عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 26-02-2020, 03:07 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 33,254
الدولة : Egypt
افتراضي رد: من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين

من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين

طلب العلم.. فضله وآدابه


دينا حسن نصير



2 - الاشتغال بطهارة الباطن والظاهرِ من شوائب المخالفات:
عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الملائكة لا تدخلُ بيتًا فيه كلبٌ ولا صورة))؛ فكيف ينزلون قلبًا مليئًا بالأنجاسِ ومذمومِ الصفات؛ مثل: الغضبِ والحسَدِ والحِقد والكِبْر، وغيرِها؟! فالقلبُ المظلم المشحون بالذنوب لا يستطيع استقبالَ الملائكة، ولا يبقى فيه مكانٌ للعلم الذي هو نورٌ يقذفه اللهُ في قلوب من أراد.

قال الإمام الشافعي:
شكوتُ إلى وكيعٍ سوءَ حِفظي
فأرشدَنِي إلى تركِ المعاصي

وأخبرني بأنَّ العلمَ نورٌ
ونورُ الله لا يُهدى لعاصِي


فعلى طالب العلم أن يطهِّر ظاهرَه؛ بمجانبة البدع، والتحلِّي بسننِ رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحوالِه كلِّها، وأن يطهِّر قلبَه من كل غشٍّ وحسدٍ وسوءِ عقيدة وخُلُقٍ؛ ليصلُح بذلك لقبول العلمِ وحفظه والاطِّلاع على دقائق معانيه.

فإن العلم كما قال بعضُهم: "صلاةُ السرِّ، وعبادة القلبِ، وقربةُ الباطن"، وكما لا تصحُّ الصلاة - التي هي عبادةُ الجوارح الظاهرة - إلاَّ بطهارة الظَّاهر من الحدَث والخبَث، فكذلك لا يصحُّ العلم الذي هو عبادةُ القلب إلا بطهارته.

قال سهل: "حرامٌ على قلبٍ أن يدخلَه النورُ وفيه شيءٌ مما يكره اللهُ عز وجل".

3- تفريغ القلب للعلم:
قال في مختصر منهاج القاصدين: "وينبغي له قطعُ العلائق الشاغلة؛ فإن الفكرةَ متى توزَّعَت قصرَت عن درك الحقائقِ، وقد كان السلف يؤثرون العلمَ على كلِّ شيءٍ".

وقال ابن جماعة رحمه الله: "على طالب العلم أن يبادرَ شبابَه وأوقات عمرِه إلى التحصيل، ولا يغترَّ بخدع التسويفِ والتأميل؛ فإن كلَّ ساعة تمضي من عمره لا بدلَ لها ولا عِوض عنها، ويقطع ما يقدرُ عليه من العلائقِ الشاغلة والعوائقِ المانعة عن تمام الطَّلبِ وبذلِ الاجتهاد وقوة الجدِّ في التحصيل؛ فإنها كقواطع الطريق".

4- الاستعانة بالله وإدامة الذكر:
أهمُّ ما ينبغي لطالب العلم الحرص عليه ذكرُ الله عزَّ وجل في كلِّ حالٍ؛ فإن ذكر اللهِ هو باب الفتحِ الأعظم، وسبيل الوصول الأقوم، ومن صدَف عنه فقد حُرم الخيرَ كلَّه، وسار على غير سبيل، ومن وُفِّق إليه فقد هُدي إلى الرشدِ.

قال ابن القيم: "حضرتُ ابن تيمية مرَّة صلى الفجرَ ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريبٍ من انتصاف النهار، ثم التفتَ إليَّ، وقال: هذه غَدوتي، ولو لم أتغدَّ الغداء لسقطَت قوتي".

هذا حالُهم، وهذا الذي بلغ بهم ما بلغوا من علمٍ كثيرِ البركة؛ ولهذا فُتح لهم من أبواب العلم ما لم يُفتح لغيرهم.

وكان شيخُ الإسلام ابن تيمية يقول: "ربما طالعتُ على الآية الواحدة مائةَ تفسيرٍ، ثم أسأل اللهَ الفهمَ، وأقول: يا معلِّم إبراهيم علمني".

5- اختيار الصاحب والرفيق:
ينبغي لطالب العلم ألا يخالِط إلا من يفيده أو يستفيد منه، وإن تعرَّض لصحبةِ من يضيِّع عمرَه معه ولا يفيده ولا يستفيد منه ولا يعينه على ما هو بصددِه، فليتلطَّف في قطعِ عِشرته به مِن أوَّل الأمرِ قبل تمكُّنها؛ فإن الأمور إذا تمكَّنَت عسرَت إزالتُها، ومن الجاري على ألسنة الفقهاء: "الدَّفعُ أسهلُ من الرفع"، وإن احتاج إلى من يصحبه فليكن صالحًا تقيًّا ورعًا ذكيًّا كثيرَ الخير قليل الشرِّ، إن نسيَ ذكَّره، وإن ذَكر أعانه، وإن احتاج واساهُ، وإن ضجر صبَّره.

6- علو الهمة:
على طالب العلم أن تكون همتُه عالية؛ فلا يرضى باليسير من العلمِ مع إمكان الكثير، وألا يؤخِّر واجبات يومِه إلى غده، ولا يغفل عن استحضاره دروسه، ولا يضيِّع وقتَه.

قيل للشعبي رحمه الله: من أين لك هذا العلم كلُّه؟ قال: "بنفي الاعتماد، والسيرِ في البلاد، وصبر كصبر الجماد، وبُكور كبُكورِ الغراب".

وينبغي على طالب العلم تركُ الكسل والتواني، فقد قال يحيى بن أبي كثير: "لا يُستطاع العلمُ براحة الجسم"؛ فإن المرء يطيرُ بهمَّته كالطير يطير بجناحيه.

قال الحسن: "إنما يذهب العلمُ بالنسيانِ وتركِ المذاكرة".

وعلى طالب لعلم: المداومةُ على الطلب، قال مالك رحمه الله: "لا ينبغي لأحد يكون عنده علمٌ أن يتركَ التعلُّم".

وقال محمد بن الحسن: "إن صناعتَنا هذه من المهدِ إلى اللَّحدِ، فمن أراد أن يترك عملَنا هذا ساعةً، فليتركه السَّاعة".

آفات طالب العلم:
سبيل العلم محفوفةٌ بالمكاره والمشاقِّ، ومداخل الشيطان فيه لا تُحصى، فمنها ما يُفسِد العلمَ ذاته على صاحبه، ومنها ما يُفسِد القصدَ والإرادة فيه، ومنها ما يُفسد سبيلَ الطلب، والناجي مَن عصَمه الله؛ لذلك ينبغي لطالب العلم أن يَلتفِتَ إلى درس الآفات التي تَعرِضُ للعلم فتفسده؛ حتى لا يصيبه شيءٌ منها.

1- تعلُّم العلم لغير وجه الله:
فالله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا وأُريد به وجهُه الكريم.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من تعلَّم علمًا ممَّا يُبتغى به وجهُ الله تعالى، لا يتعلَّمه إلا ليصيبَ به عرضًا من الدنيا، لم يجد عَرْف الجنة يوم القيامة)).

عن علي رضي الله عنه: أنه ذكر فتنًا تكون في آخرِ الزمان، فقال له عمر: "متى ذلك يا علي؟ قال: إذا تُفقِّه لغير الدين، وتُعلِّم العلمُ لغير العمل، والتُمست الدنيا بعمل الآخرة".

قال الحسن: "من طلب العلمَ ابتغاء الآخرة أدركَها، ومن طلب العلمَ ابتغاء الدنيا فهي حظُّه منه".

2- كتم العلم:
على طالب العلم أن يبذل ما بيده من العلم النَّافع الدالِّ على العمل الصالح، ولا يكتم منه شيئًا، فالعالم كلَّما بذَل علمَه للناسِ ازدادَ كثرةً وقوة.

عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((من سُئل عن علمٍ فكتمَه، أُلجم يوم القيامة بلجامٍ من نار)).

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مثَل الذي يتعلَّم العلمَ ثم لا يحدِّث به، كمَثَل الذي يَكنز الكنزَ ثم لا يُنفِق منه)).

وعن سليم بن عامر قال: "كان أبو أمامة يحدِّثنا فيُكثر، ثم يقول: عَقلتم؟ فنقول: نعم، فيقول: بلِّغوا عنَّا فقد بلغناكم".

وعن ابن القاسم قال: كنا إذا ودَّعنا مالكًا يقول لنا: "اتقوا اللهَ، وانشروا هذا العلمَ، وعلِّموه ولا تكتموه".

3- القول على الله بغير علم:
قال تعالى: ï´؟ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ï´¾ [الأعراف: 33].


قال ابن القيم رحمه الله: وأمَّا القول على الله بغير علم، فهو أشدُّ هذه المحرمات تحريمًا وأعظمها إثمًا؛ ولهذا ذُكر في المرتبة الرابعة من المحرَّمات التي اتَّفقَت عليها الشرائعُ والأديان ولا تُباح بحالٍ، بل لا تكون إلا محرمة، وليست كالميتة ولحم الخنزير الذي يُباح بحالٍ دون حال.

وهو يتضمَّن الكذبَ على الله ونسبتَه إلى ما لا يليق به، وتغيير دينه وتبديله، ونفيَ ما أثبته وإثبات ما نفاه.

قال بعض السلف: "لِيحذر أحدُكم أن يقول: أحلَّ اللهُ كذا وحرَّم اللهُ كذا، فيقول الله: كذبتَ، لم أُحلَّ هذا ولم أحرِّم هذا"؛ يعني: التحليل والتحريم بالرَّأي المجرَّد بلا بُرهان من الله ورسوله.

وقد قيل: "إذا كان نصف العلم: (لا أدري)، فنصفُ الجهل: (يقال، أو أظن)".

4- الدعوى في العلم والقرآن:
عن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يَظهر الإسلام حتى تختلف التجار في البحر، وحتى تخوض الخيلُ في سبيل الله، ثمَّ يظهر قوم يقرؤون القرآنَ، يقولون: مَن أقرأ منا؟ مَن أعلم منا؟ مَن أفقه منا؟))، ثم قال لأصحابه: ((هل في أولئك خير؟))، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((أولئك منكم مِن هذه الأمة، وأولئك هم وقود النار))؛ رواه الطبراني، وحسنه الألباني.

وقال أبو عمر رحمه الله: من أدب العالم تركُ الدعوى لما لا يحسنه، وتركُ الفخر بما يحسنه.

5- فقد الخشية فيه:
قال تعالى: ï´؟ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ï´¾ [فاطر: 28].

عن ابن مسعود: "ليس العلمُ عن كثرة الحديث، ولكنَّ العلم من كثرةِ الخشية".

قال مالك: "إن العلم ليس بكثرة الرِّوايةِ، وإنما العلم نورٌ يجعله الله في القلب".

قال سفيان الثوري، عن أبي حيان التيمي، عن رجل قال: "كان يقال العلماء ثلاثة:
"عالم باللهِ عالمٌ بأمر الله؛ وهذا هو الذي يخشى اللهَ ويعلم الحدودَ والفرائض، وعالمٌ بالله ليس بعالمٍ بأمرِ الله؛ وهو الذي يخشى اللهَ ولا يعلم الحدودَ والفرائض، وعالمٌ بأمر الله ليس بعالمٍ بالله؛ وهو الذي يعلم الحدودَ والفرائض ولا يخشى اللهَ".

قال ابن رجب: "العلم النافع: هو ما باشرَ القلوبَ فأوجبَ لها السكينةَ والخشية والإخبات لله والتواضعَ، وإذا لم يباشر القلبَ ذلك العلمُ وإنما كان على اللسان؛ فهو حجَّةُ الله على بني آدم".

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعيذُ من قلبٍ لا يخشع، كان يقول: ((اللهم إنِّي أعوذ بك من علمٍ لا ينفع، ومن قلبٍ لا يخشَع، ومن دعوةٍ لا يُستجاب لها)).

وعن أبي قلابة: "إذا أحدث اللهُ لك علمًا، فأحدِث له عبادةً، ولا يكن همك أن تحدِّث به".

قال ابن مسعود: "إن أقوامًا يقرؤون القرآنَ لا يجاوزُ تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخَ فيه نفعَ صاحبَه".

وقال الحسن رحمه الله: "العلم علمان: علم باللسانِ، وعلم بالقلبِ؛ فعلم القلب: هو العلمُ النافع، وعلم اللسان: حُجَّة الله على بني آدم".
يتبع


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 27.37 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 26.75 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (2.27%)]