عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 26-02-2020, 03:07 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 33,254
الدولة : Egypt
افتراضي من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين

من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين

طلب العلم.. فضله وآدابه


دينا حسن نصير


الحمد لله رب العالمين، القائل في كتابه الكريم: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾ [المجادلة: 11]، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:
فالعلم النافع هو الطريق الموصل لرضوان الله عزَّ وجل؛ فبالعلم يصحُّ إيمان المرء وعقيدتُه، وبالعلم يُصلِح المرءُ عبادتَه وطاعاته، فعملٌ بلا علمٍ لا قيمةَ له؛ فمن يعمل بلا علم قد يقع في البدعِ من حيث لا يَدري، ثم يجد عملَه يوم القيامة هباءً منثورًا، فاللهُ عز وجل لا يقبل من العمل إلاَّ أخلصَه وأَصْوبه، وبالعلم نتعلَّم الإخلاصَ والمتابعة؛ لذلك قال علماء السلف: "العلمُ قبل القولِ والعمل".

والعلمُ هو الحصن الذي يحفظ السالِكَ لرضوان الله من الشُّبهات التي يُلقيها الشيطان في القلوب، ويحفظه من الوقوعِ في حبائل الفِرَق الضالَّة وشبهاتها مع نشاط هذه الفِرَق وتستُّرها ولبسها ثوبَ الناصح الأمين.

فلا سبيلَ إلى النجاةِ وسلوك الطريق القويم إلاَّ بطلب العلم.

فضل طلب العلم:
أولاً من القرآن الكريم:
1- ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [آل عمران: 18]، قال القرطبي رحمه الله في تفسير هذه الآية: هذه الآية دليلٌ على فضل العلم وشرفِ العلماء؛ فإنه لو كان أحدٌ أشرفَ من العلماء لقرنهم اللهُ باسمه واسمِ ملائكته كما قرن العلماء.

وقال ابن القيم: "استشهد سبحانه بأولي العلم على أجلِّ مشهودٍ عليه، وهو توحيدُه، وهذا يدلُّ على فضل العلمِ وأهلِه".

2- ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الزمر: 9]، قال ابن القيم: هذا كقوله: ﴿ لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ﴾ [الحشر: 20]، وهذا يدلُّ على غاية فضلهم وشرفِهم، وقال القرطبي رحمه الله: "أي كما لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، كذلك لا يستوي المطيعُ والعاصي".

3- ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ [فاطر: 28]، قال ابن كثير: "أي: إنما يخشاه حقَّ خشيته العلماءُ العارفون به؛ لأنه كلَّما كانت المعرفةُ بالله العظيم أتمَّ والعلمُ به أكمل، كانت الخشية له أعظم وأكثر".

وقال السعدي: "فكلُّ من كان بالله أَعلم، كان أكثر له خشية، وأوجبَت له خشيةُ الله الانكفاف عن المعاصي، والاستعداد للقاء مَنْ يخشاه، وهذا دليلٌ على فضيلة العلم؛ فإنه داعٍ إلى خشية الله، وأهلُ خشيته هم أهلُ كرامته".

4- ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [المجادلة: 11]، قال القرطبي: "أي: الثواب في الآخرة والكرامة في الدنيا، فيرفع المؤمنَ على من ليس بمؤمنٍ، ويرفع العالمَ على من ليس بعالم، والمعنى: أنه يرفع الله الذين أوتوا العلمَ على الذين آمنوا ولم يؤتَوا العلم درجات في دينهم، إذا فعلوا ما أُمروا به".

5- ﴿ أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [الرعد: 19]، قال ابن القيم: فما ثمَّ إلا عالمٌ أو أعمى، وقد وصف سبحانه أهلَ الجهل بأنهم صمٌّ بكمٌ في غير موضع من كتابه.

6- ﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ﴾ [العنكبوت: 43].

قال ابن كثير رحمه الله: "أي: وما يفهمها ويتدبَّرها إلا الراسخون في العلمِ، وعن عمرو بن مرة قال: ما مررتُ بآية من كتاب الله لا أعرفها إلا أحزنني؛ لأني سمعتُ اللهَ تعالى يقول: ﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ... ﴾ الآية، وكان بعض السلف إذا مرَّ بمَثَلٍ لا يفهمه يبكي، ويقول: لستُ من العالِمين".

7- أن الله تعالى أمر نبيَّه صلى الله عليه وسلم بطلب المزيد من العلم؛ قال اللهُ جل جلاله: ﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ [طه: 114]، قال الكرماني: "طلبُ زيادة العلم يدلُّ على فضله؛ إذ لولا فضلُه لما أمر اللهُ تعالى بطلبه".

وقال ابن القيم: "وكفى بهذا شرفًا للعلم؛ أنْ أمَر نبيَّه أن يسألَه المزيد منه".

ثانيًا من نصوص السنة:
1- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من يُرِدِ اللهُ به خيرًا، يفقهه في الدِّين))؛ رواه البخاري ومسلم، قال النووي: فيه فضيلة العلم، والتفقُّهِ في الدين، والحثُّ عليه، وسببُه أنه قائدٌ إلى تقوى الله تعالى.

قال ابن القيم: وهذا يدلُّ على أن من لم يفقهه في دينه لم يُرِد به خيرًا، كما أن من أراد به خيرًا فقَّهه في دينه، وهذا الفقهُ الذي يستلزم العمل، لا أن يُراد به مجرَّد العلم".

قيل للحسن يومًا في شيء: ما هكذا قال الفقهاءُ، قال: "ويحك، هل رأيت فقيهًا؟! إنما الفقيه: الزاهدُ في الدنيا، الرَّاغب في الآخرة، البصيرُ بأمر دينه، المداوم على عبادة ربه".

2- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهَّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضعُ أجنحتَها لطالب العلم رضًا بما يصنع، وإن العالمَ ليستغفرُ له مَن في السموات ومَن في الأرض حتى الحيتانُ في الماء، وفَضْل العالمِ على العابد كفضلِ القمرِ على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثةُ الأنبياء، إن الأنبياء لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا؛ إنما ورَّثوا العلمَ؛ فمَن أخَذه، أخَذ بحظٍّ وافر)).

قال في مختصر منهاج القاصدين: "قال الخطابي: في معنى وضع الملائكة أجنحتَها ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه بسطٌ للأجنحة.
الثاني: أنه بمعنى التواضع؛ تعظيمًا لطالب العلم.
الثالث: أن المراد به النزول عند مجالس العلم، وترك الطيران.

وإنه لما كان العالم سببًا في حصول العلم الذي به نجاةُ النفوس، وكانت نجاة العباد على يديه؛ جُوزِيَ من جنسِ عمله، وجُعل من في السموات والأرض ساعيًا في نجاته باستغفارِهم له.

((فضلُ العالم على العابد))؛ تشبيهٌ مطابِقٌ لحال القمر والكواكب؛ فالقمرُ يضيء الآفاقَ، ويمتدُّ نوره في أقطار العالم، وأما الكواكب فنورها لا يجاوز نفسها أو ما قرب منها، وهذا حال العابدِ الذي يضيء نور عبادتِه عليه دونَ غيره.

((وإن العلماءَ وَرثة الأنبياء))؛ فهذا من أعظم المناقب لأهلِ العلم؛ فإن الأنبياء خيرُ خلق الله، فورثتُهم هم خيرُ الخلق بعدهم، ولما كان كلُّ موروث ينتقل ميراثُه إلى ورثته؛ إذ هم الذين يقومون مقامَه مِن بعده، ولم يكن بعد الرسل من يقوم مقامَهم في تبليغ ما أُرسلوا به إلا العلماء؛ فكانوا أحقَّ الناس بميراثهم، وفي هذا تنبيهٌ على أنهم أقربُ الناس إليهم؛ فإن الميراث إنما يكون لأقربِ الناس إلى الموروث، فكذلك هو في ميراث النبوَّة، ﴿ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ ﴾ [البقرة: 105].

ويُذكر عن أبي هريرة أنه مرَّ بالسُّوق فوجدهم في تجاراتهم وبيوعاتهم، فقال: أنتم ها هنا في ما أنتم فيه، وميراثُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم يُقسمُ في مسجده، فقاموا سراعًا إلى المسجد، فلم يجدوا فيه إلا القرآن والذِّكر ومجالس العلم، فقالوا: أين ما قلتَ يا أبا هريرة؟! فقال: هذا ميراثُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم يقسم بين ورثتِه، وليس بمواريثكم ودنياكم، أو كما قال.

3- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الدنيا ملعونةٌ، ملعونٌ ما فيها، إلا ذِكر الله وما والاه، وعالمًا ومتعلِّمًا))، قال الطيبي: "وكان من الظاهر أن يكتفي بقوله: ((وما والاه))؛ لاحتوائه على جميعِ الخيرات والفاضلات ومستحسَناتِ الشرع، لكنه خصَّص بعد التعميم؛ دلالةً على فضل العالِم والمتعلِّم، وتفخيمًا لشأنهما صريحًا، وإيذانًا بأن جميع الناس سواهُما همجٌ".
يتبع


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 22.95 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 22.32 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (2.71%)]