عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 26-02-2020, 03:07 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 33,264
الدولة : Egypt
افتراضي رد: من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين

من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين

طلب العلم.. فضله وآدابه


دينا حسن نصير



4- وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((إن مَثَل ما بَعثني اللهُ به من الهُدى والعلم كمَثَلِ غيثٍ أصاب أرضًا، فكانت منها طائفةٌ طيبة؛ قَبِلَت الماءَ وأنبتت الكلأَ والعشبَ الكثير، وكان منها أجادبُ أمسكت الماءَ؛ فنفع الله بها الناسَ فشربوا منها وسقوا، وأصابت طائفةً أخرى منها إنما هي قيعانٌ، لا تُمسك ماء ولا تُنبت كلأ، فذلك مَثَلُ من فقُه في دين الله، ونفَعه ما بعثني الله به فعَلِمَ وعلَّم، ومَثَل من لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يَقبل هُدى الله الذي أُرسلت به))؛ رواه البخاري ومسلم.

قال ابن القيم: شبَّه صلى الله عليه وسلم العلمَ والهدى الذي جاء به بالغيثِ؛ لِما يحصل بكل واحد منهما من الحياةِ والمنافع وسائرِ مصالح العباد، وشبَّه القلوبَ بالأراضي التي يقع عليها المطر؛ لأنها المحلُّ الذي يُمسك الماءَ فينبت سائرَ أنواع النبات، كما أن القلوبَ تعي العلمَ فيثمر فيها ويزكو وتظهر بركته وثمرته، ثم قسَّم الناس إلى ثلاثة أقسام:
أ- أهل الحفظ والفَهم؛ الذين حفظوه وعقلوه وفهموا معانيه، واستنبطوا وجوهَ الأحكام والحكم.

ب- أهل الحفظ؛ الذين رُزقوا حفظه ونقله وضبطه، ولم يُرزقوا تفقهًا في معانيه، ولا استنباطًا، فهُم بمنزلة من يقرأ القرآنَ ويحفظه ويراعي حروفَه وإعرابه ولم يُرزق فيه فهمًا خاصًّا عن الله.

ج- الذين لا نصيب لهم منه؛ لا حفظًا ولا فهمًا، وهؤلاء هم الأشقياء.

5- عن أبي أمامة الباهلي قال: ذُكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان: أحدهما عابدٌ، والآخر عالم، فقال: ((فضلُ العالمِ على العابد، كفضلِي على أدناكم)).

ثالثًا: من آثار السلف:
1- قال قتادة: قال ابن عباس رضي الله عنهما: "تذاكُر العلم بعض ليلةٍ، أحبُّ إليَّ من إحيائها".

2- قال علي رضي الله عنه: "كفى بالعلم شرفًا أن يدَّعيه من لا يُحسنه، ويفرحَ به إذا نُسب إليه، وكفى بالجهل ذمًّا أن يَتبرأ منه من هو فيه".

3- قال معاذ بن جبل: "تعلَّموا العلمَ؛ فإن تعلُّمه لله خشيةٌ، وطلبَه عبادةٌ، ومدارسته تسبيحٌ، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقةٌ، وبذله لأهله قُربة، وهو الأنيس في الوَحدة، والصاحبُ في الخلوة".

4- قال سفيان بن عيينة: قال عمر بن عبدالعزيز: "من عمل في غيرِ علمٍ، كان ما يفسد أكثرَ ممَّا يُصلح".

5- وقال أيضًا: "أرفع الناس منزلةً عند الله، من كان بين اللهِ وبين عبادِه؛ وهم الرسلُ والعلماء".

6- قال الحسن: رأيت أقوامًا من أصحاب رسولِ الله صلى الله عليه وسلم يقولون: "من عمِل بغير علمٍ، كان ما يفسدُه أكثرَ مما يصلحه، والعامل بغير علمٍ كالسائر على غير طريقٍ، فاطلبوا العلمَ طلبًا لا يضرُّ بالعبادةِ، واطلبوا العبادة طلبًا لا يضرُّ بالعلم".

7- قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه لكُمَيل: "إن القلوب أوعيةٌ، فخيرُها أوعاها، احفظ ما أقولُ لك: الناسُ ثلاثة؛ فعالمٌ ربَّانيٌّ، ومتعلِّمٌ على سبيل نجاة، وهمجٌ رعاع أتباعُ كلِّ ناعقٍ، يميلون مع كلِّ ريحٍ، لم يستضيئوا بنورِ العلمِ ولم يَلجؤوا إلى ركنٍ وثيق، العلم خيرٌ من المال؛ العلمُ يحرسُكَ وأنت تحرس المالَ، العلم يزكو على العملِ، والمال تنقصه النفقةُ".

آداب طالب العلم:
1- إخلاص النية لله في طلب العلم:
تقرَّر في الشرع أن الله تبارك وتعالى لا يقبل من العبادات إلا ما كان لوجهه خالصًا؛ قال تعالى: ï´؟ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ï´¾ [البينة: 5].

وقال صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمالُ بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى)).

وقال صلى الله عليه وسلم: ((بشِّر هذه الأمة بالسَّناء والتَّمكين في البلاد، والنَّصر والرفعةِ في الدِّين، ومَن عمل منهم بعملِ الآخرة للدُّنيا فليس له في الآخرة نصيب)).

وقال ابن جماعة رحمه الله: "حُسن النيَّة في طلب العلم: بأن يقصدَ به وجهَ الله تعالى، والعملَ به وإحياءَ الشريعة، وتنوير قلبِه وتحليةَ باطنه، والقربَ من الله تعالى يوم القيامة، والتعرُّضَ لما أعد لأهله من رضوان وعظيمِ فضله...، ولا يَقصد به الأغراضَ الدنيوية؛ من تحصيل الرياسةِ والجاهِ، ومباهاة الأقران، وتعظيمِ الناس له وتصديره في المجالس".

قال أبو يوسف رحمه الله: "يا قوم، أريدوا بعملكم اللهَ تعالى؛ فإني لم أجلس مجلسًا قطُّ أنوي فيه أن أتواضعَ إلا لم أقم حتى أعلوَهم، ولم أجلس مجلسًا أنوي فيه أن أعلوَهم إلا لم أقم حتى أفتضحَ".

والعلمُ عبادة من العبادات؛ فإن خلصَت فيه النيةُ قُبل وزَكَا ونمت بركته، وإن قُصد به غير وجه الله تعالى حَبط وضاع وخسر صفقته.


وفي الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم أن: ((أول الناس يُقضى يوم القيامة عليهم ثلاثةٌ))، منهم: ((رجل تعلَّم العلم وعلَّمه، وقرأَ القرآنَ، فأُتي به، فعرَّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: تعلمتُ العلم وعلمتُه وقرأتُ فيك القرآنَ، قال: كذبتَ، ولكنك تعلمتَ ليقال: عالمٌ، وقرأتَ ليقال: قارئ، فقد قيلَ، ثمَّ أُمر به فسُحب على وجهه حتى أُلقي في النار))، فهذا الحديث قاضٍ بأن على طالب العلم أن يصحِّح نيتَه في طلبه؛ فلا يكون إلا لله وحده، يبتغي عنده الرضوانَ، ويرجو لديه الثواب، لا ليرتفعَ في أعين الناس.

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من طلب العلمَ ليباهي به العلماءَ، ويماري به السفهاءَ، أو ليصرف وجوهَ الناس، فهو في النَّار))؛ رواه ابن ماجه، وصححه الألباني.

ومِن علامات هذه الشهوة الخفيَّة: أن المتفقهَ يتعجلُ الفتوى والتدريسَ بمجرَّد أن يتصيَّد مسألةً من هنا أو هناك، ومن علاماتها: أن يشتغل بعلوم الاجتهاد قبل التفقُّه في دين الله.

قال أبو قلابة لأيوب السختياني: "يا أيوب، إذا أحدث الله لك علمًا، فأحدِث له عبادةً، ولا يكن همك أن تحدِّث به الناسَ".

وقال الحسن البصري: "همَّة العلماء الرعاية، وهمة السفهاء الرِّواية، فإذا لم تجد القولَ موافقًا للعمل، فاعلَم أنه نذيرُ النفاق".

فلتحذر يا طالبَ العلم من هذه الشهوة الخفيَّة، فطلب العلم طريقٌ إلى الجنة؛ فإن اتخذتَه طريقًا إلى الدنيا، لم تُبق لنفسك حظًّا من الجنة.

وكم رأينا ممَّن حازوا العلمَ، ولكن لم يجعل الله فيه خيرًا ولا بركةً، وتأثيره في نفوس الناس ضعيفٌ، مهما بلغَت كثرتُه، ولكنه كثير بلا بركة، بخلاف من تعلَّم العلمَ لله، وبذَلَه للناس لوجهِ الله والدَّارِ الآخرة، تجد عليه بركةً ولو كان قليلاً، وتجد له نورًا ولو كان يسيرًا، وتجد تأثيره في نفوس الناس عظيمًا.

فيجب على طالب العلم أن يجاهدَ نفسَه، ويدفعَ عنه هذه الآفة، وأن يُدافعها في كلِّ حين، وأن يجدِّد نيتَه لله عز وجل، وأن يدعو اللهَ أن يرزقه الإخلاصَ في القول والعمل.

ولكن، على طالب العلمِ ألاَّ ينقطعَ عن الطلب لعدم خلوص نيته؛ فإن حُسن النية قد يأتي له بفضل بركة العلم.

قال كثير من السلف: "طلبنا العلمَ لغير الله، فأبى إلاَّ أن يكون لله".

وقال غيره: "طلبنا العلمَ وما لنا كبير نيَّة، ثم رزقَ اللهُ النية بعدُ".

أسأل اللهَ عز وجل أن يرزقنا الإخلاصَ في القول والعمل، وأن يعلِّمنا ما ينفعنا وينفعنا بما علَّمنا.
يتبع






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 22.07 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 21.45 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (2.82%)]