عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 08-05-2019, 06:54 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 44,642
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الآداب الشّرعيّة

الآداب الشّرعيّة (5) صور مشرقة في محبّة النبيّ واتّباعه


الكاتب: عبد الحليم توميات










الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، أمّا بعد:

فقد تطرّقنا فيما سبق إلى رأس الأدب مع النبيّ صلّى الله علليه وسلّم، ألا وهو: محبّته وتعظيمه.

ولكنّ هناك قطّاعَ طرق كثيرين، يحولون بين المؤمنين ونبيّهم المصطفى الأمين صلّى الله عليه وسلّم.

فإليك صورا مشرقة من حياة أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ومن تبعهم بإحسان .. صور مشرقة من أدب الصّحابة مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكيف كانوا يمتثلون أمره، ويبادرون إلى طاعته، لأنّهم أيقنوا أنّ طاعته من طاعة الله.



تعالوا ننظر إلى مواقفهم أمام قطّاع الطّرق كالمال، والجاه، والوالد، والولد، والمصالح، والواقع، فلقد كان في قصصهم عبرة لكلّ معتبر، وحجّة قائمة على كلّ متكبّر.

* فأمام سلطان المال:



أزفّ إليك ما رواه مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم رَأَى خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ فِي يَدِ رَجُلٍ، فَنَزَعَهُ فَطَرَحَهُ، وَقَالَ:

(( يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إِلَى جَمْرَةٍ مِنْ نَارٍ فَيَجْعَلُهَا فِي يَدِهِ !)).

فَقِيلَ لِلرَّجُلِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم: خُذْ خَاتِمَكَ انْتَفِعْ بِهِ. قَالَ:" لَا وَاللَّهِ، لَا آخُذُهُ أَبَدًا وَقَدْ طَرَحَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم ".

وروى البخاري ومسلم عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه قال:" بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ ".

زاد ابن حبان:" فكان جرير إذا اشترى شيئا أو باع يقول لصاحبه: اعلم أنّ ما أخذنا منك أحبّ إلينا ممّا أعطيناكه فاختر ".

وروى الطبراني في ترجمة جرير:" أنّ غلامه اشترى له فرسا بثلثمائة، فلمّا رآه جاء إلى صاحبه فقال: إنّ فرسك خير من ثلثمائة، فلم يزل يزيده حتى أعطاه ثمانمائة ".

* وأمام سلطان الجاه:



أنقل لك ما رواه مسلم عن عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ رضي الله عنه قَالَ:

كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم تِسْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً أَوْ سَبْعَةً فَقَالَ: (( أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ ؟! )).

قال: وَكُنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِبَيْعَةٍ، فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ! ثُمَّ قَالَ: (( أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ ؟!)).

فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ! ثُمَّ قَالَ: (( أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ ؟!)).

قَالَ: فَبَسَطْنَا أَيْدِيَنَا وَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ! فَعَلَامَ نُبَايِعُكَ ؟ قَالَ:

(( عَلَى أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَتُطِيعُوا، وَلَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا )).

فَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ.

* وأمام سلطان عاطفة البنوّة:



تعجب ممّا رواه ابن حبان والطّبراني عن أبي هريرة قال:

مرّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على عبد الله بن أبيّ ابن سلول وهو في ظلّ أجمة - مكان فيه أشجار - فقال: قد غبّر علينا ابن أبي كبشة !

فقال ابنه عبد الله بن عبد الله: والّذي أكرمك، والّذي أنزل عليك الكتاب لئن شئتَ لآتينّك برأسه، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

(( لاَ، وَلَكِنْ بَرَّ أَبَاكَ، وَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُ )).

* وأمام عاطفة الأبوّة:



فانظر إلى الصدّيق رضي الله عنه يوم بدر ...

فقد هناك ابنٌ له، في صفوف المشركين، وكان إذا رأى أباه اختفى، فلمّا أسلم بعدُ، قال له:

قد كنت أبتعد عنك حين أراك مخافة أن يسبق سيفي إليك !

فقال أبو بكر: والله لو رأيتك لقتلتك.

* وأمام سلطان المصلحة:



استمع إلى ما رواه مسلم عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ رضي الله عنه عندما نهاهم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن المحاقلة - نوع من أنواع الإجارة على الأرض - قَالَ:

( نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم عَنْ أَمْرٍ كَانَ لَنَا نَافِعًا، وَطَوَاعِيَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَنْفَعُ لَنَا ).

* أمام الواقع المرّ:



فخير مثال بين يديك حادثة أحد المريرة، يوم تخلّف خير النّاس عن مكانهم، فذاقوا وبال أمرهم.

روى أحمد عن ابن عبّاس أَنّه قال:

إنّ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم أَقَامَ الرُّمَاةَ فِي مَوْضِعٍ، ثُمَّ قَالَ: (( احْمُوا ظُهُورَنَا، فَإِنْ رَأَيْتُمُونَا نُقْتَلُ فَلَا تَنْصُرُونَا، وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا قَدْ غَنِمْنَا فَلَا تَشْرَكُونَا )).

فكان ما كان عندما قُدِّم الواقع على النّص، ونزل القرآن مؤدّبا أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم:

{ وَلَقَد صَدَقَكُم الله وَعدَه، إِذ تَحُسُّونَهُم بِإِذنِه، حَتَّى إِذَا فَشِلتُم وَتَنَازَعتُم فِي الأَمرِ وَعَصَيتُم مِن بَعدِ مَا أَرَاكُم مَا تُحِبُّون، مِنكُم مَن يُرِيدُ الدُّنيَا وَمِنكُم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ، ثُمَّ صَرَفَكُم عَنهُم لِيَبتَلِيَكُم، وَلَقَد عَفَا عَنكُم، وَاللهُ ذُو فَضلٍ عَلَى المُؤمِنِين } [آل عمران: من الآية152].

وما حادثة صلح الحديبية ببعيدة عن المتأمّل. فظاهر الواقع أنّ الصّلح ذلّ وهزيمة، فجعل الله من وراءه النّصر والغنيمة.

* وطاعته مقدّمة على آراء الرّجال:



قال ابن القيّم:

" وأمّا الأدب مع الرّسول صلّى الله عليه وسلّم: فالقرآن مملوء به، فرأس الأدب معه: كمال التسليم له، والانقياد لأمره، وتلقي خبره بالقبول والتصديق:

دون أن يُحَمِّله معارضةَ خيال باطل يسميه معقولا، أو يُحمِّله شبهة أو شكا، أو يقدم عليه آراء الرجال وزبالات أذهانهم، فيوحّده بالتحكيم والتسليم والانقياد والإذعان، كما وحد المرسِلَ سبحانه وتعالى بالعبادة والخضوع والذلّ والإنابة والتوكل.

فهما توحيدان لا نجاة للعبد من عذاب الله إلاّ بهما:

1) توحيد المرسِل.

2) وتوحيد متابعة الرسول.

فلا يحاكم إلى غيره ولا يرضى بحكم غيره، ولا يقف تنفيذ أمره وتصديق خبره على عرضه على قول شيخه وإمامه وذوي مذهبه وطائفته ومن يعظمه فإن أذنوا له نفّذه وقبل خبره، وإلاّ فإن طلب السلامة: أعرض عن أمره وخبره وفوّضه إليهم، وإلاّ حرّفه عن مواضعه، وسمّى تحريفه ( تأويلا ) و( حملا ) فقال: نؤوّله ونحمّله "اهـ

وقال رحمه الله بعد أن تكلم عن ضرب السّنة بآراء الرّجال:

" فلأن يلقى العبد ربّه بكل ذنب على الإطلاق ما خلا الشّركَ بالله، خيرٌ له من أن يلقاه بهذه الحال.

ولقد خاطبت يوما بعض أكابر هؤلاء فقلت له:

سألتك بالله، لو قدِّر أنّ الرّسول صلّى الله عليه وسلّم حيٌّ بين أظهرنا، وقد واجهنا بكلامه وبخطابه، أكان فرضا علينا أن نتّبعه من غير أن نعرضه على رأي غيره وكلامه ومذهبه أم لا نتبعه حتى نعرض ما سمعناه منه على آراء الناس وعقولهم ؟


فقال: بل كان الفرض المبادرة إلى الامتثال من غير التفات إلى سواه.

فقلت: فما الّذي نسخ هذا الفرض عنّا ؟ وبأيّ شيء نُسِخ ؟ فوضع إصبعه على فيه، وبقي باهتا متحيّرا، وما نطق بكلمة "اهـ

الحــاصــل: أنّ من كان يريد أن يختبر نفسه، وينظر إلى مقدار محبّته للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فلينظر إلى مقدار اتّباعه له صلّى الله عليه وسلّم، فـ(( إِنَّ البَيِّنَةَ عَلَى المُدَّعِي )) ..

فإن كنت صامدا أمام قطّاع الطّرق هؤلاء، فاعلم أنّك محبّ حقّا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم القائل: (( المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ )).

والدّعاوى إن لم تقيموا عليها بيّنات فأصحابها أدعـيـاء

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 27.12 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 26.50 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (2.29%)]