عرض مشاركة واحدة
  #10  
قديم 16-04-2011, 02:40 AM
الصورة الرمزية oummati2025
oummati2025 oummati2025 غير متصل
مشروع حراس الفضيلة
 
تاريخ التسجيل: Aug 2006
مكان الإقامة: morocco
الجنس :
المشاركات: 877
الدولة : Morocco
افتراضي رد: خيوط النور.... رواية

الحلقة السادسة



بعنوان: مواهب



حلت العطلة الأسبوعية مع حلول يوم الجمعة


تنفس الصبح عبيرا عطرا فأرسل أشعته الرقراقة، تتسلل بنعومة إلى غرف البيت الهادئة لتغمرها بالضياء.


عاد الرجال من المسجد وخرجت نور وبناتها لغرفة الجلوس ليتدارس الجميع سورة الكهف، ومناقشة محور منهجية إدارة الفتن وكيف يتعلمون من سورة الكهف كيفية إدارتها، وكان موضوع المحور: فتنة الشيطان.


مر الصباح جميلا هادئا، بين رياضة وعبادة وممارسة للهوايات، فهاهو أحمد يتفقد حاسوب الأسرة ويرتب خزانته الصوتية والمكتوبة، ويطهره من رجز الفيروسات.


وهاهي نور تشدو كالبلبل في المطبخ بنشيد تحبه عن الأقصى المسلوب، فتهتز مع كلماته الرنانة حماسة وإرادة.


أما عمر فقد أحب الخيل منذ صغره


وها هو اليوم كعادته يمتطي صهوة جواد اختاره بعناية ليمارس هوايته المفضلة في نادي الفروسية، منطلقا به في حزم وثقة، مطلقا العنان للتفكر في ملكوت الله والتأمل في جمال صنعه.


أما يوسف فكان يلعب كرة القدم مع أصدقائه في ملعب الحي، مستمتعا بهوايته التي تحافظ على نشاطه وقوة جسمه.


بينما كان عثمان يراجع قصار السور ويرتل القرآن الكريم بصوت شجي، يتنقل بين الآيات متدبرا معانيها، فحين يصل للبشرى بالجنة يرفع صوته بهمة ويدعو الله أن يبلغه إياها، وحين يذكر الوعيد، يخفض صوته بخشوع وتأثر بالغين ويدعو الله أن ينجيه من العذاب.


وهذه فاطمة بعد قيامها بالتعاون مع مريم بتنسيق البيت، جلست تقرأ ديوانا شعريا، وتتذوق بلاغته، لتستزيد من علم البيان والبلاغة، فيجود قلمها بالشعر الجميل، الذي يجمع بين سحر الكلمة وصدقها.


أما مريم فكانت تقرأ رائعة أدبية، فتسبح بخيالها الخصب بين صفحات الكتاب وكأن مدادها تجسد حقيقة، لتكتسب بذلك رصيدا لغويا ومعرفيا، تستعين به في كتابة قصصها الشيقة.


في حين دخلت عائشة إلى عالمها الخاص، منشغلة بكل جوارحها في رسم منظر طبيعي جميل. وتخط بأناملها الصغيرة ورؤيتها الطفولية الصافية رسومات رائعة تدل على موهبة فريدة وحس فني مرهف.


أقفل أحمد جهاز الحاسوب، وقد مسحت وجهه سحابة هم مثقلة بالتساؤلات، ثم قام يبحث عن زوجته، فوجدها تعد طعام الغذاء، ومنسجمة انسجاما تاما مع قراءة رائعة للقارئ محمد البراك، حين أوقفته الدموع عن القراءة، وهو يتلو قول الله عز وجل في سورة ق:


مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (29) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (30) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (31)


فانسابت دمعات حارة من مقلتيها، فربت رفيقها على كتفها، وكفكف دمعها، وابتسم رغم الهم الذي يخالج فؤاده، ودعا ربه:


رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ


فنظرت إليه، وقالت بحرقة: اللهم آمين يا رب العالمين. ثم أمعنت النظر في وجه زوجها لتطمئن عليه، وقالت وهي تمسح دموعها:


- ماذا بك يا زوجي الحبيب؟ تركتك قبل ساعة أمام الحاسوب، ووجهك طلق وابتسامتك الجميلة تزينه، لكنك الآن مهموم والحزن بادٍ على محياك.


فطأطأ أحمد رأسه وقال:


- حين كنت أتصفح الانترنت، دخلت موقعا لأحمل كتابا، وفي صفحة التحميل فوجئت بصورة إباحية، اكفهر لها وجهي، وغضبت جوارحي، فأقفلت الموقع بسرعة. وأدركت حجم الخطر الذي يحيط بأبنائنا وأبناء أمتنا، فحزنت حزنا شديدا، وأقفلت جهاز الحاسوب، وجئت لأستشيرك في الأمر لعل أفكارك النيرة ترشدني إلى حل ناجع ومفيد.


أطرقت نور للحظات وهي تفكر، وقد طفت الجدية على ملامحها ثم قالت:


- لابد أولا أن نحمي حاسوبنا وهذا دور عمر. فلديه دراية في هذا المجال. كلمه رجاء بهذا الخصوص حتى نطمئن، فعثمان وعائشة لازالا صغيرين، ولا نضمن ما قد يصادفهما في شبكة العنكبوت.


هذا كخطوة أولى، وبعد وجبة الغداء إن شاء الله أقترح أن نناقش مع أبنائنا سموم وسائل الإعلام بصفة عامة، لعلنا نجد حلولا ناجعة خلال المناقشة. ما رأيك يا أبا عمر؟


رد أحمد متحمسا: نعم الرأي يا مبدعة، وأسأل الله أن يحمي أبناءنا وأبناء المسلمين، ويقيهم شر الفتن ما ظهر منها وما بطن.


بعد صلاة الجمعة التفت الأسرة حول مائدة الغداء، وافتتح رب الأسرة الجلسة الشيقة بالدعاء.


وماذا يتمنى أحمد سوى أسرة مؤمنة ينفق عليها من مال حلال طيب، راجيا من الله أن يجمعهم تحت عرشه مع الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم كما جمعهم في الدنيا.


بدأ أحمد يمهد لموضوع النقاش، فسأل أبناءه مبتسما:


- أتمنى من كل واحد منكم أحبائي أن يخبرنا عن أحلامه، وماذا يتمنى أن يكون مستقبلا، متفقين؟


فأومأ الأبناء برؤوسهم إيجابا وقد برقت عيونهم حماسا


فقال أحمد: بسم الله نبدأ باليمين، ومع نور البيت، حدثينا عن أحلامك المستقبلية يا نور. - وقد كان أحمد يعرفها بالتفصيل الدقيق، ولكنه فضل أن تقولها أمام أبنائها، فتصحح مسار طموحاتهم، إن كانت لا ترقى لما يحلم به الوالدان، فشرعت نور في وصف حلمها، بعودة الأمة لعزها، وبرؤية الحبيب صلى الله عليه وسلم عند الحوض، وهو راض عنها وعن أسرتها، قرير العين بهم، مسرورا لخدمتهم أمته، وتفانيهم في الدعوة إلى سبيل ربهم، بالحكمة والموعظة الحسنة.....


ظل الجميع يتابع حديث نور بنظرة ملؤها الإعجاب والفخر بأم عميقة الفكر رفيعة الخلق، بكاءة بين يدي ربها مطيعة لزوجها، متفانية في أداء واجبها، مبتغية مرضاة ربها في كل عباداتها وأحوالها.


ثم جاء دور فاطمة ثاني فرحة للأسرة فقالت:


- طالما حلمت مذ كنت طفلة، أن أكون طبيبة لأداوي المرضى وأخفف آلامهم. فكان حلم طفولة لم ينضج بعد. لكن حينما تفوقت في الثانوية العامة بفضل الله، وبعد إدراكي لطريقي في الحياة، بمساعدة أمنا الحبيبة حفظها الله. قررت أن أطور حلمي وأن أتخصص في مجال أؤدي فيه دورا ورسالة. فوقع اختياري على مجال الطب كما تعلمون، والجديد أني قررت أن أتخصص بإذن الله في طب النساء والولادة. هذا بالموازاة مع تطوير موهبتي الشعرية، ثم أردفت مازحة: لعلي أصبح من عمالقة الشعر الإسلامي.


فنظر إليها أحمد وقال: وما يدريك؟ الشعر فن راق، إن كان كما أراد الله ورسوله. وقد كان حسان بن ثابت رضي الله عنه ينشد الشعر، فما نحن إلا أسباب بين يدي الله، يجريها كيفما شاء ووقتما شاء، وفقك الله يا ابنتي ويسر أمرك.


وانتقل إلى عمر الابن البكر، فتنحنح كأنه سيلقي خطبة وقال:


- أما أنا فقد اخترت مجال الاقتصاد حتى أدرس نظام الاقتصاد الإسلامي الذي شرعه لنا رب السماوات والأرض ومن فيهن الذي يعلم الأصلح لعباده، فأساهم بإذن الله في الحد من التعامل بالربا الحرام الذي جاء فيه وعيد شديد في سورة البقرة:


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280)


كما أود ان أطور مهاراتي في عالم الحاسوب، وخصوصا مجال البرمجة الذي أنا مولع به.


فعلقت نور على حلمه قائلة: ما شاء الله يا عمر، أسأل الله أن يعينك على تحقيق حلمك. والتفتت إلى يوسف- وهو الابن الثالث في الأسرة- ، وماذا عنك يا يوسف؟


فقال: سأختار بإذن الله طريق أبي. وحين أجتاز هذا العام امتحان الثانوية العامة، سأدرس إن شاء الله في كلية التجارة - قسم اللغة الإنجليزية-. لأجمع بين تطور العلم وأصالة المهنة، وأستعين باللغة على تصدير الزي للخارج بإذن الله.


فنظر إليه عثمان وهو يقلب عينيه في سقف الغرفة:


- حلمك جميل لكنه صعب، فأردف يوسف في ثقة: يا عزيزي الزي الشرعي فرض رباني له حكمة عميقة، والغرب في حاجة للأمان النفسي الذي يوفره، فإن كان كما يريد ربنا جل في علاه، وكان في قلبي خير، وسعيت للأمر بجد، واستعنت بالله أولا وأخيرا، سأصل إن شاء الله لأبعد من هذا...


والتفت إلى والدته فنظرت إليه بعين ملؤها الرضا والتشجيع.


ثم تحولت إلى عائشة، صغيرة الأسرة وأرقها وجدانا فقالت:


- أريد أن أصير مدرسة أدرس الرسم، كما علمتني يا أبي.


فابتسم أحمد ضاحكا، وقال: نعم يا بنيتي، فالرسم فن يهذب الوجدان ويرقى بالمشاعر الإنسانية، ولكن على منهج الله كي يكون وسيلة لعبادته بالتفكر وإعمال العقل ورسم ما أبدعه سبحانه.


ثم نظر إلى عثمان الفتى الوسيم ذي الصوت الندي فقال له: وأنت يا عثمان؟


فرد بهمة: - أفكر يا أبي أن أستمر في طريق القرآن فأتخصص فيه، أي أنني أدرس الشريعة بإذن الله وأتخصص في علوم القرآن. فلقد أخبرني عمر عن وجود هذا التخصص في الجامعة، فقلت في نفسي: لم لا أدرس وأعمل في مجال أحبه وأستمتع بهوايتي وأطور موهبتي التي حباني الله بها في آن واحد؟


فأردفت نور: رائع يا شيخ عثمان، لعلك تلبسنا تاج الوقار يوم القيامة.


فابتسم في حياء وقال: إن شاء الله يا أمي.


واستطرد عمر: وأنت يا أديبتنا المبدعة، فيمَ تفكرين؟


فطأطأت مريم رأسها حياء ثم قالت: أرى والله أعلم أن أتخصص في لغة الضاد، فهي لغة القرآن، وأطور من خلالها كتاباتي. فأصير بإذن الله كاتبة وناقدة أدبية.


فعلقت فاطمة مازحة: إذن أنت زميلة في المجال، فلتنافسيني إذن وسنرى من يبدع أكثر الهواة أمثالي أم المتخصصون مثلك. فضحك الجميع والتفتوا إلى طعامهم، يأكلون ويمزحون، والوالدان يرقبان المشهد، ويحمدان الله على نعمه التي لا تعد ولا تحصى.


بعد لحظات معدودة، تنبه عمر إلى أن والده لم يعبر عن حلمه. فقال للجميع: توقفوا للحظة يا أسرتي العزيزة. ألم تلاحظوا أن أبانا الحبيب لم يفصح عن حلمه؟


فاحمر وجه أحمد خجلا، وتمتم: نعم فعلا.


فقال الجميع بصوت واحد: وما هو حلمك يا أبي؟


فقال بصوت يتهدج حنانا وحبا لأسرته الصغيرة، كالينبوع إذا تفجر ماء ليسقي الأرض فيمدها بسبب الحياة: حلمي أن تصلوا لأحلامكم واغرورقت عيناه بالدموع.


رقت قلوب الجميع لقول أحمد وانفعاله وكانت جلسة مفعمة بالسرور والحنان والمحبة.


ثم كفكف دموعه مستدركا: ما رأيكم أحبائي، أن نناقش موضوعا هاما في حياتنا بعد الغداء؟


فقال عثمان: وما هو يا أبي؟


فرد أحمد موضحا: الإعلام يا بني ما له وما عليه.

يتبع بإذن الله

__________________
أحيانا نحتاج وقفة من اللهاث المتسارع، لنعيد التصالح مع أنفسنا وإعادة حساباتنا في الحياة الدنيا، وتصحيح المسار والقناعات والمفاهيم لتناسب حقيقة الحياة ومآلها وما ينتظرنا من سعادة أو شقاء والعياذ بالله

أختكم: نزهة الفلاح
رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 40.07 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 39.45 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (1.55%)]