وضديدته: خلافه، قال ابن السكيت: حكى لنا أبو عمرو الضد: مثل الشيء، والضد خلافه[1].


وأما اصطلاحاً: فلم يتفق دارسو العربية على تعريف واحد لمفهوم التضاد، ولعل أول من أشار إلى مفهوم الأضداد هو سيبويه (180هـ) حين قسم الألفاظ والمعاني فقال: "اعلم أن من كلامهم اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين، واختلاف اللفظين والمعنى واحد، واتفاق اللفظين واختلاف المعنيين، فاختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين نحو جلس وذهب، واختلاف اللفظين والمعنى واحد نحو ذهب وانطلق، واتفاق اللفظين والمعنى مختلف قولك: وجدتُ عليه من الموجِدة، ووجدت إذا أردتَ وجدانَ الضالة، وأشباه هذا كثير"[2].



وأخذ قطرب (206هـ) الوجهَ الثالث من تقسيم سيبويه الخاص بالمشترك اللفظي، فقال: "فيكون اللفظ الواحد على معنيين فصاعداً، ومن هذا اللفظ الذي يجيء على معنيين فصاعداً ما يكون متضاداً في الشيء وضده"[3]. وهو بذلك يطلق مصطلح الأضداد على ما اتفق لفظه واختلف معناه.



ثم حدّد ابن الأنباري (328هـ) مفهوم الضدية التي أطلقها قطرب فقال: "الحروف التي توقعها العربُ على المعاني المتضادَّة، فيكون الحرف منها مؤدياً عن معنيين مختلفين"[4].



وأتى أبو الطيب اللغوي (351هـ) في كتابه الأضداد، بتحديد معنى الضدية فقال: "والأضداد جمع ضد، وضد كل شيء ما نافاه، نحو البياض والسواد، والسخاء والبخل، والشجاعة والجبن، وليس كل ما خالف الشيء ضداً له، ألا ترى أن القوة والجهل مختلفان وليسا ضدين، وإنما ضد القوة الضعف، وضد الجهل العلم، فالاختلاف أعم من التضاد، إذ كان كل متضادين مختلفين وليسا متضادين"[5].



ويرى عدد من الباحثين المحدثين أن: التضاد فرع من فروع الاشتراك، ولكن قد تختلف دلالتا اللفظ المشترك اختلافاً يبلغ الغاية حتى تكون إحداهما نقيض الأخرى[6].



2- آراء العلماء في الأضداد:


اختلف العلماء في توجيه هذه الظاهرة؛ ففريق يراها حُلة تزهو بها العربية على أخواتها من اللغات، تمدها بمزيد من الامتياز والثراء، وفريق آخر يراها مطعناً على العربية يسلبها بهاء الفصاحة، ويخلع عليها أثواب الغموض.


والحقيقة أن هذه الآراء المتضاربة جاءت في سبيل الوصول إلى قرار حاسم يحدد طبيعة هذه الظاهرة، وليس من المناسب هنا ذكر هذه الآراء؛ لأن المقام لا يسمح بذلك، لا سيّما وأن الكثير من اللغويين والباحثين قد تعرض لهذه الآراء ودوّنها في مؤلفه[7].



ويمكننا أن نوجز آراء الفريقين تماشياً مع مقتضيات هذا البحث، وذلك بذكر الأعلام الذين أيدوا هذه الظاهرة أو أنكروها.



فكل من ألّف في الأضداد يمكن عدّه من المؤيدين لهذه الظاهرة، ومنهم قطرب، وأبو حاتم السجستاني (244هـ)، وابن السكيت (248هـ)، وابن الأنباري، وأبو الطيب اللغوي، وابن الدهان (569هـ)، والصاغاني (650هـ).



ويعدّ محمد بن القاسم الأنباري -الذي خصصنا هذا البحث لتناول كتابه الأضداد- من المؤيدين لهذه الظاهرة؛ فهو يرى أن وقوع الضدّ في كلام العرب أمر جائز؛ لأن سياق الكلام يحدد المراد منه، وفي ذلك يقول: "كلام العرب يصحح بعضُه بعضاً، ويرتبط أوله بآخره، ولا يُعرف معنى الخطاب منه إلا باستيفائه، واستكمال جميع حروفه، فجاز وقوعُ اللفظة على المعنيين المتضادين لأنها يتقدمها ويأتي بعدها ما يدل على خصوصية أحد المعنيين دون الآخر، ولا يراد بها في حال التكلم والإخبار إلا معنى واحد"[8].



وأقر ابن سيده (458هـ) في المخصص بوجود الأضداد، فأورد دليلين أحدهما: سماعي والآخر قياسي[9].



أما المحدثون المؤيدون للأضداد فهم كُثر، وقد أوردهم محمد حسين آل ياسين في دراسته للأضداد[10]. ومن المحدثين المتحمسين لهذه الظاهرة توفيق محمد شاهين، إذ عدَّ الأضداد من وسائل تنمية اللغة[11]، في حين ذهب الرافعي مذهباً وسطاً، وعدّ وجود عدد منها في زمن اختلطت فيه اللغات مع بعضها[12]. وهذا ما نجده عند منصور فهمي، وإبراهيم السامرائي الذي درس الشواهد التي جاءت بها الكتب المشتملة على الأضداد وأنكر منها مائة وخمسين لفظة[13].



أما من أنكر هذه الظاهرة، فمنهم ابن درستويه (347هـ) الذي ذكر أن الألفاظ التي تشير إلى معنيين متضادين لابدّ من أن ترد إلى أصلها الذي لا يمكن إلا أن يكون واحداً[14].



وأورد الجواليقي (539هـ) في شرح أدب الكاتب قولاً لثعلب (291هـ) يؤيد ما ذهب إليه ابن دستوريه[15].



ومن المحدثين الذين أنكروا الظاهرة: عبد الفتاح بدوي، إذ عدّها دليلاً على عدم الإبانة، منكراً على ابن الأنباري دفاعه عن الأضداد[16].



ويرى حسين نصار أننا حين "نتبع الأقوال التي أتى بها المنكرون لدعم رأيهم لا نجد فيما بين أيدينا من مراجع غير أقوال قليلة لا تدل على حقيقة موقفهم دلالة كافية"[17].



وبعد هذه الجولة الموجزة في آراء العلماء أرى الأمور الآتية:


1- إن من التعسف بمكان نفي ظاهرة الأضداد جملةً وتفصيلاً؛ فهذا أمر واقع لا مفر منه، ولا أرى فيه عيبًا على لغتنا العربية.

2- إن المتتبع لعدد من الألفاظ التي أوردها أربابُ اللغة وجعلوها من الأضداد يجد الغلو والتكلف في تفسير معانيها، والأولى إخراجُها من الضدية.

3- إن من ألّف في الأضداد كصاحبنا الأنباري، لم يؤلفوها إلا لقناعتهم بهذه الظاهرة، ومن أنكر هذه الظاهرة كثعلب لا يسير على إنكاره في مواضع أخرى، فقد أورد أمثلة على الأضداد في مجالسه[18].


المبحث الأول





حياة ابن الأنباري وثقافته

ذكر الزبيدي (379هـ) في طبقاته أن اسمه: أبو بكر محمد بن القاسم بن محمد بن بشار بن الحسين بن بيسان بن سماعة بن فروة بن قطن بن دعامة الأنباري، ولد في بغداد يوم الأحد، لإحدى عشرة ليلة خلت من رجب سنة إحدى وسبعين ومائتين، ونشأ في كنف أبيه القاسم، وكان أحد أعلام الأدب في عصره، وأخذ عن أحمد بن يحيى المعروف بثعلب، وكان أنجبَ طلابه وألمعَهم، كما أخذ عن إسماعيل القاضي، وأبي العباس الكديمي، وأحمد بن الهيثم البزاز وطبقتهم، ولم يلبث أن أصبح إماماً في اللغة والنحو والأدب والتفسير، وعدّ من أعلام الطبقة السادسة من النحويين الكوفيين أصحاب ثعلب[19].


وتحدث عنه ثلةٌ كبيرة من أرباب اللغة والمؤرخين، لما كان يتمتع به من علم وثقافة ومؤلفات كثيرة.



ذكر ابن النديم أنه "في غاية الذكاء والفطنة، وجودة القريحة، وسرعة الحفظ، وكان مع ذلك ورعاً من الصالحين، لا يعرف حرمة ولا زلة، وكان يُضرب به المثل في حضور البديهة وسرعة الجواب"[20].



أتقن علوم القرآن والحديث واللغة والرواية، وكان عالماً بالنحو الكوفي[21]، وحفظ المئات من الشواهد المختلفة، وله مؤلفات عدة، وقد ذكرها محمد أبو الفضل إبراهيم، وهي[22]:


1- أدب الكاتب، ذكره ابن النديم وياقوت.

2- الأضداد، وهو ما أفردناه بالبحث.

3- الأمالي، ذكره ياقوت.

4- الألفات، ومنه نسخة بمكتبة لاله لي.

5- إيضاح الوقف والابتداء، مطبوع.

6- الرد على من خالف مصحف عثمان، ذكره ياقوت.

7- الزاهر في معاني كلمات الناس، مطبوع.

8- شرح القصائد السبع الطوال.

9- شرح المفضليات، طبع بمطبعة الآباء اليسوعيين.

10- ضمائر القرآن، ذكره صاحب كشف الظنون، ونقل عنه الزركشي في البرهان.

11- غريب الحديث، ذكره ابن النديم.

12- الكافي في النحو، ذكره ابن النديم وياقوت.

13- اللامات، ذكره ابن النديم وياقوت.

14- المجالس، ذكره القفطي وسماه ياقوت (المجالسات).

15- المذكر والمؤنث.

16- مسائل ابن شنبوذ، ذكره ابن النديم وياقوت والقفطي.

17- المشكل في معاني القرآن، ذكره ابن النديم وياقوت وابن خلكان.

18- المقصور والممدود، ذكره ابن النديم وياقوت والقفطي.

19- الهاءات في كتاب الله عز وجل، ومنه نسخة مخطوطة في باريس.

20- كتاب الهجاء، ذكره ابن النديم وياقوت.

21- الواضح في النحو، ذكره ابن النديم وياقوت.

أما وفاته فقيل: (327هـ) وقيل (328هـ)، وهو المشهور.


كتاب الأضداد


سبب التأليف:

ذكر ابن الأنباري أن الدافع لتأليفه الكتاب هو الرد على الطاعنين في لغة العرب، واصفاً إياهم بأهل الزيغ والشعوبيين، فقال: "هذا كتاب ذكر الحروف التي تُوقعها العربُ على المعاني المتضادة، فيكون الحرف منها مؤديًا عن معنيين، ويظنُّ أهل البدع والزيغ والإزراء بالعرب، أن ذلك كان منهم لنُقصان حكمتهم، وقلة بلاغتهم، وكثرة الالتباس في محاوراتهم"[23].


ويعقبّ محمد حسين آل ياسين على قول الأنباري: بأنه "يشير هذا إلى دوافع الكتاب ويرسم لنفسه الطريق، ثم يحاول بعد ذلك أن يجيب على ما أثار أهل البدع والازدراء بالعرب بأجوبة مختلفة تفنّد أشكالهم في الالتباس الذي يحصل من جرّاء انصراف اللفظة الواحدة إلى المعنيين المتضادين"[24].



ولم يقتصر داعي التأليف على رد ادعاء أهل البدع والزيغ، وإنما اشتمل على جميع ألفاظ الأضداد من مظانها والتوسع فيها وزيادة ألفاظ أخرى، قال الأنباري: "وقد جمع قومٌ من أهل اللغة الحروفَ المتضادّة، صنفوا في إحصائها كتباً نظرت فيها، فوجدت كل واحد منهم أتى من الحروف بجزء، وأسقط منها جزءاً، وأكثرهم أمسك على الاعتلال لها، فرأيت أن أجمعها في كتابنا هذا على حسب معرفتي، ومبلغ علمي، ليستغني كاتبُه والناظر فيه عن الكتب القديمة المؤلفة في مثل معناه إذا اشتمل على جميع ما فيها، ولم يعدم منه زيادة الفوائد، وحسن البيان، واستيفاء الاحتجاج، واستقصاء الشواهد"[25].



فنرى ابن الأنباري مندفعاً إلى الإحصاء غير الواعي، ليكون هذا مجالاً للمكاثرة بالمادة والمفاخرة بالعلم والتوسع بالرواية والنقل، وإن كان قد عرض أيضاً إلى هذه التفسيرات السابقة وغيرها في أثناء معالجته لبعض الألفاظ في الكتاب[26].



وأرى أننا يمكن أن نضيف أمرين، أحدهما: أننا لا يمكن أن نَغفُل عن الوازع الديني وأثره في المحافظة على لغة القرآن الكريم، فهو من الأسباب التي دفعت اللغويين والباحثين إلى جمع ألفاظ اللغة، والغوص في بحورها، واستخراج كنوزها، وهذا ما قام به ابن الأنباري في هذا الكتاب.



الآخر: لا نجانب الصوابَ إذا قررنا أن أثر ابن الأنباري في هذا الكتاب كان أعظم من غيره ممن ألَّف في الأضداد، فقد دافع ابنُ الأنباري عن اللغة العربية عندما طعن الأعداء فيها لوجود ظاهرة الأضداد، أما غيره من اللغويين فقد دافعوا عن هذه الظاهرة من خلال إثباتها، ولكونها لا تمس اللغة العربية بسوء، ولعمري إن البون شاسع بين دفاع صاحبنا ودفاع غيره، وإن كان ذلك كله يصب في مصلحة اللغة العربية.



أهمية كتاب الأضداد:


يُعد كتاب الأضداد لابن الأنباري من أجلّ ما ألف في موضوع الأضداد، وأكمل المحاولات الجادة لدراسة هذه الظاهرة، بما اشتمل عليه من مواد لغوية وشواهد مختلفة ونصوص لأرباب اللغة، ومناقشة لآرائهم، وتأييد بعضها وتفنيد الآخر، فنهل منه الدارسون والباحثون، لأنه يمثل مرحلة النضج في التأليف اللغوي لهذه الظاهرة.


وقد أثنى عليه جل المؤلفين، واللغويين والمؤرخين في كتبهم اللغوية[27]، كما أثنى عليه من حقق هذا الكتاب، فقال أبو الفضل: أعظم هذه الكتب خطراً، وأوسعها كلماً، وأحفظها بالشواهد"[28].



وذكر الدسوقي أن كتاب الأنباري جاء "بجميع ما ضمته كتب الأضداد من قبله، ويزيد عليها ما اهتدى إليه، ويناقشها مبدياً رأيه فيها، موضحاً المراد منها..."[29].



ويمكننا أن نجمل أهمية الكتاب في النقاط الآتية:


1- تتجلى أهمية الكتاب في دفاع ابن الأنباري عن اللغة العربية، وإثبات هذه الظاهرة اللغوية، ورده على أهل البدع والزيغ والازدراء.


2- أتى ابن الأنباري بجميع الألفاظ التي ذكرها من سبقه وزاد عليها ألفاظاً أخرى، وقد أحصى أيوب سالم في رسالته الألفاظ التي انفرد بها ابن الأنباري[30]، إذ انفرد عن قطرب بمائة وخمس وثمانين لفظة، وعن الأصمعي (216هـ) بمائتين وأربع وثمانين لفظة، وعن ابن السكيت بمائتين وسبع وسبعين، وعن أبي حاتم السجستاني بمائتين وإحدى وثلاثين، وعن أبي الطيب بمائتين وثلاث وعشرين، وعن ابن الدهان بمائة وإحدى وخمسين، وعن الصاغاني بمائة وثمانين لفظة.



وذكر حسين نصار أن ابن الأنباري قد ذكر جميع ما في أضداد ابن السكيت وأبي حاتم السجستاني ما عدا قريباً من ثلاثين أهملها لشكه فيها، وجميع ما في أضداد قطرب غير اثني عشر ضداً، وكان قطرب قد انفرد بعشر منها[31].



3- يعد الكتاب من أهم المدونات اللغوية وأكملها نضجاً، ويأتي ذلك بسبب العصر الذي كان فيه ابن الأنباري؛ إذ بلغت فيه المصنفات اللغوية الذروة من خلال موضوعاتها وطريقة عرض المادة، ووصف آل ياسين الكتاب بقوله: "إنه مرحلة جديدة من التأليف في الأضداد، إذ ألفه ابنُ الأنباري متأثراً بمحاولات سابقة: الفراء (207هـ) والأصمعي، وأبي عبيدة (209هـ)، وثعلب وغيرهم، محاولاً أن يجمع بينها ليكمل بعضها بعضا، مضيفاً إليها من بحثه الخاص، بمنهج أكثر شمولاً ونضجاً"[32].



4- تميز الكتاب عن غيره من كتب الأضداد بزيادة أنواع فيه؛ فلم يقتصر على الألفاظ، وإنما تعدى إلى ذكر ما يفسر من القرآن تفسيرين متضادين، وما يفسر من الحديث النبوي تفسيرين متضادين، وما يفسر من الشعر تفسيرين متضادين، وما يفسر من قول العرب تفسيرين يشبهان الأضداد[33].



5- كما يعد هذا الكتاب المنطلق الذي انطلق منه الدارسون في دراساتهم اللغوية الحديثة ولا سيّما في السياق والدلالة. يقول آل ياسين: "إن ابن الأنباري هو أول من فسر التضاد، فانفتح لكثير من الباحثين الغربيين والعرب هذا الباب، فراحوا يفسرون المشترك بالسياق أيضاً، وأيدوا هذه الفكرة بالنسبة للأضداد"[34].



والحقيقة أن تعرف الأبعاد أو المجالات الدلالية للكلمات والتراكيب اللغوية المكتسبة من الأضداد لابن الأنباري تمكن الباحث من استغلال الطاقات المتوافرة في الألفاظ التي جاءت فيه، للتعبير عن مكنونات النفس، ودقائق الفكر، ونوازع الوجدان، بما يتلاءم مع جميع الظروف النفسية والاجتماعية، ومع السياقات اللغوية المختلفة.


وللموضوع تتمة


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 34.39 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 33.77 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (1.81%)]