عرض مشاركة واحدة
  #321  
قديم 28-01-2020, 05:22 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 25,946
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله

الحلقة (320)
تفسير السعدى
سورة الانبياء
من الأية(1) الى الأية(11)
عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير سورة الأنبياء


" اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون " (1)
هذا تعجب من حالة الناس, وأنه لا ينجع فيهم تذكير, ولا يرعون إلى نذير, وأنهم قد قرب حسابهم, ومجازاتهم على أعمالهم الصالحة, والحال أنهم في غفلة معرضون أي: غفلة عما خلقوا له, وإعراض عما زجروا به.
كأنهم للدنيا خلقوا, وللتمتع بها ولدوا, وأن الله تعالى لا يزال يجدد لهم التذكير والوعظ, ولا يزالون في غفلتهم وإعراضهم, ولهذا قال

" ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون "(2)
" مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ " يذكر ما ينفعهم, ويحثهم عليه وما يضرهم, ويرهبهم منه " إِلَّا اسْتَمَعُوهُ " سماعا, تقوم عليهم به الحجة.
" وَهُمْ يَلْعَبُونَ لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ " أي: قلوبهم غافلة معرضة بمطالبها الدنيوية وأبدانهم لاعبة, قد اشتغلوا بتناول الشهوات, والعمل بالباطل, والأقوال الردية.
مع أن الذي ينبغي لهم أن يكونوا بغير هذه الصفة, تقبل قلوبهم على أمر الله ونهيه, وتستمعه استماعا, تفقه المراد منه, وتسعى جوارحهم, في عبادة ربهم, التي خلقوا لأجلها, ويجعلون القيامة والحساب, والجزاء منهم على بال.
فبذلك يتم لهم أمرهم, وتستقيم أحوالهم, وتزكو أعمالهم.
وفي معنى قوله " اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ " قولان.
أحدهما أن هذه الأمة, هي آخر الأمم, ورسولها, آخر الرسل, وعلى أمته تقوم الساعة, فقد قرب الحساب منها, بالنسبة لما قبلها من الأمم, لقوله صلى الله عليه وسلم " بعثت أنا والساعة كهاتين, وقرن بين إصبعيه, السبابة والتي تليها " .
والقول الثاني: أن المراد بقرب الحساب الموت, وأن من مات, قامت قيامته, ودخل في دار الجزاء على الأعمال, وأن هذا تعجب من كل غافل معرض, لا يدري متى يفجأه الموت, صباحا أو مساء.
فهذه حالة الناس كلهم إلا من أدركته العناية الربانية, فاستعد للموت وما بعده.

" لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون " (3)
ثم ذكر ما يتناجى به الكافرون الظالمون, على وجه العناد, ومقابلة الحق بالباطل, وأنهم تناجوا, وتواطأوا فيما بينهم, أن يقولوا في الرسول صلى الله عليه وسلم, إنه بشر مثلكم, فما الذي فضله عليكم, وخصه من بينكم.
فلو ادعى أحد منكم مثل دعواه, لكان قوله من جنس قوله.
ولكنه يريد أن يتفضل عليكم, ويرأس فيكم, فلا تطيعوه, ولا تصدقوه.
وأنه ساحر, وما جاء به من القرآن, سحر, فانفروا عنه, ونفروا الناس, وقولوا.
" أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ " هذا, وهم يعلمون أنه رسول الله حقا بما يشاهدون من الآيات الباهرة, ما لم يشاهده غيرهم, ولكن حملهم على ذلك, الشقاء والظلم والعناد.
والله تعالى قد أحاط علما بما تناجوا به, وسيجازيهم عليه ولهذا قال:

" قال ربي يعلم القول في السماء والأرض وهو السميع العليم " (4)
" قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ " الخفي والجلي " فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ " أي: في جميع ما احتوت عليه أقطارهما " وَهُوَ السَّمِيعُ " لسائر الأصوات, باختلاف اللغات, على تفنن الحاجات " الْعَلِيمُ " بما في الضمائر, وأكنته السرائر.
" بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل الأولون "(5)
يذكر تعالى ائتفاك المكذبين بمحمد صلى الله عليه وسلم, وبما جاء به من القرآن العظيم, وأنهم تقولوا فيه, وقالوا فيه الأقاويل الباطلة المختلفة.
فتارة يقولون " أضغاث أحلام " بمنزلة كلام النائم الهاذي, الذي لا يحس بما يقول.
وتارة يقولون " افتراه " واختلقه وتقوله من عند نفسه.
وتارة يقولون.
إنه شاعر وما جاء به شعر.
وكل من له أدنى معرفة بالواقع, من حالة الرسول, ونظر في هذا الذي جاء به, جزم جزما لا يقبل الشك, أنه أجل الكلام وأعلاه, وأنه من عند الله, وأن أحدا من البشر, لا يقدر على الإتيان بمثل بعضه.
كما تحدى الله أعداءه بذلك, ليعارضوه مع توفر دواعيهم لمعارضته, وعداوته فلم يقدروا على شيء من معارضته, وهم يعلمون ذلك.
وإلا, فما الذي أقامهم, وأقعدهم؟ وأقض مضاجعهم, وبلبل ألسنتهم إلا الحق الذي لا يقوم له شيء؟ وإنما يقولون هذه الأقوال فيه, حيث لم يؤمنوا به, تنفيرا عنه لمن لم يعرفه.
وهو أكبر الآيات المستمرة, الدالة على صحة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم, وصدقه, وهو كاف شاف.
فمن طلب دليلا غيره, أو اقترح آية من الآيات سواه, فهو جاهل ظالم مشبه لهؤلاء المعاندين الذين كذبوه, وطلبوا من الآيات الاقتراحية, ما هو أضر شيء عليهم.
وليس لهم فيها مصلحة لأنهم إن كان قصدهم معرفة الحق إذا تبين دليله, فقد تبين دليله بدونها.
وإن كان قصدهم التعجيز وإقامة العذر لأنفسهم, إن لم يأت بما طلبوا فإنهم بهذه الحالة - على فرض إتيان ما طلبوا من الآيات - لا يؤمنون قطعا, فلو جاءتهم كل آية, لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم.
ولهذا قال الله عنهم: " فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ " أي: كناقة صالح, وعصى موسى, ونحو ذلك.

" ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون " (6)
قال الله: " مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا " أي: بهذه الآيات المقترحة.
وإنما سنته تقتضي أن من طلبها, ثم حصلت له لم يأمن أن يعاجله بالعقوبة.
فالأولون ما آمنوا بها أفيؤمن هؤلاء بها؟ ما الذي فضلهم على أولئك وما الخير الذي فيهم, يقتضي الإيمان عند وجودها؟ وهذا الاستفهام, يعني النفي, أي: لا يكون ذلك منهم أبدا.

" وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " (7)
هذا جواب لشبه المكذبين للرسول القائلين: هلا كان ملكا, لا يحتاج إلى طعام وشراب, وتصرف في الأسواق؟ وهلا كان خالدا؟ فإذا لم يكن كذلك, دل على أنه ليس برسول.
وهذه الشبه ما زالت في قلوب المكذبين للرسل, تشابهوا في الكفر, فتشابهت أقوالهم.
فأجاب تعالى عن هذه الشبه لهؤلاء المكذبين للرسول, المقرين بإثبات الرسل قبله.
ولو لم يكن إلا إبراهيم عليه السلام, الذي قد أقر بنبوته جميع الطوائف.
والمشركون, يزعمون أنهم على دينه وملته - بأن الرسل قبل محمد صلى الله عليه وسلم, كلهم من البشر, الذين يأكلون الطعام, ويمشون في الأسواق, وتطرأ عليهم العوارض البشرية, من الموت وغيره.
وأن الله أرسلهم إلى قومهم وأممهم, فصدقهم من صدقهم, وكذبهم من كذبهم.
وأن الله صدقهم ما وعدهم به من النجاة, والسعادة لهم, ولأتباعهم, وأهلك المسرفين المكذبين لهم.
فما بال محمد صلى الله عليه وسلم, تقام الشبه الباطلة على إنكار رسالته وهي موجودة في إخوانه المرسلين, الذين يقر بهم المكذبون لمحمد؟ فهذا إلزام لهم, في غاية الوضوح.
وأنهم إن أقروا برسول من البشر, ولن يقروا برسول من غير البشر, فإن شبههم باطلة, قد أبطلوها هم بإقرارهم بفسادها, وتناقضهم بها.
فلو قدر انتقالهم هنا إلى إنكار نبوة البشر رأسا, وأنه لا يكون نبي إن لم يكن ملكا مخلدا, لا يأكل الطعام, فقد أجاب الله عن هذه الشبهة بقوله: " وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ " .
وأن البشر لا طاقة لهم بتلقي الوحي من الملائكة " قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا " .
فإن حصل معكم شك وعدم علم بحالة الرسل المتقدمين " فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ " من الكتب السالفة, كأهل التوراة والإنجيل, يخبرونكم بما عندهم من العلم, وأنهم كلهم بشر من جنس المرسل إليهم.
وهذه الآية وإن كان سببها خاصا بالسؤال عن حالة الرسل المتقدمين من أهل الذكر, وهم أهل العلم, فإنها عامة في كل مسألة من مسائل الدين, أصوله وفروعه, إذا لم يكن عند الإنسان علم منها, أن يسأل من يعلمها.
ففيه الأمر بالتعلم والسؤال لأهل العلم.
ولم يؤمر بسؤالهم, إلا لأنه يجب عليهم التعليم والإجابة عما علموه.
وفي تخصيص السؤال بأهل الذكر والعلم, نهى عن سؤال المعروف بالجهل, وعدم العلم, ونهى له أن يتصدى لذلك, وفي هذه الآية, دليل على أن النساء ليس منهن نبية, لا مريم ولا غيرها, لقوله " إِلَّا رِجَالًا " .

" لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون " (10)
أي: لقد أنزلنا إليكم - أيها المرسل إليهم, محمد بن عبد الله ابن عبد المطلب - كتابا جليلا, وقرآنا مبينا " فِيهِ ذِكْرُكُمْ " أي شرفكم وفخركم, وارتفاعكم, إن تذكرتم به, ما فيه من الأخبار الصادقة, فاعتقدتموها, وامتثلتم ما فيه من الأوامر, واجتنبتم ما فيه من النواهي, وارتفع قدركم, وعظم أمركم.
" أَفَلَا تَعْقِلُونَ " ما ينفعكم وما يضركم؟ كيف لا تعملون على ما فيه ذكركم, وشرفكم في الدنيا والآخرة, فلو كان لكم عقل, لسلكتم هذا السبيل.
فلما لم تسلكوه, وسلكتم غيره, من الطرق, التي فيها ضعتكم.
وخستكم في الدنيا والآخرة وشقاوتكم فيهما, علم أنه ليس لكم معقول صحيح, ولا رأي رجيح.
وهذه الآية, مصداقها ما وقع.
فإن المؤمنين بالرسول, والذين تذكروا بالقرآن, من الصحابة, فمن بعدهم, حصل لهم من الرفعة والعلو الباهر, والصيت العظيم, والشرف على الملوك, ما هو أمر معلوم لكل أحد.
كما أنه معلوم ما حصل, لمن لم يرفع بهذا القرآن رأسا, ولم يهتد, ولم يتزك به, من المقت والضعة, والتدسية, والشقاوة, فلا سبيل إلى سعادة الدنيا والآخره, إلا بالتذكر بهذا الكتاب.

" وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين " (11)
يقول تعالى - محذرا لهؤلاء الظالمين, المكذبين للرسول, بما فعل بالأمم المكذبة لغيره من الرسل - " وَكَمْ قَصَمْنَا " أي: أهلكنا بعذاب مستأصل " مِنْ قَرْيَةٍ " تلفت عن آخرها " وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ " وأن هؤلاء المهلكين, لما أحسوا بعذاب الله وعقابه, وباشرهم نزوله, لم يمكن لهم الرجوع ولا طريق إلى النزوع وإنما ضربوا الأرض بأرجلهم, ندما, وقلقا, وتحسروا على ما فعلوا.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 35.16 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 34.54 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (1.77%)]