عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 05-08-2021, 07:00 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 72,609
الدولة : Egypt
افتراضي ثلاثة يحبهم الله تعالى

ثلاثة يحبهم الله تعالى (1)

أحمد عبدالله صالح

أمّا بعدُ أحبتي الكرام:
يتنافس الناس في أن يحبهم الناس، ويتطلبون ذلك عبرَ كل وسيلة، دوراتٌ تقام لكسب القلوب، وكتبٌ لطرائق الوصول لقلوب الناس، ولا تثريب في هذا، فقد قال أبو هريرة لنبينا: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يُحَبِّبَنِي أَنَا وَأُمِّي إِلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَيُحَبِّبَهُمْ إِلَيْنَا، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: « اللهُمَّ حَبِّبْ عُبَيْدَكَ هَذَا يَعْنِي أَبَا هُرَيْرَةَ وَأُمَّهُ إِلَى عِبَادِكَ الْمُؤْمِنِينَ، وَحَبِّبْ إِلَيْهِمِ الْمُؤْمِنِينَ ».

كل هذا حَسَنٌ، ولكن ماذا عن محبةِ الله؟!
كم هو عظيم أن تكون بين الناس، والله مِنْ فوق سماواته يحبك ويرضى عنك، إنّه واللهِ لَلشَّرَفُ الأسنى والربح الأعلى أن يحبك المولى جل وعلا.

ألا هل أحدثكم بحديثٍ عن خبر ثلاثة يحبهم الله؟!
مَنْ هم؟ وما صفتهم؟ علّنا نتأسَّى بهم ونقتدي!

روى الترمذي في "سننه" عن أبي ذر رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: « ثلاثة يحبهم الله، وثلاثة يبغضهم الله، أمّا الذين يحبهم الله: فرجلٌ أتى قومًا فسألهم بالله، ولم يسألهم بقرابة بينهم، فمنعوه، فتخلَّف رجل بأعقابهم فأعطاه سِرًّا، لا يعلم بعطيته إلا اللهُ والذي أعطاه..

وقومٌ ساروا ليلتهم، حتى إذا كان النوم أحبَّ إليهم مما يعدل به، نزلوا فوضعوا رؤوسهم، فقام يتملقني ويتلو آياتي.. ورجلٌ كان في سرِية، فلقوا العدو فهُزموا، فأقبل بصدره حتى يُقتل، أو يفتح اللهُ له ».

إخواني المسلمين:
حديثُ جمعتنا اليوم سيركز على هؤلاءِ الثلاثة الذين يحبهم الله.. أمّا الثلاثة الذين يبغضهم الله فسيكون لنا موعد معهم في الجمعةِ القادمة، إن شاء الله تعالى.

وأول صنفٍ قف معه من هؤلاء الثلاثة الذين يحبهم الله:
المنفق سِرًّا، لا يعلم بعطيته إلا الله، ومن أعطاه، ربما أنفق فلم تعلم شمالُه ما أنفقت يمينُه، من شدة إخفائه، وما أشرف الصدقة حين يُسَرُّ بها، وما أشرف العمل حين يكون بينك وبين الله تعالى فروعة الصدقة حين يبذلها المنفق فيخفيها، ثم ينساها فلا يذكرها ولا يشهِّر بها، وفي التنزيل: ﴿ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 271].

كثيرون هم الذين يتصدقون، ولكن أخطر داء يُبطل الصدقةَ إشاعتُها والمنُّ بها.. يأتيه المحتاج بينه وبينه، فلا يجلس مجلسًا إلاّ وأخبر بأنّه هو مَنْ أنفق على هذا الفقير، أو هو من أخرجه من السجن، فيظل الفقير يعيش مغبةَ تلك الصدقة التي أُلحِقَت بالمنِّ والأذى، وربنا يقول: ﴿ لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى ﴾ [الْبَقَرَةِ: 264].

لذا حين يُنعمُ اللهُ عليكَ بالمال لا تنسَ المحتاجين من صدقاتك، فلئن أعطاك اللهُ مسكنًا يأويك، وفراشًا ولباسًا يُدفئك، وطعامًا يسد جوعك، فإنّ لك إخوانًا هنا وهناك ومنهم في بلدك وحواليك فتفقَّد حالهم، وَمُدَّ يدَ العون لهم، واستشعر أنّ الفضل لله الذي أعطاك، ثمّ للصدقة وفقك وتولاك، وجعلك المعطي ولم يجعلك السائل.


وبعدَ هذا فَانْسَ صدقتَكَ، وإحسانك، فهو مدخَّر عند من لا تخفى عليه الخوافي، وشتّان بين من يعمل الطاعة لا يعلم بها إلاّ اللهُ، ومن يعمل العمل فيُذيعه بين الناس.

قبل فترةٍ من الزمن سألت أحدَ الأغنياء الموسرين: هل أوقفتَ من مالك شيئًا!؟
فقال: لا، وبعد ساعاتٍ فقط أخبرني على عزمه بتوقيف عددٍ من عقاراتِه على عدد من أبواب البرّ، ويريد أن يكون هذا باسم غيره حتى لا يُعرف اسمُه، واشترط ألاّ يعلم بذلك حتى أقاربه..

وامرأةٌ أخرى تبرعت بإقامة مسجد كبير في إحدى المناطق، فأراد النّاس أن يعرفوا اسمها ليوافوها بتقارير فقالت: لا أحتاج لكل هذا، المال أعطيته لموثوق وسأجد تقريره يوم أن ألقى الله.

إنّها نماذج بحمد الله كثيرة وأمثالهم كثير ممّن لا يرجون من صدقاتهم سمعةً ولا شهرةً ولا يريدون أن تذاع أسماؤهم على الملأ أو يعلم بصنيعهم القاصي والداني إنَّما كل ما يتمنوه هو وجه الله: ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا ﴾ [الإنسان: 9].

فهنيئًا لمن بذلوا الإحسان وأنفقوا في وجوه البر، وأرغموا الشيطان، وأسرّوا بأعمالهم ولم يُطلعوا عليها أيَّ إنسان، هنيئًا لهم محبةَ الرحمن.

أحبتي الكرام:
أمّا الصنف الثاني ممّن يحبهم الله جلّ وعلا:
فهو ذلكم الرجل الذي رَكِبَ مع القوم فساروا يومَهم أكملَه، حتى بلغ بهم العناءُ مبلغَه، وحين وقفوا ليلَهم كان النومُ أحبَّ إليهم مما يُعْدَل به، فنزل القومُ وناموا، وأما هو فلأنه يحبُّ ربَّه قام يصلي لربه ويتلو آياته، ولا عجب فقد أطار حبُّ اللهِ نومَه، وأذهب فرحُه بمقابلته تعبَه وعناءَه، فتفضل عليه ربُّه بأن أعانه ولعبادته وفقه، وجعل ذلك سببًا لنيل محبته ورضوانه.

هذه حاله مع قيامِ الليل، التعبُ ينازعه للنوم، والدفءُ يؤزُّه إليه، فيقيمه شوقُه لربه، يفرش فراشه، ثم يضع يدَه عليه، ويقول: واللهِ إنك لَلَيِّنٌ، لكن فراش الجنة ألْيَنُ، فيقوم ليله وما أصعب ذلك إلا لمن وُفِّقَ:
إِذَا مَا اللَّيْلُ أَظْلَمَ كَابَدُوهُ
فَيُسْفِرُ عَنْهُمُ وَهُمُ رُكُوعُ

أَطَارَ الْخَوْفُ نَوْمَهُمُ فَقَامُوا
وَأَهْلُ الْأَمْنِ فِي الدُّنْيَا هُجُوعُ


تذكرتُ وأنا أسمع هذا حالَ بعض إخواننا ممّن أصحَّ اللهُ أبدانهم وسلَّم قواهم، وآمَن بلدانَهم، تبحث عنهم في جنباتِ المسجد لصلاةِ الفجر، وهي فريضةٌ فلا تراهم، يتعلل هذا بالتعب، وهذا بالبرد، ولو امتلأت قلوبنا حُبًّا لربنا لأيقظنا الشوقُ للقائه، ولكن ضَعُفَ ذلك فعسُر علينا.

واللهِ لا سواء بين من يهجر فراشَه ليقوم لبيت ربه وللقاء خالقه، وبين من يمكث فيه ويفوِّتُ الصلاة عن وقتها، أو يصلي ولكن في بيته..

فطوبى للموفَّقين، والمحافظين على الصلوات في بيت رب العالمين: "بَشِّرِ المشائينَ في الظُّلَم إلى المساجد بالنور التامّ يوم القيامة“.

أمّا الصنفُ الثالثُ ممّنْ يحبهم ربُّ العزةِ والجلال:
فهو رجلٌ كان في سَرِيَّة، فلقوا العدوَّ فهُزموا، فأقبل ذلكم الرجلُ بصدره حتى يُقتلَ، أو يفتحَ اللهُ له، لسان حالِه إمّا النصر وإمّا الشهادة، قد امتلأ قلبه شجاعةً، وإقدامًا، وبحثًا عن مرضاةِ الله تعالى يُقدِمُ على الموت، يُلقي بنفسه في الهلكة، لكنها هلكة دنيا ليحيا في الآخرة، وليرفع كلمة الله عاليةً، فكان جزاؤه أن يكون ممن يحبهم الله، وذلك وربي غاية الشرف، اللهم أَنِلْنَا حبَّكَ، واعمر قلوبنا برضاك.

أقول ما سمعتم واستغفروا الله لي ولكم ويا فوز المستغفرين..

الخطبة الثانية
أمّا بعدُ أحبابي الكرام:
فأحدثكم اليوم عن ثلاثة من الناس يحبهم الله فكما روى الترمذي في "سننه" عن أبي ذر رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: « ثلاثة يحبهم الله، وثلاثة يبغضهم الله، أمّا الذين يحبهم الله: فرجلٌ أتى قومًا فسألهم بالله، ولم يسألهم بقرابة بينهم، فمنعوه، فتخلَّف رجل بأعقابهم فأعطاه سِرًّا، لا يعلم بعطيته إلا اللهُ والذي أعطاه..

وقومٌ ساروا ليلتهم، حتى إذا كان النوم أحبَّ إليهم مما يعدل به، نزلوا فوضعوا رؤوسهم، فقام يتملقني ويتلو آياتي..
ورجلٌ كان في سرية، فلقوا العدو فهُزموا، فأقبل بصدره حتى يُقتل، أو يفتح اللهُ له ».

أحبتي الكرام:
إنّنا حينما ننظر ونتأمل جيدًا إلى الجامع المشترك لهذه الأعمال الثلاثة بعد الإخلاص لله تعالى نجده في الخفاء والسر، فهي أعمال خفية لا يكاد يطلع عليها إلاّ صاحبها أو هو ومن فعلت معه، ولم يعرف بها أحد من الخلق.

وعبادةُ السرِّ وطاعات الخفاء أجل القربات، وأعظم ما تفرج به الكربات، وتسمو به الدرجات وتكفر به السيئات.. وهي زينة العبد في خلوته، وزاده من دنياه لآخرته ودار كرامته.

عبادةُ السرِّ وطاعةُ الخفاء دليل الصدق، وعنوان الإخلاص، وعلامة الإيمان وحب الرحمن؛ فلذلك لا تكون إلاَّ من صاحبِ قلب ملأ حبُّ الله سويداءه، وعمرت الرغبة فيما عند الله أرجاءه، فأنكر نفسه وتجرد لله لا يرجو إلا رضاه.

ولهذا كان هذا النوع من العبادة أشق ما يكون على المنافقين، وأصعب ما يكون على الكذابين، ولا مكان له عند المدعين المرائين، لأن المرائي إنما يعمل ليراه الناس، ويحسن ليمدحوه أو يحمدوه، والمؤمن الصادق إنما يريد وجه الله فيجتهد أن يخفي عمله عن المخلوقين.

جاء رجل إلى حذيفة بن اليمان يسأله: هل أنا من المنافقين؟
فقال له: أتصلي إذا خلوت، وتستغفر إذا أذنبت؟ قال: نعم.

قال: اذهب فما جعلك الله منافقًا؛ ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [النساء: 142].


أحبتي الكرام:
حديثُ جمعتنا القادمة إن شاء الله سيكون حول ثلاثة أصنافٍ من النّاس يبغضهم الله جل وعلا، وحتى ذلكم الحين اللهم ارزقنا حبك وحبّ من يحبك وحبّ كل عملٍ يقربنا إلى حبك..

﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56]...
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 24.54 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 23.92 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (2.54%)]