عرض مشاركة واحدة
  #322  
قديم 28-01-2020, 05:23 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 26,793
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله

الحلقة (321)
تفسير السعدى
سورة الانبياء
من الأية(12) الى الأية(21)
عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير سورة الأنبياء



" لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون " (13)
فقيل لهم على وجه التهكم بهم: " لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ " أي: لا يفيدكم الركوض والندم.
ولكن إن كان لكم اقتدار, فارجعوا إلى ما أترفتم فيه, من اللذات, والمشتهيات, ومساكنكم المزخرفات, ودنياكم التي غرتكم وألهتكم, حتى جاءكم أمر الله.
فكونوا فيها متمكنين, وللذاتها جانين, وفي منازلكم مطمئنين معظمين, لعلكم أن تكونوا مقصودين في أموركم, كما كنتم سابقا, مسئولين من مطالب الدنيا, كحالتم الأولى, وهيهات, أين الأصول إلى هذا؟ وقد فات الوقت, وحل بهم العقاب والمقت, وذهب عنهم عزهم, وشرفهم ودنياهم, وحضرهم ندمهم وتحسرهم؟

" قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين " (14)
ولهذا " قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ " .
أي: الدعاء بالويل والثبور, والندم, والإقرار على أنفسهم بالظلم وأن الله عادل فيما أحل بهم.
" حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ " اى:.
بمنزلة النبات الذي قد حصد وأنيم.
قد خمدت منهم الحركات, وسكنت منهم الأصوات.
فاحذروا - أيها المخاطبون - أن تستمروا على تكذيب أشرف الرسل فيحل بكم كما حل بأولئك.

" وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين " (16)
يخبر تعالى أنه ما خلق السماوات والأرض عبثا, ولا لعبا من غير فائدة بل خلقها بالحق وللحق, ليستدل بها العباد على أنه الخالق العظيم, المدبر الحكيم, الرحمن الرحيم, الذي له الكمال كله, والحمد كله, والعزة كلها.
الصادق في قيله, الصادقة رسله, فيما تخبر عنه, وأن القادر على خلقهما مع سعتهما وعظمهما, قادر على إعادة الأجساد بعد موتها, ليجازي المحسن بإحسانه, والمسيء بإساءته.

" لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين " (17)
" لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا " على الفرض والتقدير المحال " لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا " أي: من عندنا " إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ " ولم نطلعكم على ما فيه عبث ولهو, لأن ذلك نقص ومثل سوء, لا نحب أن نريه إياكم.
فالسماوات والأرض اللذان بمرأى منكم على الدوام, لا يمكن أن.
يكون القصد منها العبث واللهو.
كل هذا تنزل مع العقول الصغيرة وإقناعها بجميع الوجوه المقنعة.
فسبحان الحليم الرحيم, الحكيم, في تنزيله الأشياء منازلها.

" بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون " (18)
يخبر تعالى, أنه تكفل بإحقاق الحق وإبطال الباطل.
وإن كان باطل قيل وجودل به, فإن الله ينزل من الحق والعلم والبيان, ما يدمغه, فيضمحل, ويتبين لكل أحد بطلانه " فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ " .
أي: مضمحل, فإن, وهذا عام في جميع المسائل الدينية, لا يورد مبطل, شبهة, عقلية ولا نقلية, في إحقاق باطل, أو رد حق, إلا وفي أدلة الله, من القواطع العقلية والنقلية, ما يذهب ذلك القول الباطل ويقمعه فإذا هو متبين بطلانه لكل أحد.
وهذا يتبين باستقراء المسائل, مسألة مسألة, فإنك تجدها كذلك, ثم قال: " وَلَكُمْ " أيها الواصفون الله, بما لا يليق به, من اتخاذ الولد والصاحبة, ومن الأنداد والشركاء, حظكم من ذلك, ونصيبكم الذي تدركون به " الْوَيْلُ " والندامة والخسران.
ليس لكم مما قلتم فائدة, ولا يرجع عليكم بعائدة تؤملونها, وتعملون لأجلها, وتسعون في الوصول إليها, إلا عكس مقصودكم, وهو: الخيبة والحرمان.
ثم أخبر أنه له ملك السماوات والأرض وما بينهما.
فالكل عبيده ومماليكه, فليس لأحد منهم ملك ولا قسط من الملك, ولا معاونة عليه, ولا يشفع إلا بإذن الله.
فكيف يتخذ من هؤلاء آلهة وكيف يجعل الله منها ولد؟!

" وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون "(19)
فتعالى وتقدس, المالك العظيم, الذي خضعت له الرقاب, وذلت له الصعاب, وخشعت, له الملائكة المقربون, وأذعنوا له بالعبادة الدائمة المستمرة, أجمعون.
ولهذا قال: " وَمَنْ عِنْدَهُ " أي الملائكة " لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ " أي: لا يملكون ولا يسأمون, لشدة رغبتهم, وكمال محبتهم, وقوة أبدانهم.

" يسبحون الليل والنهار لا يفترون " (20)
" يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ " أي: مستغرقين في العبادة والتسبيح في جميع أوقاتهم فليس في أوقاتهم وقت فارغ ولا خال منها وهم على كثرتهم بهذه الصفة, وفي هذا من بيان عظمته وجلالة سلطانه وكمال علمه وحكمته, ما يوجب أن لا يعبد إلا هو, ولا تصرف العبادة لغيره.
" أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون " (21)
لما بين تعالى كل اقتداره وعظمته, وخضوع كل شيء له, أنكر على المشركين الذين اتخذوا من دون الله آلهة من الأرض, في غاية العجز وعدم القدرة " هُمْ يُنْشِرُونَ " .
استفهام بمعنى النفي, أي: لا يقدرون على نشرهم وحشرهم, يفسرها قوله تعالى: " وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا " " وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ " .
فالمشرك يعبد المخلوق, الذي لا ينفع ولا يضر, ويدع الإخلاص لله, الذي له الكمال كله وبيده الأمر والنفع والضر.
وهذا من عدم توفيقه, وسوء حظه, وتوفر جهله, وشدة ظلمه.
فإنه لا يصلح الوجود, إلا على إله واحد, كما أنه لم يوجد, إلا برب واحد.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 31.11 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 30.48 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (2.00%)]