عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 16-01-2021, 02:18 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 58,954
الدولة : Egypt
افتراضي علاج الفصام الوجداني

علاج الفصام الوجداني


أ. عائشة الحكمي





السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا شاب عمري 25 سنة، أكبر إخوتي الخمس، وأنا الطفل الوحيد في البيت من عائلة كريمة، أبي طبيب وأمي محامية، أدخلني أبي المدرسة 4 سنوات لَم أمر على (التحضيري)، كان دائمًا يُساعدني في دراستي، حتى الثانوية لَم تكن لديَّ ثقة عالية في نفسي، كما أنَّني لست اجتماعِيًّا، وأعاني الرهاب الاجتماعي، والخجل، ولم أحصل على شهادة (الباكالوريا)؛ لأَنَّني كرهت الدِّراسة والمعلمين والمجتمعَ، كما أنني مُدمن ألعاب الفيديو والكمبيوتر والإنترنت، وأصبحت خبيرًا في مجال الكمبيوتر.



قَرَّرت أنْ أسجلَ في معهد التكوين؛ للحُصول على شَهادة تقني سامٍ في الإعلام الآلي، فسَجَّلني والدايَ في معهدٍ يقع على بُعد 40 كم من مَقرِّ سكننا، أذهب وأجيء كلَّ يوم... لم تهمني المسافة، نجحت في اختبار الدخول، وكنت سعيدًا جدًّا؛ لأنني في مجال تخصصي الذي كنت أحلم به، وهنا بدأت مشاكلي... كانت الأمور تبدو جيدة، بل ممتازة، كانت لدَيَّ ثِقَة كبيرة جِدًّا في نفسي، خاصَّة أنَّني في مجال تخصصي، وكنت أطمح إلى التفوق.



كنت إيجابِيًّا 100 % ولا أومِنُ بالمستحيل، كان الكل يحترمني: التلاميذ، والأساتذة؛ لأنني كنت ملتزمًا وجديًّا وعاقلاً (كما يقولون)، لم أتغيب ولم أتأخَّر مَرَّة.



لكِنَّني كنت منعزلاً ومنطوِيًا، ليس بسببِ الخجل أو الرهاب؛ لأَنَّه كان من الماضي، وظننت أَنِّي شفيت منه، بل لشيء ما في نفسي أحب الانعزال.



بعد مرور شهرين بدأتُ أشعر بالضَّغط النفسي وكأَنَّ شيئًا يَخنقني، كما بدأت أشعرُ بالثقل وبعض الإرهاق.



بعد ثلاثة أشهر بدأ يدخُلني الخوف، خاصَّة في فترة الامتحانات، ومَرَّ الفصل الأول مع أنَّني لم أكن في حالة جيدة، فإنَّني تفوَّقت في القسم بمعدل 12.40، لَم أرضَ بهذا المعدل، بالرغم من تفوفي كنت أعرف أنَّه يُمكنني أن أحصل على معدل أفضلَ لولا الضغط والإرهاق والتعب النفسي الذي مررت به، يبدو أنَّني لم أستطع التكيُّف.



لاحظْت في هذه الفترة أنَّ قُدراتي العقلِيَّة بدأت تتضاءل وتنقص، وبصُداع طفيف في قشرة الرَّأس، لم أهتمَّ لذلك؛ لأَنَّني لستُ من النوع الذي يهتم بنفسه كثيرًا، وبدأ الفصل الثاني، وهنا بدأت حالتي تتدهور أكثر وأكثر، زاد شعوري بالضيق والضغط، وأصبحتُ عصبِيًّا، ودخلني القلق والخوف النفسي.



ليس لدي خبرة كبيرة في الحياة، لم أعرف ماذا يَجب أن أفعل؟ فصبرت ودعوت اللهَ أن يعجل هذا الفصلَ؛ لآخذ استراحتي، بَقِي للفصل 3 أشهر، والصيف قادم، بدأت حالتي تسوء وتسوء، حتى وصلت إلى مرحلة الانفجار.



أصبحتُ مُضطربًا، أظنه اضطراب القلق، لَم أعُد أستوعب الدُّروس الساهلَ منها أو الصَّعب، بدأتُ أشعر أنَّني سأُجَنُّ؛ خوف، قلق، ضغط، اضطراب...



وأخيرًا أصبحتُ أريد الانتحار... دخلت في مَرحلة الاكتئاب الحاد... وفي مرة من الأيام وجدني أبي أبكي، قال لي: ما بكَ؟ وانفجرتُ بكاءً بكلِّ قُوَّتِي، وأُصِبْتُ بانهيارٍ عَصبي، لم يفهم أبي وأمي شيئًا.



بدأتُ أردِّد وأقول: لَم أتَحصل على (الباكالوريا)؛ لذلك لذلك أكره الدِّراسة، وطلبت من أبي أنْ يأخذني إلى راقٍ، رُبَّما أصابتني عين، أو ما شابه ذلك، لَم يُفدني ذلك بشيء، مع العلم أنَّني أحافظ على صلواتي، ولا أفرِّط فيها؛ لأَنَّها مصدر صبري وإيماني، الذي بدأ يضعُف ويضعف يومًا بعد يوم، وأصبت بالوسواس القهري وصداعٍ مُزمن وقوي وأرق.



لَم أعُد أستطيع النومَ، كما أصبَحْتُ أشعُر بأنَّ المعلمين يتآمرون عليَّ، وأن التلاميذَ لا يُحبونني، ويريدون السوء بي، وأصبح لديَّ جنون العظمة، وأصبحت أظنُّ نفسي عَالِمًا كبيرًا، أو شيئًا ذا أهمية كبرى - أظنُّها أعراض الفصام.



ولشدة غضبي وتعصبي ارتكبتُ حَماقة أخرى في أحَدِ الفروض، لَم أستطِع الإجابةَ على أيِّ سؤال، فخرجتُ غاضِبًا، هذا ما فاجأ الجميع، وخاصَّة الأساتذة، ومع أنني كنت تلميذًا جيدًا، أُدْخِلْت إلى مَجلس التأديب في تلك الحالة الْمُزرية، التي كنت عليها.



يُمكنكم تصوُّر صُعوبة الموقف، كانت أصعب المواقف في حياتي، لم أستطع حتى الدفاع عن نفسي، كنت مشوشًا، وأصبح لديَّ مَشاكل في النُّطق والكلام، وأصبحت أتلعثم كثيرًا، ولا أعرف ماذا أقول؟ وماذا أفعل؟



أصبحت في كابوسٍ حقيقي، لَم يعُد يَفهمني أحد، ولَم أعُد أفهم شيئًا، لَم أعُد أحسُّ بوجودي، وكأنِّي إنسان ميت وحي في الوقت نفسه، كيف حدث كلُّ هذا لي؟



أصبَحْتُ آخُذُ الأقراصَ المهدئة، لكن دون جَدوى، ومع كلِّ هذا في آخر الفصل أصبت بزكامٍ حاد؛ لأَنَّ مَناعتي ضَعيفة جِدًّا ضِدَّ الزكام، أظنُّ بسبب الضغط، لا يُمكنكم تصوُّر الحالة التي كنت عليها: صداع رهيب، خوف قلق شديدان، رَغبة في الانتحار، وإرهاق لم أشعر به من قبل.



بماذا ابتُليت يا ربي؟ بماذا ابتليت؟ ماذا فعلت في حياتي؛ ليحدث لي كل هذا؟ لَم أعُد أفرِّق بين الخطأ والصَّواب... فقدت صوابي كُليًّا، ولَم يساعدني أحد، ولم أجد أحدًا يُواسيني، أصبحت عاجزًا على فعل أبسطِ شيء، وفقدت ثقتي بنفسي كليًّا، وماذا ينتظرني؟ امتحانات الفصل الثاني، لم أعد أفكر في التفوق، بل أنْ أحصُل على معدل يُؤهِّلُني للفصل الثالث فقط.



هبط مستوايَ كثيرًا جِدًّا، لَم يعد لديَّ مستوى، لَم أعد أستطيع حتى التواصُل مع الناس، لكن كان لدي إيمانٌ قوي، وإرادة لا مثيلَ لَها، ورغم حدوث كل هذه الظروف، وضعت ثقتي في ربي، وأخرجت كلَّ طاقتي الكامنة المتبقية.



ومع أنَّني كنتُ في حالةٍ مُزرية، فإنَّني حصلت على معدل 11، وأعلى العلامات في المواد، التي هي في مجال تخصصي، ما فعلته كان (معجزةً)، حصلتُ على أفضل العلامات في أصعبِ المواد، كما أنَّني كنت الوحيد، الذي لم تكُن لديه نقاطٌ إقصائِيَّة بين جميع التلاميذ.



لكنني دفعت ثَمن ذلك غاليًا جِدًّا، وتعذبت عذابًا كبيرًا جِدًّا لا يتحمله الكثيرون، كما أنني أصبحت خائِرَ القوى معدومَ الشخصية والطاقة الروحية، وبدأت أفقد بصري، لَم أعد أرى جيدًا، ذهبت إلى أطباء نفسيِّين، لكن دون جدوى، كلهم هدفهم مادي، لا يريدون سوى المال، والمال فقط.



حالتي الآن بعد عامين: حصلت على شهادة تقني سامٍ، ولم يتمكن الشيطان من تحطيم حلمي.



حالتي الصحيَّة: بالرغم من أنَّني لم آخُذ أدويةً حقيقيَّة لعلاج حالتي، كأدوية الاكتئاب، أو أدوية أخرى، فإنَّ حالتي في تَحسُّن طفيف، وبخصوص الأدوية التي تعاطيتها هي: omega 3 – magnisum – neurovit - Ginkobiloba.



وأمور أخرى مثل: التلبينة، والزنجبيل، والحجامة، كما أصبحت أقوم بالرِّياضة بانتظام: الجري، وكمال الأجسام.



حالتي في تحسُّن، لكنني لم أعُد إلى طبيعتي - أحسُّ ببعض القلق والتوتُّر والخوف - ما زال الصُّداع يَنتابني ليلَ نَهار، أصبح بالنسبة لي شيئًا عادِيًّا، لديَّ وساوس شيطانية، كهرباء زائدة في الدماغ، وأخاف أن أصاب بالصَّرع، لم أُشْفَ كليًّا من الاكتئاب، هناك هبوطٌ في قدراتي العقلية، أصبحت أنسى كثيرًا، وتركيزي أصبحَ ضَعيفًا.



أصبحت مُرهفَ الحس، ضعيفًا جدًّا، أتأثَّر بسرعة، وضَعُف إيماني، وأصبحت سلبِيًّا، كما أنَّ أبي لا يريد علاجَ حالتي، كما أنَّه لا يريد أنْ يَعترف أنَّني مريضٌ، وأحتاج إلى علاج، ولَم يشترِ لي مضادات الاكتئاب، أشعر بأنه يكرهني في صميم قلبه، ولا يُريدني أنْ أُشْفَى، على أيَّةِ حال يبدو أنَّها أعراض الفصام، أليس كذلك؟ أرجوكم انصحوني، ماذا أفعل؟ أظن أنَّني أصبحت مجنونًا، أصبحت أتكلم مع نفسي كثيرًا، وتُراودني أفكار سوداء رهيبة.


الجواب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

يبدو أنَّ ما تُعانيه هو نوعٌ من أنواع الفصام، يُعرَف باسم الفصام الوجداني Schizoaffective Disorder؛ حيث تجتمع لدى المريض أعراضُ الفصام Schizophreniaوأعراض الاضطراب الوجداني ثنائي القطب Bipolar Disorder في آن.



يتميز هذا النوع من الفصام بنمطين: أحدهما: نمط هوسي Manic Type، والآخر نمط اكتئابيDepressive Type، ويأتيانِ على شكل نوبات، إمَّا نوبة اكتئابِيَّة أو نوبة هوسية أو نوبات مُختلطة تحدث في وقت واحد.



وهذا يعني أنَّ لديك ثلاثةَ أعراض:

1- فصامية.



2 - هوسية.



3- اكتئابية.



تظهر أعراضُ الفصام الوجداني هوسيّ النوع في صورة أفكار عظمة، وارتفاع في تقدير الذَّات، مصحوبٍ بسلوك عدواني وأفكار اضطهادية، وتَجاوُز للحدود الاجتماعية اللائقة، مع أعراض فصامية نموذجية.



وقد بدت هذه النوبة جلية في قولك: "أصبحت أشعر بأنَّ المعلمين يتآمرون عليَّ، وأنَّ التلاميذ لا يحبونني ويريدون السوء بي، وأصبح لديَّ جنون العظمة، وأصبحت أظن نفسي عالِمًا كبيرًا أو شيئًا ذا أهمية كبرى - أظنها أعراض الفصام - ولشدة غضبي وتعصبي ارتكبت حماقةً أخرى في أحَدِ الفروض لم أستطع الإجابةَ على أيِّ سؤال، فخرجت غاضبًا، هذا ما فاجأ الجميع، وخاصَّة الأساتذة، ومع أنَّني كنت تلميذًا جيدًا، أُدْخِلْت إلى مَجلس التأديب في تلك الحالة الْمُزرية التي كنت عليها...".



أمَّا أعراض الفصام الوجداني اكتئابيِّ النوع، فتَظْهَرُ في شكلِ أفكارٍ انتحارية، وأرق، وفُقدان للطاقة، واضطراب في التركيز، مع أعراضٍ فصامية نموذجية.



وتبدو هذه النوبة في قولك مثلاً: "أحس ببعض القلق والتوتر والخوف، ما زال الصداع يُلازمني ليلَ نهار، أصبح بالنسبة لي شيئًا عاديًّا، لديَّ وساوس شيطانية، كهرباء زائدة في الدماغ، وأخاف أنْ أُصابَ بالصَّرع، لَم أُشفَ كليًّا من الاكتئاب، هناك هبوط في قدراتي العقلية، أصبحت أنسى كثيرًا وتركيزي أصبح ضعيفًا، أصبحت مرهفَ الحس، ضعيفًا جِدًّا، أتأَثَّر بسرعة، ضعُف إيماني، أصبحت سلبيًّا...).



أمَّا الأعراض الفصامية النموذجية، فتتبدى لديك من خلال ضلالات الاضطهاد، وضلالات العظمة، وضلالات توهُّم العلل البدنية، واضطرابات التفكير.



عادةً ما تكون نوبات الفصام الاكتئابي أقلَّ تفاقُمًا من النوبات هوسِيَّةِ النوع، لكنَّها تميل إلى الاستمرار فترةً أطول.



إنْ صَحَّ التشخيص، فأنت بحاجةٍ إلى دواء مُضاد للأعراض الذهنِيَّة، إضافةً إلى دواء مثبت ومحسن للمزاج، وهذا يعني ضرورة مراجعة طبيب نفسي يا سيدي الفاضل.



كون والدك الكريم لا يسمح باصطحابك إلى طبيب نفسي، فهذه ليست حجة مَقبولة من شاب راشد حر في مثل عُمرك باستطاعته قطع مسافة تصل إلى 40 كم جيئةً وذهابًا يومِيًّا.



فاذهب بنفسك إلى أقربِ عيادة نفسية دون حاجة لإخبار أحد؛ لأنَّك مسؤول عن نفسك أولاً، ولأن صحتك غالية علينا ثانيًا، ولأن المستقبل المشرق بانتظارك ثالثًا، والعبادات والطاعات والواجبات أمانات في عنقك رابعًا، ولن تتمكن من أدائها على أكملِ وجه، والنفس متعبة واهنة، والعقل مثقل ومنفصل، أليس كذلك؟!



أسأل اللهَ العظيم ربَّ العرش العظيم أن يشفيَك شفاءً تامًّا لا يغادر سقمًا، ومبارك عليكم الشهر الكريم، تقبَّلَ الله منا ومنكم الصيام والقيام، وكل عام أنتم ومَن تُحبون بألف خير.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 32.98 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 32.35 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (1.89%)]