عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 23-11-2020, 11:48 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 133,900
الدولة : Egypt
افتراضي الروزجاري في اللغة العامية البغدادية

الروزجاري في اللغة العامية البغدادية



د. عبدالحكيم الأنيس







يَحتاج تحقيقُ كتب التراث العربي إلى مزيدٍ من التأنّي والتأمّل والمراجعة من أجل الوصول إلى نتيجة سليمة، ومن أجل أنْ يخرج الكتاب في أقرب صورة إلى الكمال، وبدون ذلك ستكونُ في المحقَّقات ثغراتٌ كبيرة، ونواقصُ كثيرة، وللتدليل على ذلك أسوق هذا المقال:
أورد الإمامُ ابن الجوزي البغدادي حين ذَكَرَ الزاهد العابد "السبتي بن هارون الرشيد" في كتابه النفيس "صفة الصفوة"، أورد عنه روايتين، الأولى صحيحة، والثانية حسنة كما قال هو.

وقد جاء في الرواية الثانية:
"عن أبي بكر بن أبي الطيب قال: بلغنا عن عبد الله بن الفرج العابد قال: احتجت إلى صانعٍ يصنع لي شيئاً من أمر الروزجاريين، فأتيتُ السوق فجعلت أرمق الصُّنّاع، فإذا في أواخرهم شاب مصفرٌّ، بين يديه زبيل كبير ومَرٌّ...".

فعلق محقِّقُ الكتاب الأستاذ محمود فاخوري - الحموي الحلبي - على كلمة (الروزجاريين) ما يأتي (2/313):
"كذا في النسخ، ولم نهتدِ إلى المراد منها على كثرة البحث".

قلت:
وكان بإمكانه أن يهتدي إلى المراد منها، وذلك بالرجوع إلى الرواية الأولى التي أوردها المؤلف ابنُ الجوزي ووصفها بأنها صحيحة، وقد جاء فيها أن "السبتي" هذا وهو يُحتضر أوصى عبدَ الله بن الفرج أنْ يُوصل إلى الخليفة هارون الرشيد خاتماً عليه فص أحمر، فلما مات حملَ هذا إلى الرشيد الوصية، فلما نظر إلى الخاتم قال له: من أين لك هذا الخاتم؟
فقال عبد الله بن الفرج: دفعه إليَّ طيّان.
فقال الرشيد متعجباً: طيَّان طيَّان!!
إذن فالروزجاريون هم عمَّال الطين.

على أنَّ في الرواية الثانية التي أوردتُ أولها ما يشير إلى ذلك أيضاً، لاحظ قوله: "الصناع. بين يديه زبيل كبير ومَرٌّ".

ويؤيد هذا كلامٌ لابن الجوزي في كتابه الرائع "صيد الخاطر"، وقد جاء في هذا الكلام قوله عن أناسٍ (ص: 484):
"فهم كالروزجاري، يتلوّثُ بالطين، فإذا فرغ لبس ثياب النظافة".

ومثلُ هذا ما جاء في ترجمة الإمام المربّي الكبير الشيخ عبد القادر الكيلاني (ت: 561هـ):
قال ابنُ السمعاني - في ما نقله عنه العلاَّمة ابنُ رجب الحنبلي في كتابه ذيل طبقات الحنابلة (1/291)-:
"سمعت أبا الحسين بن التبان يقول:
إن مدرسة عبد القادر كانت للقاضي المخرّمي، فلما فُوضتْ إلى عبدالقادر أراد أن يوسعها ويعمرها. فكان الرجال والنساء يأتونه بشيء فشيء إلى أن عمرها، فاتفق أنَّ امرأة مسكينة جاءتْ بزوجها - وكان زوجها من الفعلة الروزجارية - وقالت لعبد القادر: هذا زوجي، ولي عليه من المهر قدر عشرين ديناراً، ووهبت له النصفَ بشرط أن يعمل في مدرستك بالنصف الباقي، وقد تراضينا على هذا، فقبل الزوجُ ذلك، وأحضرت المرأة الخط وسلمته إلى عبد القادر.

فكان يستعمل الزوج في المدرسة، وكان يعطيه يوماً الأجرة، ويوماً لا يعطيه، لعلمه بأن الرجل محتاج فقير، ولا يملك شيئاً، إلى أن علم أن الزوج عمل بخمسة دنانير، فأخرج عبدُ القادر الخط ودفعه إلى الزوج وقال: أنت في حل من الباقي".

وكنتُ سألتُ العلاَّمة الشيخ جلال الحنفي عن معنى الروزجاري وأصلها فقال لي: "روز بالفارسية: يوم، أمَّا جاري فينبغي أن تكون داري أي صاحب، والمعنى: صاحب اليوم، وهو مَنْ يشتغل بأجرة يومه".

هذا، وبعد كتابة ما تقدَّم وقفت في كتاب "بستان العارفين" للإمام النووي "ت: 676هــ" على هذه الرواية، يقول رحمه الله (ص: 90- 91):
"أخبرنا شيخنا أبو البقاء، أخبرنا أبو محمد: أخبرنا أبو بكر: أخبرنا الخطيب: أخبرنا أحمد بن الحسين الواعظ: قال: سمعت أبا بكر الطرسوسي يقول: سمعت أبا بكر بن شيبان يقول: سمعت أبا عبد الله المغربي يقول:
صوفي بلا صدق، الروزجار أحسن منه".

وقد علَّق الإمام النووي على كلمة "الروزجار" بقوله:
"قلتُ: هو براءٍ مضمومة، ثم واو ساكنة، ثم زاي، ثم جيم، ثم ألف، ثم راء، وهو الذي يَعمل في الطين بالمجرفة ونحوها".

وبعد:
فمن خلال هذه النصوص أصبح المرادُ بالروزجاري واضحًا، ومن خلالها يُعلم أيضاً أنَّ هذه اللفظة كانت مستعملة في بغداد في القرن الثاني الهجري، وبقيتْ تستعمل حتى القرن السادس، وليس تحت يدي الآن نصّ يفيد أنها استمرت أكثر، وبهذه المناسبة أدعو إلى الاهتمام والاعتناء بطبع كتاب "معجم اللغة العاميّة البغدادية" لمؤلفه الشيخ جلال الحنفي، فإنه كتاب من الضرورة والأهمية بمكان، وتزدادُ الحاجة إليه يوماً بعد يوم، وعسى أن لا يطول الانتظار..[1]


[1] نُشِرَ المقالُ في جريدة العراق في 17/1/1990م
ثم رأيت في "الأنساب" للسمعاني (3/104):
"الروزجاري: بضم الراء وسكون الزاي بينهما الواو والجيم المفتوحة ثم الألف وفي آخرها الراء، هذه النسبة إلى الروزجار، وهو روزكار، يعني الذي يعمل بالنهار، ويُقال ببغداد لمن يعمل بالنهار الروزجارية، واشتهر بهذه النسبة أبو علي الحسن بن ثابت الثعلبي الروزجاري الأحول، وهو ابن الروزجار، وعرف بذلك".





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 21.51 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 20.88 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.92%)]