عرض مشاركة واحدة
  #323  
قديم 28-01-2020, 05:23 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 26,946
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله

الحلقة (322)
تفسير السعدى
سورة الانبياء
من الأية(22) الى الأية(30)
عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير سورة الأنبياء


" لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون "(22)
ولهذا قال: " لَوْ كَانَ فِيهِمَا " أي: في السماوات والأرض " آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا " في ذاتهما, وفسد ما فيهما, من المخلوقات.
وبيان ذلك: أن العالم العلوي والسفلي, على ما يرى, في أكمل ما يكون من الصلاح والانتظام, الذي ما فيه خلل ولا عيب, ولا ممانعة, ولا معارضة.
فدل ذلك, على أن مدبره واحد, وربه واحد, وإلهه واحد.
فلو كان له مدبران وربان أو أكثر من ذلك, لاختل نظامه, وتقوضت أركانه فإنهما يتمانعان ويتعارضان.
وإذا أراد أحدهما تدبير شيء, وأراد الآخر عدمه, فإنه محال وجود مرادهما معا.
ووجود مراد أحدهما دون الآخر, يدل على عجز الآخر, وعدم اقتداره واتفاقهما على مراد واحد في جميع الأمور, غير ممكن.
فإذا, يتعين أن القاهر الذي يوجد مراده وحده, من غير ممانع ولا مدافع, هو الله الواحد القهار, ولهذا ذكر الله دليل التمانع في قوله: " مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ " .
ومنه - على أحد التأويلين - قوله تعالى: " قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا " .
ولهذا قال هنا: " فَسُبْحَانَ اللَّهِ " أي: تنزه وتقدس عن كل نقص لكماله وحده.
" رَبُّ الْعَرْشِ " الذي هو سقف المخلوقات وأوسعها, وأعظمها, فربوبية ما دونه من باب أولى.
" عَمَّا يَصِفُونَ " أي: الجاحدون الكافرون, من اتخاذ الولد والصاحبة, وأن يكون له شريك بوجه من الوجوه

" أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون " (24)
" لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ " لعظمته وعزته, وكمال قدرته, لا يقدر أحد أن يمانعه أو يعارضه, لا بقول, ولا بفعل.
ولكمال حكمته ووضعه الأشياء مواضعها, وإتقانها, أحسن كل شيء يقدره العقل, فلا يتوجه إليه سؤال, لأن خلقه ليس فيه خلل ولا إخلال.
" وَهُمْ " أي: المخلوقين كلهم " يَسْأَلُونَ " عن أفعالهم وأقوالهم, لعجزهم وفقرهم, ولكونهم عبيدا, قد استحقت أفعالهم وحركاتهم فليس لهم من التصرف والتدبير في أنفسهم, ولا في غيرهم, مثقال ذرة.

" وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون " (25)
ثم رجع إلى تهجين حال المشركين, وأنهم اتخذوا من دونه آلهة فقل لهم موبخا ومقرعا " أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ " أي حجتكم ودليلكم على صحة ما ذهبتم إليه, ولن يجدوا لذلك سبيلا بل قد قامت الأدلة القطعية على بطلانه, ولهذا قال: " هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي " أي: قد اتفقت الكتب والشرائع على صحة ما قلت لكم, من إبطال الشرك.
فهذا كتاب الله الذي فيه ذكر كل شيء, بأدلته العقلية والنقلية.
وهذه الكتب السابقة كلها, براهين وأدلة لما قلت.
ولما علم أنهم قامت عليهم الحجة والبرهان على بطلان ما ذهبوا إليه, علم أنه لا برهان لهم, لأن البرهان القاطع, يجزم أنه لا معارض له, وإلا لم يكن قطعيا.
وإن وجد في معارضات, فإنها شبه لا تغني من الحق شيئا.
وقوله " بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ " أي: وإنما أقاموا على ما هم عليه, تقليدا لأسلافهم يجادلون بغير علم ولا هدى.
وليس عدم علمهم بالحق لخفائه وغموضه, وإنما ذلك, لإعراضهم عنه.
وإلا فلو التفتوا إليه أدنى التفات, لتبين لهم الحق من الباطل تبينا واضحا جليا ولهذا قال " فَهُمْ مُعْرِضُونَ " .

" وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون " (26)
ولما حول تعالى على ذكر المتقدمين, وأمر بالرجوع إليهم في بيان هذه المسألة, بينها أتم تبيين في قوله " وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ " .
فكل الرسل الذين من قبلك مع كتبهم, زبدة رسالتهم وأصلها, الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له, وبيان أنه الإله الحق المعبود, وأن عبادة ما سواه, باطلة.

" لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون " (27)
يخبر تعالى عن سفاهة المشركين المكذبين للرسول, وأنهم زعموا - قبحهم الله - أن الله اتخذ ولدا فقالوا: الملائكة بنات الله, تعالى الله عن قولهم.
وأخبر عن وصف الملائكة, بأنهم عبيد مربوبون مدبرون, ليس لهم من الأمر شيء.
وإنما هم مكرمون عند الله, قد ألزمهم الله, وصيرهم من عبيد كرامته ورحمته, وذلك لما خصهم به من الفضائل والتطهير عن الرذائل, وأنهم في غاية الأدب مع الله, والامتثال لأوامره.

" يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون " (28)
" لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ " أي: لا يقولون قولا مما يتعلق بتدبير المملكة, حتى يقول الله, لكمال أدبهم, وعلمهم بكمال حكمته وعلمه.
" وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ " أي: مهما أمرهم, امتثلوا لأمره, ومهما دبرهم عليه, فعلوه.
فلا يعصونه طرفة عين, ولا يكون لهم عمل بأهواء أنفسهم من دون أمر الله, ومع هذا, فالله قد أحاط بهم علمه.

" ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين " (29)
" يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ " أي: أمورهم الماضية والمستقبلة, فلا خروج لهم عن علمه, كما لا خروج لهم عن أمره وتدبيره.
ومن جزئيات وصفهم, بأنهم لا يسبقونه بالقول, وأنهم لا يشفعون لأحد بدون إذنه ورضاه, فإذا أذن لهم, وارتضى من يشفعون فيه, شفعوا فيه.
ولكنه تعالى لا يرضى من القول والعمل, إلا ما كان خالصا لوجهه, متبعا فيه الرسول.
وهذه الآية من أدلة إثبات الشفاعة, وأن الملائكة يشفعون.
" وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ " أي: خائفون وجلون, قد خضعوا لجلاله, وعنت وجوههم لعزه وجماله.

" أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون " (30)
فلما بين أنه لا حق لهم في الألوهية, ولا يستحقون شيئا من العبودية بما وصفهم به من الصفات المقتضية لذلك - ذكر أيضا أنه لا حظ لهم, من الألوهية, ولا بمجرد الدعوى, وأن من قال منهم: " إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ " على سبيل الفرض والتنزل " فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ " .
وأي: ظلم أعظم من ادعاء المخلوق الناقص, الفقير إلى الله من جميع الوجوه مشاركته الله في خصائص الإلهية والربوبية؟!!

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 31.99 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 31.37 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (1.94%)]