عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 30-09-2020, 04:35 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 47,765
الدولة : Egypt
افتراضي شخصية المرأة بين البناء والهدم

شخصية المرأة بين البناء والهدم
د· سعاد عبدالله الناصر



ما تعيشه الأمة اليوم من واقع تنبّأ به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يفرض مزيداً من البحث عن المعوقات التي تحول دون نهوض الأمة من جديد واستعادة فاعليتها الحضارية، ومن خلال قراءات متكررة لهذا الواقع ارتأيت أن أقول: إن دور المرأة فيه خطير بل إن دورها في اعتقادي قد يكون الحد الفاصل الذي يحدد طبيعته (أي طبيعة الواقع) وما يعيشه الفرد في ظله·
وإذا تأملنا حياة المرأة اليوم نجد أنها في حاجة أكثر من أي وقت مضى إلى إعادة صياغة شخصيتها عملياً وفكرياً وتوجيهياً وفق تربية إيمانية متكاملة، بما يلائم كينونة وجودها وطبيعة مهمتها الإنسانية في الأرض، وذلك من أجل تجاوز واقعها المليء بالإحباطات والتناقضات والإكراهات و(الإغراءات أيضا) المادية والمعنوية التي تغرقها أكثر في مستنقعات التبعية والتقليد والخرافة والاستلاب والتغريب واستعادة الشخصية الفاعلة المسترشدة بهدي الإسلام الذي أحدث انقلابا شاملا في الحياة البشرية كلها سواء على مستوى الممارسة والسلوك أو على مستوى الفكر والتصور حيث استطاع الإنسان - رجل أو امرأة - في ظله أن يتحرر من كل ما يعوقه عن الانطلاق في تحقيق خلافة اللّه في الأرض وإعمارها بالخير والنماء· وذلك من أجل ربط الصلة بمقومات رقينا التاريخي واستعادة دورنا في الحياة باستثمار طاقات وقدرات تُهدر في مجالات تافهة وسلبية وإعادة النافرين والمستلبين إلى دائرة الوجود الحضاري الفاعل·
وقبل أن نلج إلى صلب الموضوع نحتاج إلى وقفة من أجل تحديد المصطلحات الواردة في العنوان، إن الشخصية هي الصورة التي تظهر بها الذات الإنسانية من خلال تفاعل عوامل ومقومات عدة ذاتية مع العالم الخارجي حيث تتجسد سلوكا ومواقف وممارسات·
وتتكون الشخصية الإنسانية من عوامل عدة يكون لها أشد التأثير وأبلغه على تشكيلها، منها الغريزة والبيئة والوراثة والتربية(1) والشخصية الإسلامية هي تلك التي تتسم بسمة الإيمان، وتصبغ بالصبغة الربانية بالتزامها بحدوده ممارسة وفكراً وتصوراً يقول تعالى: >صبغة اللّه ومن أحسن من اللّه صبغة< (البقرة - 138) وعلى المرأة المسلمة أن تعي هذه العوامل والمكونات وتعمل على فرض إرادتها وتوجيهها الوجهة الإسلامية المحققة للرقي والتقدم، ولن تستطيع ذلك إلا إذا أعادت بناء شخصيتها بمقومات أساسية تكتسبها وتميزها عن غيرها وتدفعها لتحقيق النهضة والسمو الحضاري·
والبناء لغة >مفرد أبنية وهي البيوت التي تسكنها العرب في الصحراء ·· وبنى الرجل اصطنعة< (2) كما يطلق على العلو والشرف (3) في مثل قول الحطيئة >أولئك قوم إن بنوا أحسنوا<، أما إذا استعملناه في المجال الإنساني فإن مفهوم البناء من المنظور الإسلامي هي تلك >التراكمات الأخلاقية التي تهدف إلى عمليات التغيير في سلوك الإنسان وفكره وتصوره نحو الأفضل والأحسن التي تحقق مقاصد الشارع من قضية الاستخلاف في الأرض الشاملة لطاقات الإنسان وقدراته المادية والمعنوية<· فالبناء من خلال هذا المفهوم عمليات تغييرية مستمرة في أسلوب حياة الإنسان وطريقة فكره ومستوى أداء عمله نحو التقدم والتحسين والتنمية يقول تعالى: {إن اللّه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم< (الرعد: 11) فالتغيير هنا من دلالاته بناء النفس الإنسانية بناء يحقق مهمة الاستخلاف وتعمير الأرض واستثمار الكون ومن هنا كان الربط بين العمل والتكليف ومهمة الاستخلاف في قوله تعالى: {ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون} (يونس: 14)·
أما مصطلح الهدم لغة فهو نقيض البناء، ونقصد به هنا المفهوم الذي أشارت إليه الآية الكريمة في قوله تعالى: {ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن اللّه سميع عليم} (الأنفال: 53)، حيث يخبر اللّه تعالى أن اللّه لا يغير النعمة إلى نقمة إلا إذا محا الإنسان في نفسه الخير ومارس عمليات الإبادة في الأرض·
ومن خلال هذا التحديد ندرك أن إعادة بناء شخصية المرأة وفق التصور الإسلامي والمنهج الرباني لن تؤتي أكلها إلا من خلال التركيز على أسس ثلاثة:
1- تحرير واسترداد إنسانية المرأة·
2- ترسيخ فعل الإيمان في النفس·
3- استشعار المسؤولية الكاملة تجاه الذات والمجتمع والأمة والإنسانية جمعاء·

أولا: تحرير واسترداد إنسانية المرأة
من المحاور الأساسية التي دارت عليها سور القرآن الكريم محور التوحيد والعبودية للّه وحده، وهذا يعني أنه كلما فهم الإنسان مدى عبوديته للّه وسما مفهوم التوحد في نفسه كلما حقق في هذه النفس مفهومها التحرري الصحيح ورغم كثرة الدعوات المستمرة لتحرير المرأة في عصرنا الحديث ومحاولات إخراجها من تخلفها ومعاناتها وما حققته من نجاح لا ننكره في مختلف المجالات فإن واقع المرأة يكشف عن وضعية ماسخة لها وعن عدم امتلاك ذاتها وانغماسها في عبوديات مختلفة· أبرز مظاهرها أن الاهتمام بها هامشي لا يرقى إلى مستوى إنسانيتها ورسالتها في الحياة ومن أبرز مظاهرها أيضا عبوديتها لجسدها بالانكباب على تزيينه وتقديمه في سوق العرض والطلب، وهدر طاقاته وإمكاناته في التركيز على الانشغال بانحناءات الجسد· ونظرة عابرة لمعظم الانتاج الفني والأدبي (المكتوب والمرئي) أو التسويقات التجارية مثلا تجد معظمها يصب في ميدان الجسد وصناعته وتزيينه وفرض حضوره بشكل مهين ومقزز للمرأة المعتزة بأنوثتها وإنسانيتها والمدركة لآفاق تحررها، ويؤسفني أن أعلن أن المرأة رغم تعليمها وتقلدها لمناصب عدة إلا أنها ما زالت ترسف في مظاهر كثيرة من مظاهر التخلف والجهل والخرافة، وتعيش في ظل مفاهيم خاطئة ومبتورة لبعض النصوص الشرعية مثل >وقرن في بيوتكن< و>ناقصات عقل ودين<، والمرأة التي استطاعت أن تتحرر من تراكمات هذه المفاهيم تحولت إلى عبوديات أخرى تسربت إليها من الفكر الغربي فأصبحت ترسف في أغلال التغريب والاستلاب والاستغلال، هذا بالنسبة للمرأة المتعلمة، أما المرأة الأمية فإن واقعها أمر ولذلك يمكن أن نضيف إلى ما ذكرناه من عبوديات عبودية الأمية والفقر والتهميش وغيرها، وبصفة عامة فإن واقع المرأة ينبئ عن خلل ناتج من غياب فعل التحرر منه، ولن تستطيع ضبط هذا الواقع إلا إذا حررت عقلها، واستقام فكرها، لأن تحرر العقل من الخرافة والجمود والتقليد والتبعية يدفعها إلى التأمل والتدبُّر ونبذ أشكال العبوديات وعدم الانسياق وراءها من دون وعي أو بصيرة، كما أن استقامة الفكر واتزانه يدفعان إلى الوعي بحقوقها وواجباتها والأخذ بأحكام الشريعة وتطبيقها في حياتها باعتبارها كلا واحدا لا يتجزأ فتسترد إنسانيتها المتدحرجة بين الأقدام وتمارس الحرية بمفهومها الحقيقي التي تمدها بقوة فاعلة ومحركة لبناء شخصية متوازنة مع ذاتها الفردية والجماعية تمتلك القدرة على تغيير الواقع وتحسين أوضاعها المادية والمعنوية·
إن الوعي بقيمة التحرر ينشئ من المرأة شخصية فاعلة معتزة بأصالتها وجذورها متطلعة إلى الاستفادة من مختلف الخبرات الإنسانية لإثبات حضورها وتفعيل مشاركتها في مجالات الحياة حسب إمكاناتها وقدراتها· فتستطيع فهم رسالتها في الحياة وتأديتها على الوجه الأكمل، وفي الوقت نفسه لا تسمح لأي كان من استعبادها أو التعدي على حقوقها· نريد للمرأة أن تعيد بناء شخصيتها على أساس متحرر من كل العبوديات المختلفة لأن المرأة في معظم مجتمعاتنا قد اختزلت اهتماماتها في الشكل فقط، أي في جسدها، وفقدت الاهتمام بغير ذلك إلا ما فرض عليها فإنها تمارسه من دون إخلاص أو اقتناع· الأمر الذي أدى إلى هبوط كبير في مستوى الأداء، وأدى إلى ممارسة لاواعية للهدم وإبادة مختلف عوامل التحرر والعزة والكرامة·

يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 19.42 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 18.80 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (3.20%)]