عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 20-02-2019, 06:43 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 13,673
الدولة : Egypt
افتراضي عوامل سقوط الأندلس.. دراسة تحت مجهر السنن الاجتماعية

عوامل سقوط الأندلس .. دراسة تحت مجهر السنن الاجتماعية
رشيد كهوس


إن قصة سقوط الأندلس قصة مؤلمة جداً؛ تؤلمنا أحداثها، وتؤلمنا أرواح الأعداد الهائلة من الشهداء الذين سقطوا على أرضها، وتؤلمنا النساء اللواتي انتهكت أعراضهن، ويؤلمنا الخونة الذين خانوا أمتهم من بني جلدتنا، ويؤلمنا أننا فقدنا بفقدها تاريخاً عريقاً ومجداً تليداً، ونحن نعلم أن هذا المجد وذاك التاريخ قد انتهى وضاع، وصارت الأندلسُ الفردوسَ المفقود.. إلا أنه لا بد من قراءة هذا التاريخ والمجد وكيف ضاع، وكيف سلب منا، وكيف سقطت الحضارة الأندلسية بعد بناء دام قروناً عديدة. وإنه بلا شك بقراءتنا السننية لتاريخ الأندلس، سنصل إلى نتيجة مهمة ونافعة للأمة في حاضرها ومستقبلها؛ نتيجة كيف تقام الأمجاد وكيف تسقط، نتيجة كيف تبنى الحضارات وكيف تهدم، نتيجة كيف تشرق شمس أمة وكيف تغيب، وكيف يبزغ فجرها وكيف يأفل.
إن تاريخ الأندلس بصفحاته الطويلة تظهر فيه سنن الله في النصر والهزيمة والقيام والسقوط جلية واضحة.. وفيه من الدروس والعبر الكثير الكثير.
ويمكن إجمال أهم سنن سقوط الأندلس فيما يلي:
حب الدنيا وكراهية الموت:
حقق طارق بن زياد - رحمه الله - وجنده نصراً مؤزراً في وادي بَرْبَاط، حيث انتصر المسلمون وهم 12 ألفاً على 100 ألف من أعدائهم الفرنجة. ثم أخذ طارق بن زياد جيشه بعد انتهاء المعركة مباشرة واتَّجه شمالاً؛ لفتح بقيَّة بلاد الأندلس، ففتحها بإذن الله وعونه ونصره لما كان معتزاً بدين الله لا باليهود والنصارى، وكان همه نصرة الإسلام لا العصبية وشهوة السلطة وحب الدنيا، وكان جيشه وجنوده صفاً واحداً لا متفرقين شذر مذر.
لكن هذا النصر الذي حققه طارق وبعده يوسف بن تاشفين وغيرهما - رحمهم الله -، لم يحافظ عليه الذين ملكت شهوة الحكم عليهم كيانهم، وصارت أغلى أمانيهم، ولو قدموا شعوبهم وأرضهم فداء لها.
كان الاستغراق في الترف والتبذير والركون إلى الدنيا وملذاتها وشهواتها ومغرياتها، والخنوع والدعة والميوعة، والفسق والفجور وحب الدنيا وشهوة السلطة؛ أول العوامل التي أدَّت إلى تلك النهاية المؤلمة للأندلس - بلاد العلم والفقه والحضارة -، ولآخر معاقلها "غرناطة"، وقد ارتبطت كثيراً فترات الهبوط والسقوط بكثرة الأموال والانغماس في الملذات، والميوعة الشديدة في شباب الأمة، والانحطاط الكبير في الأهداف.
لقد أصاب أمتنا في الأندلس من العقاب الإلهي ما جعلها فردوساً مفقوداً، ولم تنتبه لتحذير نبيها - صلى الله عليه وسلم - لها من العقاب الذي سيصيبها عندما تتنكب عن سنن الله، وتحيد عن منهاجها المستقيم، بحبها الدنيا - مناط البلاء - وكراهيتها الموت؛ فعَنْ ثَوْبَانَ - رضي الله عنه - قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: ((يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ))[1].
مثَالٌ لاَ أبلغَ منه في تصوير تفكك الأمة، وانفرام عقدها، وخفة وزنها، وَهَوَان قيمتها، وانسياحها في مجاري التبعية الفكرية والسياسية، وتكالب أعدائها عليها من جراء ما كسبت أيديها.
ابتليت الأمة المسلمة في الأندلس بالوهن، وكان سبباً في سقوط حضارة واندثار تاريخ أزيد من ثمانية قرون، وتحولت تلك الحضارة إلى لعبة في يد الفرنجة يعبثون بها ويمحون آثارها.
ولهذا جمع الله لنا في سياق آية من سورة آل عمران أربعة أمراض وأدواء مترابطة بعضها يغذي بعض؛ مما يكون سبباً للهزيمة والوبال، قال الله -تعالى-: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهُم بِإذْنِهِ حَتَّى إذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُم ْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْـمُؤْمِنِينَ )[آل عمران: 152].
هذه الأمراض كما هي مذكورة في الآية، هي:
أولاً: الفشل "فشل الأمير أبو عبد الملك الصغير ثم فشل بفشله جنده ومن معه".
ثانياً: التنازع في الأمر "تنازع ملوك الطوائف على السلطة والإمارة فقسموا الأندلس قطعاً".
ثالثاً: العصيان "عصيان أوامر الله -تعالى- ورسوله الذي أمر بالوحدة والاعتصام بحبله والجهاد لحماية ثغور الأمة، والشورى".
رابعاً: حب الدنيا؛ أصل البلاء ومناطه، وسبب كل خطيئة "لقد كان هم أمراء الأندلس الحفاظ على كراسيهم وسلطتهم ولو قدموا أعناق شعبهم وأراضيهم ثمناً لذلك".
فلما توافرت هذه الأمراض في الأندلس، كانت الهزيمة والسقوط، وفقدنا خير البلاد المسلمة في العالم.
الذنوب والمعاصي:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: ((يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ ! خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ، حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا، إِلاَّ فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلاَفِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا. وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ، إِلاَّ أُخِذُوا بِالسِّنِينَ[2] وَشِدَّةِ الْمَؤُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ. وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ، إِلاَّ مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلاَ الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا. وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ، إِلاَّ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ، فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ. وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ، إِلاَّ جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ))[3].
لقد نقض أمراء الأندلس عهد الله وعهد رسوله، وخانوا أمتهم، وتفرّقوا وتشتتوا وتمزقوا وتنازعوا على السلطة والحكم، وتقاعسوا عن الدفاع عن حمى الإسلام وأهلها، ولازموا الذنوب والمعاصي والمهلكات؛ فحق عليهم القول رغم كثرة عددهم؛ إذ جيش المسلمين لا يُنصَر بالقوة ولا بالعدد والسلاح، لكنه يُنصر بالتقوى.
توحد الأعداء وتمزق المسلمين صفاً وقلوباً:
إن الخلاف والتنازع لا يعطي ثماراً ولا يحقق نصراً ولا يرهب عدواً، فهو مرض خطير عاقبته سيئة ونتائجه وخيمة، ولهذا حذرنا الله -تعالى- من هذا الجرثوم الخبيث، وقدم الأمر بطاعة الله ورسوله على النهي عنه، ما يجعلنا نلمح أن العاصم من هذا المرض الخطير هو الطاعة لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -.
ولله در القائل:
كونوا جميعاً يا بني إذا اعترى *** خطب ولا تتفرقوا أفراداً
تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً *** وإذا افترقن تكسرت آحاداً
لكن أمراء الأندلس لما أفلت حبل الفطرة من يدهم، وارتخت أيديهم عن عروة القرآن؛ تمزقوا شيعاً، وتقطعوا زُبراً، وتعمق الخلاف بينهم، وعاشت الأندلس بعد نهاية الدولة العامرية في تمزق وتشتت، وتحولت إلى ممالك وإمارات وصلت إلى 22 إمارة، كل واحدة مستقلة عن الأخرى، وأصبحت فيما يسمى "ملوك الطوائف".
واتسع شرخ الخلاف والفرقة بينهم، بل استعان بعضهم بالأعداء في الصراع مع إخوانه، وقدم تنازلات من حصون ومدن لعدوه شريطة التغلب على إخوانه، فباع أرضه وخان أمته ووطنه؛ فأضاعوا بلادهم، وأهلكوا أمتهم، وكانوا السبب فيما حل بها من الفتك والقتل والاستعباد والطرد والقتل بأبشع الوسائل الهمجية والوحشية.
التقاعس والتقاعد عن فريضة الجهاد في سبيل الله لحماية الثغور وحماية الناس:
إن الناظر إلى تاريخ الأندلس قبيل سقوطها ليتساءل: أين أولئك الذين نذروا أنفسهم لله وللدفاع عن حمى دين الله ونصرة المستضعفين؟ أين المجاهد الرباني والقائد الحكيم يوسف بن تاشفين، وأين أبو بكر بن عمر اللمتوني؟ وأين طارق بن زياد وغيرهم؟
وإنها لعبرة وعظة حين ننظر إلى أمراء غرناطة، ومَنْ كان على شاكلتهم حين ذُلّوا وأُهينوا لَما تركوا الجهاد في سبيل الله للدفاع عن ثغور الأمة.
ولهذا أدرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مغزى سنة الله في الجهاد وكنهها وأنها ماضية لا تتخلف، فحذر أمته من التخلف عنها وتنكبها: عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: ((إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلاًّ لاَ يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ))[4].
ألم تحصد هذه السنة الإلهية ملوك الطوائف في الأندلس؟ لما تنكبوها وحادوا عن منهاجها ذلوا وخسئوا وسحب من تحتهم البساط وطردوا من قصورهم أذلة صاغرين.
سنة الاعتزاز بغير الله وموالاة اليهود والنصارى:
يقول الله -تعالى- في سنة الاعتزاز بغيره: (وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا)[مريم: 81-82].
سنة إلهية ثابتة:
من اعتز بغير الله خذله وجعل عاقبة أمره خسراً. لما اعتز ملوك الأندلس وأصحاب القوة والجاه فيها باليهود والنصارى، تخلف عنهم التوفيق، وأصبحوا في أمر مريج، حتى أسقطوا بموالاتهم لأعداء الله حضارة ثمانية قرون.. إنه خِذْلانٌ من الله استحق عقابَه شرذمة أرادت العزة في غير الإسلام، فأذلها الله.
إسناد الأمر إلى غير أهله:
كان إسناد الأمر إلى غير أهله أحد عوامل سقوط الأندلس، وكان ذلك واضحاً جداً، خاصة في ولاية هشام بن الحكم، وولاية الناصر بعد أبيه يعقوب المنصور الموحدي، وأيضاً ولاية جميع أبناء الأحمر حتى آخر ملك منهم، وأبو عبد الملك الصغير.
مما يزهدني في أرض أندلس *** ألقاب معتمد فيها ومعتضد
ألقاب مملكة في غير موضعها *** كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد
أسند الأمر إلى الدعة والفسق والفجور والفساد وحب السلطة وموالاة الأعداء على حساب إخوانهم من المسلمين؛ فكانت النتيجة واضحة جداً.. خسرنا الأندلس بكل ما فيها.
الجهل بالدين والتربية على غير مبادئه:
إن الفقه في الدين والتربية الإيمانية يقيان صاحبهما من المهالك والمخاسر والفتن.
ولقد كان للتفقه في الدين والتربية الإيمانية في الأربطة والمجالس؛ قيمة عظمى زمن عبد الله بن ياسين، حيث ربى أعظم أمير ومجاهد رباني يوسف بن تاشفين - خاض معارك خالدة في الأندلس وأعاد للمسلمين عزتهم ومكانتهم وكرامتهم، كما كان للعلم قيمة كبرى زمن الحَكم بن عبد الرحمن الناصر.
لكن للأسف انتشر الجهل بالدين بين الناس في نهاية عهد المرابطين، وفي عهد دولة الموحدين، وسادت بين الناس معتقدات غريبة وآراء عجيبة تدل على الجهل المطبق بالدين وأحكامه ومبادئه وتعاليمه. وخير مثل على هذا الجهل ما كان من غزو محمد بن الأحمر الأول لإشبيلية، وقد تبعه الناس في ذلك ظناً منهم أنهم على صواب، وأنهم أصحاب رسالة وفضيلة، وأي جهل بالدين أكثر من هذا؟!
يتبع

__________________

نصائح للاسرة المسلمة فى رمضان ***متجدد

قراءة القرآن فى رمضان ___متجدد




رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 26.37 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 25.75 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (2.36%)]