عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 18-01-2022, 10:16 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 85,172
الدولة : Egypt
افتراضي { أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون }

{ أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون }
محمد بن حسن أبو عقيل



الخطبة الأولى


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فيا عباد الله، فإنه بالنظر والتأملِ في الزراعة والمزروعاتِ، وما يتعلقُ بها، نَجِدُ أنَّ الزرعَ لا يَنبُتُ ولا يَنمو إلا بما يُقدِّرُه اللهُ تعالى له من إنزالِ الغيثِ وسَقْي الأرض، ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ﴾ [الحج: 63]، ﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [فصلت 39].



وأنَّ الزارعَ هو اللهُ سبحانه وتعالى؛ كما قال عز وجل:﴿ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ ﴾ [الواقعة: 63]، ﴿ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ﴾ [الواقعة: 64]؛ يقول السعدي رحمه الله في تفسيره ﴿ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ﴾؛ أي: أأنتم أخرجتموه نباتًا من الأرض؟ أم أنتم الذين نَمَّيتموه؟ أم أنتم الذين أخرجتم سُنبلَه وثمرَه حتى صار حَبًّا حَصيدًا وثَمرًا نضيجًا؟ أم اللهُ الذي انفردَ بذلك وحده، وأنْعَمَ به عليكم؟ وأنتم غايةَ ما تفعلون أنْ تحرثوا الأرضَ وتشُقُّوها وتُلقُوا فيها البذْر، ثم بعد ذلك لا علمَ عندكم بما يكون بعد ذلك، ولا قُدرةَ لكم على أكثرِ من ذلك ومع ذلك، فنبَّهَهُم على أنَّ ذلك الحرثَ مُعرَّضٌ للأخطار لولا حفظُ اللهِ وإبقاؤُه لكم بُلْغَةً ومَتاعًا إلى حين"[1].



وقد جعل الله الأجر العظيم للمزارع الذي يزرعُ فيأكلُ من مزرعته الطيرُ أو البهيمةُ أو الإنسانُ، كما أخبر بذلك النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فعن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما مِن مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ منه طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَّا كانَ له به صَدَقَةٌ)[2]، وفي هذا الحديثِ: بَيانُ فضْلِ الزِّراعةِ، والعمَلِ بالحَرْثِ. وفيه: الحضُّ على عِمارةِ الأرضِ ليَعيشَ الإنسانُ بنفْسِه، أو مَن يَأتي بعْدَه ممَّن يُؤجَرُ فيه.



واعلموا عباد الله أنَّ تَكبُّرَ الإنسانِ وطغيانَه، بسبب النعمةِ، ونسيان المنعمِ، ومنع حقِّ الفقير، قد يكون سببًا في مَحقِ البَرَكةِ وعقوبةِ الله تعالى كما في قصة أصحاب الجَنَّة؛ حيثُ "اغتروا حين زهَتْ ثمارُ جنَّتِهم وأينعتْ أشجارُها، وحانَ وقتُ صَرامِها، وجَزموا أنها في أيديهم، وطوع أمرِهم، وأنه لا يمنَعُهُم مانعٌ منها، ولهذا أقسموا وحَلفوا من غير استثناءٍ أنهم سيَجُذُّونها في الصباح الباكر، وسيمنعونَ الفقراءَ والمساكين من دُخولِها، ولا يُعطونَهم حقَّهم منها، ولم يعلموا أنَّ اللهَ بالمرصاد، وأنَّ العذابَ سيَخلُفُهم عليها ويُبادرُهم إليها؛ حيثُ نزلَ العذابَ ليلًا على بُستانهم وأُبيدتْ أشجارُهم وثِمارُهم، وهم لا يشعرون بهذا الواقع المؤلم، ولذلك تنادَوا فيما بينَهم لما أصبحوا: ﴿ أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ ﴾ [القلم: 22]، فانطلقوا قاصدين لها وهم يتخافتونَ فيما بينَهم بمنعِ حقِّ اللهِ، وبَكَّروا قبلَ انتشار الناسِ وتواصَوا بمنع الفقراءِ والمساكين، فلما وصلوا بستانَهم، ورأوا ما حلَّ به من الدَّمار ظنَّوا أنهم تائهون عن بُستانهم، فلما تحققوا ورجعت إليهم عقولُهم قالوا: "بل نحنُ محرومون"، وعرفوا حينئذٍ أنها عقوبةٌ لهم، فقال أعدلُهم وأحسنُهم: "ألم أقل لكم لولا تُسَبِّحون"، فاستدركوا بعد ذلك، ولكن بعد وُقوعِ العذابِ على جَنَّتهم وزُرُوعِهم وثمارِهم، فقالوا: "سُبْحانَ ربنا إنا كنا ظالمين"، وندموا ندامة عظيمة، وتلاومُوا فيما بينهم واعترفوا بذنبهم، ورجوا الله أن يبدلَهم خيرًا منها[3].



أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلَا يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ * فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ * أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ * فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ * وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ * فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ * قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ * عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ * كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [القلم: 17 - 33].



بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بالآيات والذكر الحكيم، إنه تعالى جواد كريم ملك بَر رؤوف رحيم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.





الخطبة الثانية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فيا عباد الله، أُوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى والتوكلِ عليه في كل شيء، وإخراجِ الزكاة كما أمر بذلك ربُّ العباد في قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ [الأنعام: 141].



عباد الله، إنَّ هذا الكَوْنَ مُلْكُ الله، فالله ربُّهُ وخَالِقُهُ والمُتَصَرِّفُ فيه، وإذا اسْتَقَامَ العَبْدُ على أمر الله، أَمَرَ الله الكَوْنَ بِرِعَايَتِهِ، والتَّصَرُّفِ بمَا فيهِ خَيْرُهُ وصَلاَحُهُ، وقد ورد حديثٌ فيهِ عِظاتٌ وعِبَر، وهو خَبَرٌ عن مُزارعٍ صالحٍ أَمَرَ الله السَّحابَ بِسَقْيِ مزرعتهِ، لاستقامَتِهِ على أَمْرِ الله فِيهَا، وهذا ليس خاصًّا به، فَكُلُّ من كانَ كذلكَ باركَ اللهُ لهُ فيما أَعْطَاهُ؛ روى مُسلمٌ في صحيحِه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "بَيْنَا رَجُلٌ بِفَلاَةٍ مِنْ الْأَرْضِ، فَسَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابَةٍ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلاَنٍ، فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ، فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ، فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ قَدْ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ الْمَاءَ كُلَّهُ، فَتَتَبَّعَ الْمَاءَ، فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ، يُحَوِّلُ الْمَاءَ بِمِسْحَاتِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: فُلَانٌ لِلاسْمِ الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ. فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، لِمَ تَسْأَلُنِي عَنْ اسْمِي؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ يَقُولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلاَنٍ لِاسْمِكَ فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا؟ قَالَ: أَمَّا إِذْ قُلْتَ هَذَا، فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ، وَآكُلُ أَنَا وَعِيَالِي ثُلُثًا، وَأَرُدُّ فِيهَا ثُلُثَهُ"[4].



وهكذا نرى أنَّ الصَّدقةَ تَحْفَظُ المالَ وتُزَكِّيهِ وتُبَارِكُهُ، وأنَّ نَفَقَةُ المرءِ على عيَّالِهِ واجبٌ أَوْجَبَهُ الله عَلَيْهِ، وأنَّ رِعَايَةُ البُسْتَانِ بالَحَرْثِ والتَّسْمِيدِ والسَّقيِ مِنْ أَسْبابِ الحِفْظِ، وبذلكَ يَظْهَرُ لك أنَّ هذا الرَّجُلَ كان يُمَثِّلُ المُزارعَ المُسْلِمَ، الَّذي يَعْرِفُ حقَّ ربِّهِ عليهِ، كما يَعْرِفُ حَقَّ نَفْسِهِ وأَهْلِهِ، وهو في الوَقْتِ ذاتِهِ خَبِيرٌ بالطَّريقةِ العِلْمِيَّةِ لإِصْلاحِ الأرضِ واستِثْمَارِهَا.



وفي القصّة أيضًا الإشارة إلى قيمةِ العملِ ومكانتِه عند المسلم، فالرجلُ ما اعتزلَ الدنيا أو ترَكَها وراءَ ظَهْرِه، ولكنَّه جَدَّ واجتهدَ، وبَذلَ الأسبابَ، وسعى وراء الرّزق، ثم تصدَّقَ من مالِه، وهذا هو حالُ الأمَّةِ العاملة تَبني وتُشيِّدُ، وتَجِدُّ وتَسعى، حتى تنالَ مكانتَها بين الأمم.



فاتقوا الله عباد الله، وصلُّوا وسلِّمُوا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: ﴿ (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) ﴾ [الأحزاب:56]. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين وعن سائر الصحابة أجمعين وعن التابعينَ لهم، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنِّك وفضلك وإحسانك يا أرحم الراحمين.



اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًّا وسائر بلاد المسلمين، اللهم انصُر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين، اللهم آمنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمتنا وولاة أمورنا.



اللهم وفِّق ولي أمرنا لما تُحب وترضى، وهيِّئ له البطانة الصالحة يا رب العالمين.




ربَّنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننَّ من الخاسرين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.



عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلًا إن الله يعلم ما تفعلون، واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.









[1] السعدي، تيسير الكريم الرحمن، ص 835.




[2] صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 2320.




[3] السعدي، تيسير الكريم الرحمن، ص 880.




[4] صحيح مسلم الصفحة أو الرقم: 2984.









__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 24.44 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 23.82 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (2.54%)]