عرض مشاركة واحدة
  #324  
قديم 28-01-2020, 05:24 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 26,667
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله

الحلقة (323)
تفسير السعدى
سورة الانبياء
من الأية(31) الى الأية(40)
عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير سورة الأنبياء


" وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون " (31)
أي: أو لم ينظر هؤلاء الذين كفروا بربهم, وجحدوا الإخلاص له في العبودية, ما يدلهم دلالة مشاهدة, على أنه الرب المحمود الكريم المعبود.
فيشاهدون السماء والأرض فيجدونهما رتقا: هذه ليس فيها سحاب ولا مطر.
وهذه هامدة ميتة, لا نبات فيها, ففتقناهما: السماء بالمطر, والأرض بالنبات.
أليس الذي أوجد في السماء السحاب, بعد أن كان الجو صافيا لا قزعة فيه.
وأودع فيه الماء الغزير, ثم ساقه إلى بلد ميت; قد أغبرت أرجاؤه, وقحط عنه ماؤه.
فأمطره فيها, فاهتزت, وتحركت, وربت, وأنبتت من كل زوج بهيج, مختلف الأنواع, متعدد المنافع.
أليس ذلك دليلا على أنه الحق, وما سواه باطل, وأنه محيي الموتى, وأنه الرحمن الرحيم؟ ولهذا قال " أَفَلَا يُؤْمِنُونَ " أي: إيمانا صحيحا, ما فيه شك ولا شرك.

" وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون " (32)
ثم عدد تعالى الأدلة الأفقية فقال: " وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ " إلى " فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ " .
أي: ومن الأدلة على قدرته وكماله ووحدانيته ورحمته, أنه لما كانت الأرض لا تستقر إلا بالجبال, أرساها بها وأوتدها, لئلا تميد بالعباد, أي: لئلا تضطرب, فلا يتمكن العباد من السكون فيها, ولا حرثها, ولا الاستقرار بها.
فأرساها بالجبال, فحصل بسبب ذلك, من المصالح والمنافع, ما حصل.
ولما كانت الجبال المتصل بعضها ببعض, قد اتصلت اتصالا كثيرا جدا, فلو بقيت بحالها, جبالا شامخات, وقللا باذخات, لتعطل الاتصال بين كثير من البلدان.
فمن حكمة الله ورحمته, أن جعل بين تلك الجبال فجاجا سبلا.
أي: طرقا سهلة لا حزنة.
لعلهم يهتدون إلى الوصول, إلى مطالبهم من البلدان.
ولعهم يهتدون بالاستدلال بذلك على وحدانية المنان.

" وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون " (34)
" وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا " للأرض التي أنتم عليها " مَحْفُوظًا " من السقوط " إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا " محفوظا أيضا من استراق الشياطين للسمع.
" وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ " أي: غافلون لاهون,: هذا عام في جميع آيات السماء, من علوها, وسعتها, وعظمتها, ولونها الحسن, وإتقانها العجيب, وغير ذلك من المشاهد فيها, من الكواكب الثوابت, والسيارات, وشمسها, وقمرها النيرات, المتولد عنهما, الليل والنهار, وكونهما دائما في فلكهما سابحين, وكذلك النجوم.
فتقوم بسبب ذلك منافع العباد من الحر والبرد, والفصول, ويعرفون حساب عباداتهم ومعاملاتهم, ويستريحون في ليلهم, ويهدأون ويسكنون وينتشرون في نهارهم, ويسعون في معايشهم.
كل هذه الأمور إذا تدبرها اللبيب, وأمعن فيها النظر, جزم حزما لا شك فيه, أن الله جعلها مؤقتة في وقت معلوم, إلى أجل محتوم, يقضي العباد منها مآربهم, وتقوم بها منافعهم, وليستمتعوا وينتفعوا.
ثم بعد هذا, ستزول وتضمحل, ويفنيها الذي أوجدها, ويسكنها الذي حركها.
وينتقل المكلفون إلى دار غير هذه الدار, يجدون فيها جزاء أعمالهم, كاملا موفرا ويعلم أن المقصود من هذه الدار أن تكون مزرعة لدار القرار, وأنها منزل سفر, لا محل إقامة.

" كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون " (35)
لما كان أعداء الرسول يقولون " نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ " قال الله تعالى: هذا طريق مسلوك ومعبد, منهوك, فلم نجعل لبشر " مِنْ قَبْلِكَ " يا محمد " الْخُلْدِ " في الدنيا.
فإذا مت, فسبيل أمثالك, من الرسل والأنبياء, والأولياء.
" أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ " أي: فهل إذا مت خلدوا بعدك.
فليهنهم الخلود إذا, إن كان, وليس الأمر كذاك, بل كل من عليها فان.
ولهذا قال: " كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ " وهذا يشمل سائر نفوس الخلائق, وإنا هذا كأس لابد من شربه وإن طال بالعبد المدى, وعمر سنين.

" وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون " (36)
ولكن الله تعالى, أوجد عباده في الدنيا, وأمرهم, ونهاهم, وابتلاهم بالخير والشر, وبالغنى والفقر, والعز والذل والحياة والموت, فتنة منه تعالى " لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا " ومن يفتتن عند مواقع الفتن ومن ينجو.
" ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ " فنجازيكم بأعمالكم, إن خيرا فخير, وإن شرا فشر " وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ " .
وهذه الآية, تدل على بطلان قول من يقول ببقاء الخضر, وأنه مخلد في الدنيا.
فهو قول, لا دليل عليه, ومناقض للأدلة الشرعية.

" خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون " (37)
وهذا من شدة كفرهم, فإن المشركين إذا رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم, استهزأوا به وقالوا: " أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ " .
أي: هذا المحتقر بزعمهم, الذي يسب آلهتكم ويذمها, ويقع فيها, أي: فلا تبالوا به, ولا تحتفلوا به.
هذا استهزاؤهم واحتقارهم له, بما هو من كماله, فإنه الأكمل الأفضل الذي من فضائله ومكارمه, إخلاص العبادة لله, وذم كل ما يعبد من دونه وتنقصه, وذكر محله ومكانته.
ولكن محل الازدراء والاستهزاء, هؤلاء الكفار, الذين جمعوا كل خلق ذميم.
ولو لم يكن إلا كفرهم بربهم, وجحدهم لرسله فصاروا بذلك, من أخساء الخلق وأراذلهم, ومع هذا, فذكرهم للرحمن, الذي هو أعلى حالاتهم, كافرون به, لأنهم لا يذكرونه ولا يؤمنون به إلا وهم مشركون فذكرهم كفر وشرك, فكيف بأحوالهم بعد ذلك؟ ولهذا قال: " وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ " وفي ذكر اسمه " الرَّحْمَنِ " هنا, بيان لقباحة حالهم, وأنهم كيف قابلوا الرحمن - مسدي النعم كلها, ودافع النقم الذي, ما بالعباد من نعمة إلا منه, ولا يدفع السوء إلا هو- بالكفر والشرك.

" ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين "(38)
" خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ " أي: خلق عجولا, يبادر الأشياء, ويستعجل وقوعها.
فالمؤمنون, يستعجلون عقوبة الله للكافرين, ويستبطئونها.
والكافرون, يتولون ويستعجلون بالعذاب, تكذيبا وعنادا, ويقولون:

" لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون " (39)
" مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ " والله تعالى, يمهل ولا يهمل ويحلم, ويجعل لهم أجلا مؤقتا " فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ " .
ولهذا قال: " سَأُرِيكُمْ آيَاتِي " أي: في انتقامي ممن كفر بي وعصاني " فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ " ذلك.
وكذلك الذين كفروا يقولون: " مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ " قالوا هذا القول, اغترارا, ولما يحق عليهم العقاب, وينزل بهم العذاب.

" بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون " (40)
فـ " لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا " حالهم الشنيعة " حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ " إذ قد أحاط بهم من كل جانب وغشيهم من كل مكان " وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ " أي: لا ينصرهم غيرهم, فلا نصروا ولا انتصروا.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 32.79 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 32.17 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (1.90%)]