الموضوع: معاجم الأبنية
عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 21-10-2019, 07:25 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 48,401
الدولة : Egypt
افتراضي معاجم الأبنية

معاجم الأبنية
د.مسعود بوبو
-1-‏

- نشأة التفكير في البحث:‏

معروف أن الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت175هـ) هو أول من اشتغل بالصناعة المعجمية، وقد أخذ في ترتيب معجمه "العين" بمبدأ تصنيف الكلام في أبواب هي الثنائي والثلاثي: الصحيح والمعتل، ثم الرباعي فالخماسي... والخماسي ما كان على خمسة أحرف مثل سفرجل.‏

ويرى الخيل أن كلام العرب لا يتعدّى بناؤه خمسة الأحرف، يقول: "وليس للعرب بناء في الأسماء ولا في الأفعال أكثر من خمسة أحرف، فمهما وجدت زيادة على خمسة أحرف، في فعل أو اسم، فاعلم أنها زائدة على البناء وليست من أصل الكلمة، مثل (قَرَ عْبَلانة)، وإنما أصل بنائها (قرعبل)، ومثل (عنكبوت) وإنما أصل بنائها (عنكب).(1)‏

ولمزيد من الدقة في التقسيم جعل الخليل بناء الثنائي في أنواع هي: الثنائي الخفيف من الحروف مثل "مع"، والثنائي المضاعف مما أدغم حرفاه المتشابهان مثل "علّل" الذي وضعه في "علّ"، والذي لم يدغم حرفاه المتشابهان مثل "كعك" الذي وضعه في "عكّ" والرباعي المضاعف مثل "زلزل" الذي وضعه في "زل". ويبدو أن الخليل اعتمد في ذلك على رسم الكلمة في الكتابة، لا على حسبان التكرير والتضعيف. بعد هذا أثبت باب الثلاثي بنوعيه، وجعل الرباعي والخماسي في باب واحد للصحيح من أصولهما. وأما الرباعي والخماسي المعتلين فقد أخرهما إلى مختتم معجمه حيث عقد باباً للحروف المعتلة.(2)‏

وبقليل من التأمل في هذا التبويب يلحظ المرء أن "الأبنية" تستبدّ بمنهج الخليل وتسيطر على تصوّره وتخطيطه لتقسيم الكلم في أنساق وفئات. وعزّز التفكير في موضوع الأبنية عنده نظرية التقاليب التي أخذ بها معياراً لاستقصاء الصيغ المحتملة للأصول وإحصائها اعتماداً على صورها أو قراءاتها المتعددة بالتقليب. فالأصل اللغوي "لمق" مثلاً، يعطي بالتقليب التراكيب الآتية: لمق، لقم، ملق، مقل، قمل، قلم... وما له منها معنى كان الخليل يثبت أمامه معناه، وما ليس له منها معنى كان يثبت أمامه كلمة "مهمل". ووفق هذا المبدأ يكون قد أحصى أبنية العربية الفصيحة المستعملة بدلالات لغوية، وضَبَطَها. وتأسيساً على هذا التصوّر اتّسع الاهتمام بالأبنية وازداد الميل إلى البحث فيها.‏

وعند بدء الاشتغال بالنحو عرض الرواد الأوائل من النحاة لمسألة تقسيم الكلام. ولعل أول من ذكرها في وضع وتصنيف سيبويه (ت180هـ) تلميذ الخليل، قال في "الكتاب":‏

"فالكلام على ثلاثة أحرف، وأربعة أحرف، وخمسة، لا زيادة فيها ولا نقصان(3)، ثم جعلها في أبواب وحشد لها ما وسعه الجهد والتذكر من الأبنية والألفاظ.‏

وكان من المنتظر أن يتابع الخالفون من النحاة بحث الأبنية بعد سيبويه في حقول متنوّعة من النشاط اللغوي، وهذا ما كان، إذ أضافوا إليه، أو استدركوا على سيبويه ما فاته منها، كأبي عمر الجرمي (صالح بن إسحاق، ت 225هـ)، وابن السراج (أبو بكر محمد بن سهل النحوي، ت 316هـ)، وابن خالويه (الحسن بن أحمد، ت 370هـ)، وأبي بكر الزُّبيدي الأندلسي (ت379هـ)، الذي زاد على أبنية سيبويه ما يربو على ثمانين بناء.‏

-2- معاجم أبنية الأفعال:‏

ولكن التأليف في أبنية الأفعال الثلاثية والرباعية سبق هؤلاء في نماذج مبكّرة خصّ أصحابها الأفعال بكتب مستقلة. ومن أشهر هؤلاء المؤلفين:‏

- قُطْرُب (محمد بن المستنير، ت 206هـ).‏

- يحيى بن زياد الفرّاء (ت207هـ).‏

- أبو عبيدة معمر بن المثّنى (ت210هـ).‏

- أبو زيد سعيد بن أوس الأنصاري (ت215هـ).‏

- عبد الملك بن قريب الأصمعي (ت 216هـ).‏

- عبد اللَّه بن محمد التوَّزي (ت233هـ).‏

- يعقوب بن السِّكِّيت (ت244هـ).‏

- محمد بن الحسن الأحول (كان حيّاً عام 250هـ).‏

- سهل بن محمد السجستاني (ت255هـ).‏

- الزَّجاج (إبراهيم بن السري، ت 310، أو 311هـ).‏

- محمد بن الحسن بن دريد الأزدي (321هـ).‏

- ابن درستويه (عبد اللَّه بن جعفر، ت 347هـ).‏

- أبو علي القالي (إسماعيل بن القاسم، ت 356هـ).‏

- الآمدي (الحسن بن بشر، ت 371هـ).‏

- الجواليقي (أبو منصور موهوب بن أحمد، ت 540هـ).‏

- ابن الأنباري (عبد الرحمن بن محمد، ت 577هـ).‏

- الواسطي (القاسم بن القاسم، ت 626هـ).‏

- ابن مالك (جمال الدين محمد بن عبد اللَّه الطائي، ت 672هـ)(4).‏

وعرض لهذه الظاهرة اللغوية "الأبنية" في العربية لغويون معجميون، ونحاة وصرفيون في إطار أبحاثهم المتنوّعة، وضربوا لها الأمثلة والشواهد، وتناولوا ذلك كله بالتعليل والتحليل والمدارسة، وخصص لها بعضهم أبحاثاً، أو فِقَراً، أو فصولاً وأبواباً في تضاعيف كتبهم، من ذلك ما نقف عليه في المعاجم المقسمة إلى "كتب" أو "أبواب"، أو "أبنية".‏

ومن اللغويين من عرضوا في كتبهم اللغوية العامة لبناء الأفعال، ونخص بالذكر منهم من عنونوا لأبحاثهم بعبارة: "فَعَلَ وأَفْعَلَ" أو "فعلتُ وأفعلتُ". وممن ضمنوا كتبهم أبحاثاً في ذلك:‏

- سيبويه في "الكتاب".‏

- أبو عبيد القاسم بن سلاّم (ت224هـ) في كتابه "الغريب المصنف".‏

- يعقوب بن السكيت في كتابه "إصلاح المنطق".‏

- ابن قتيبة (عبد اللَّه بن مسلم، ت 267هـ) في كتابه: "أدب الكاتب".‏

- ثعلب (أحمد بن يحيى، ت 291هـ) في كتابه: "الفصيح".‏

- ابن دريد الأزدي في معجمه "جمهرة اللغة".‏

- ابن القوطية (محمد بن عمر، ت 367هـ) في كتابه: "الأفعال".‏

- عثمان بن جني (ت392هـ) في كتابه: "الخصائص".‏

- أحمد بن فارس الرازي (ت395هـ) في كتابه: "الصاحبي في فقه اللغة".‏

- ابن سيده (علي بن إسماعيل، ت 485هـ) في كتابه: "المخصص".‏

- ابن القطّاع (علي بن جعفر، ت 515هـ) في كتابه: "الأفعال".‏

ووقف هؤلاء وغيرهم عند الأبنية النادرة، أو التي يتعدّد ضبطها وزناً، تبعاً لتقدير حروف الزيادة والحذف والإعلال. واتّسع الاهتمام بالأبنية فشمل أبنية الأفعال والأسماء والمصادر. ولكن الخطين البارزين في هذا الفرع من البحث استقلاّ باتجاهين رئيسيين هما: أبنية الأفعال، وأبنية الأسماء والأفعال جميعاً. وأمام الحاجة المرتقبة لاستيعاب المادة العلمية المستخلصة من نتاج هذا النشاط شرع اللغويون يبحثون عن منهج لتصنيفها فلم يجدوا أفضل من المنهجية المعجمية؛ ذلك أن مدار البحث في المعاجم يقوم أصلاً على "المفردة" في تعيين جذرها اللغوي وإثباته، وفي بيان معناها، أو معانيها، وليس مدار البحث في "الأبنية" ببعيد عن ذلك. وعلى وفق هذا التصور اتجهوا بأبنية الأفعال والأسماء نحو المعجمية، ثم خرج إلى الوجود مصطلح "معاجم الأبنية"، وصار ترتيبها على حروف الهجاء، أو على مخارج الحروف منهجاً مألوفاً، وبذا يكون التطور الذي طرأ على هذا النوع من النشاط اللغوي قد أخذ بضوابط التنظيم، وفي الوقت نفسه أخذ بفكرة الاستقصاء التي تقرُب من الاستقراء التام، أو من الإحصاء. ومن الأمثلة على ذلك ما ذكر عن السرقسطي (أبو عثمان سعيد بن محمد، المنبوذ بالحمار، ت بعد 400هـ) من أنه بلغ بالأفعال التي صنّفها 2753 فعلاً مرتبة على مخارج الحروف، وذكر أن ابن القوطية في "أفعاله" قصد إلى الإيجاز فأخلّ في كثير من المواضع(5).‏

ولإعطاء فكرة إيضاحية سريعة عن مضمونات تلك الأبحاث والمصنفات المبكرة يمكن أن نقف عند أمثلة متخيّرة منها؛ فمما تكلمت به العرب على بناء "فَعَلْتُ وأفْعَلْتُ" والمعنى واحد قول الزجاج:‏

"بكر الرجل في حاجته يبكر بكوراً، وأبكر إبكاراً، قال زهير بن أبي سلمى:‏

بكرْنَ بكوراً واستحَرْنَ بسحرةٍ * * * * * فهن ووادي الرسّ كاليد في الفمِ‏

وقال ابن أبي ربيعة (عمر):‏

أمِنْ آل نُعْمٍ أنت غادٍ فَمُبْكِرُ * * * * * غداةَ غدٍ أم رائحٍ فَمُهَجِّرُ؟‏

ويقال: بشرْتُ الأديم وأبشرته، وأديم مبشور ومُبْشَر إذا قُشر. وبرد اللَّه الأرض وأبردها إذا أصابها البرد، وأرض مبرودة ومُبْردَةَ. ويقال: بتّ عليه الحكم وأبَتَّه إذا قطعه عليه، وكذلك بتَّ الحبل وأبتَّه".(6).‏

ومن ذلك قوله:‏

"تقول: ثَرِي المكان وأثرى إذا ندي بعد يبس، وكثر فيه الندى، وكذلك ثري القوم وأثروا إذا كثرت أموالهم. وثلجت السماء وأثلجت من الثلج".(7).‏

ومنه: "خلَسَ رأس الرجل فهو خليس، وأخلس رأسه فهو مُخْلِس إذا اختلط فيه البياض بالسواد... وخضعه الكبر خضعاً وأخضعه إخضاعاً. وخفق الطائر بجناحيه وأخفق إذا صفق بهما".(8).‏

ويقدم المصنفون في هذا الموضوع أمثلة على غرار البناء السابق "فعلت وأفعلت" والمعنى مختلف، نحو: "راق الشيء فلاناً إذا أعجبه وحسن في عينيه، وأراق الرجل الماء إذا صبّه.(9) وطرق الحديد إذا ضربه حتى ينبسط، وأطرق الرجل إذا أمسك عن الكلام".(10).‏

أو يقدمون أمثلة اختير فيها "أفعلتُ" دون "فعلت"، أو "فعلتُ" دون "أفعلتُ"، نحو: "أخرف القوم إذا دخلوا في الخريف، وأذعن الرجل بالطاعة إذا ألزمها نفسه".(11) ومن الثاني قولهم: "جنبت الريح، وصدرت عن الشيء، وغلت القدر، ونبذت الشيء... ولا يقال في شيء من هذا وأمثاله "أفعلتُ".‏

-3- معاجم أبنية الأسماء:‏

تأخّر التصنيف في أبنية الأسماء فجاء لاحقاً للبحث في أبنية الأفعال في الترتيب الزمني. وقد يعلل سبق التصنيف في أبنية الأفعال بالحاجة إلى استعمال الأفعال المجردة في أبواب المعاجم، ذلك أن الأفعال تمثل الأصول أو الجذور Roots التي كانت مفاتيح الإفادة من المعاجم، والمنطلق إلى تقصيّ المشتقات. وقد يعلل ذلك السبق باللجوء إلى علم الصرف واتّخاذه ميزاناً لضبط الأبنية، إذ إن الصرف يقدِّم الأصول الموثقة، أو يقدم الجوهر مخلَّصاً من شوائب الزيادات والإعلال والحذف والإبدال، وبذا يمكن فرز الأبنية، ثم الانطلاق إلى البحث عن المعاني أو الدلالات اللغوية.‏

ويشار هنا إلى أن القاضي نشوان بن سعيد الحميري الذي ألّف معجماً في الأبنية (كما سيجيء) كان قد افتتح ذلك المعجم بالحديث عن التصريف لأهميته في البحث اللغوي، ثم انتقل إلى الحديث عن مخارج الحروف، وبعدها عقد فصلاً في أبنية كلام العرب. أما أبنية الأسماء فأمرها أكثر تعقيداً هنا من أبنية الأفعال، إذ يعتور الأسماء التوزّع بين الأصل والمشتق، وبين الزيادة والتجريد اللذين تبقى حقائقهما أعز ملتمساً، وبين الأصيل والدخيل. وتبقى الأسماء أوسع من الأفعال أبنية، مما يحفز على الاشتغال بالقليل الأبنية أولاً، ومما يجدر تسجيله هنا أن البحث في أبنية الأسماء اقتصر على فصول من كتب اللغة، ولم يرق إلى الاستقلال بكتب بأعيانها، وفي هذا الصدد يقول الدكتور أحمد مختار عمر:‏

"ولم أجد أحداً من اللغويين قد أفرد أبنية الأسماء بتأليف مستقل بقصد استيعابها، ويعمد إلى تنظيمها ويجمع ما تفرّق منها، ولكنني وجدتهم قد ألّفوا في شيء خاص منها وهو "المقصور والممدود"، وممن ألف في ذلك الفراء، والأصمعي، وأبو عبيد، والزجاج، وأبو علي القالي.."(12). وإذا كان الفراء المتوفى 207 هـ قد ارتاد هذا المجال فهذا يعني أن البحث في أبنية الأسماء لم يتأخر كثيراً عن البحث في أبنية الأفعال. وإذا صرفنا النظر عن الكتب التي صنُفت في "المقصور والممدود" وتجاوزنا هذه الدائرة الضيقة وأصحابها فسنجد أن أبا عبيد القاسم بن سلام (ت224هـ) هو صاحب السبق والفضل في توسيع دائرة البحث في أبنية الأسماء، إذ أفرد لهذا الموضوع ستاً وخمسين صفحة استهل بها كتابه "الغريب المصنّف"، وعقد أبواباً لما ورد فيه مثالان أو أكثر؛ وبين الصحيح والمعتل من المثال الواحد، فجعل لكل منهما باباً، وبين الأسماء والصفات من المثال الواحد، فأفرد لكل باباً...(13).‏

كما يعزى إلى يعقوب بن السكيت (ت 244هـ) مثل هذا الاهتمام في كتابه "إصلاح المنطق" إذ خصص لأبنية الأسماء القسط الأكبر من الجزء الأول من الكتاب وبعض أبواب الجزء الثاني.(14) وتابع ابن قتيبة (ت 276هـ) سلفيه فأفرد، في القسم الثاني من كتابه "أدب الكاتب" بعض الأبحاث لأبنية الأسماء، كما تابع الاهتمام بهذا الضرب من البحث اللغوي كل من أبي الحسن الهنائي المعروف بُكراع (كان حياً سنة 307هـ) الذي "أفرد باباً من كتابه المنتخب والمجرد للغات استهلّه بأمثلة الأسماء التي تشغل قريباً من عشرين صفحة".(15). وكذلك فعل ابن دريد الأزدي في "جمهرة اللغة"، وابن سيده الأندلسي في "المخصص".‏

أما الكتب التي وضعت في أبنية الأسماء واستقلّت بها فأشهرها "المقصور والممدود" للفراء (ت207هـ)، و"المذكر والمؤنث" لابن الأنباري (ت 328هـ)، وكتاب ما جاء من المبني على فَعَال لعلي بن عيسى الربعي (ت420هـ)، وكتاب "أبنية الأسماء" لابن القطّاع (ت515هـ)، وكتاب "ما بَنَتْه العرب على فَعَالِ"، وكتاب "يفعول" للصغاني (أو الصاغاني المتوفى سنة 650هـ).‏

وألّفوا فصولاً أو أبحاثاً في أبنية المصادر بدءاً من الكسائي (ت 183هـ) فالنضر بن شميل (ت 203هـ)، فالفراء، وخص كتابه المصادر بمصادر القرآن، فأبي عبيدة، فالأصمعي، فأبي زيد الأنصاري، فنفطويه (ت 323هـ).(16).‏

وفي غير ما إطالة يمكن القول إن هؤلاء اللغويين سلكوا، كنظرائهم من أصحاب المعاجم، مسالك متنوّعة في تبويب أبحاثهم، سواء أكانت فِقراً أو أقساماً ضمن كتاب، أم كانت معقودة على كتب مستقلة برؤوسها لهذا الغرض. ومع ما انطوت عليه مباحثهم من تباين في المنهج تبقى القضية واحدة، ويبقى منطلقها خدمة العربية واستيفاء أسرارها وبسطها ولمِّ شواردها للمتعلمين.‏

ولعل أشهر وأشمل ما صنف في هذا الموضوع معجم "ديوان الأدب" لأبي إبراهيم إسحاق بن إبراهيم الفارابي المتوفى سنة 350هـ.(17) ومن أبرز ما ذكره الفارابي في المقدمة المطولة لمعجمه هذا قوله:‏

"وقد أنشأت بتوفيق اللَّه تعالى، وبه الحول والقوة في ذلك... كتاباً عملت فيه عمل من طبَّ لمن حبَّ (كصنعة الطبيب الحاذق لمن يحبه)، مشتملاً على تأليف لم أسبق إليه، وسابقاً بتصنيف لم أزاحم عليه، وأودعته ما استعمل من هذه اللغة، وذكره النحارير من علماء أهل الأدب في كتبهم، مما وافق الأمثلة التي مثّـلْتُ، والأبنية التي أوردت، مما جرى في قرآن، أو أتى في سنّة، أو حديث، أو شعر، أو رجز، أو حكمة، أو سجع، أو مثل، أو نادرة".(18).‏

ورتّب الفارابي المادة اللغوية على النحو الآتي:‏

أولاً: قسم كتابه إلى ستة أقسام سماها كتباً، وهي على الترتيب الآتي:‏

آ- كتاب السالم. ب- كتاب المضاعف. ج- كتاب المثال. د- كتاب ذوات الثلاثة. هـ- كتاب ذوات الأربعة. و- كتاب المهموز.‏

ثانياً: جعل كل كتاب من هذه الكتب شطرين: أسماء وأفعالاً، وقدّم الأسماء في كل كتاب على الأفعال.‏

ثالثاً: قسم كل شطر منهما إلى أبواب بحسب التجرّد والزيادة...‏

ويحسن توضيح ما قصد إليه الفارابي بستة الأقسام بغية تقريب منهجه من القارئ، أو تسليط مزيد من الضوء على مصطلحات الفارابي؛ فالمراد بالسالم عنده: "ما سلم من حروف المد واللين والتضعيف"، والمضاعف: "ما كانت العين منه واللام من جنس واحد" يعني مثل: حبب، مدَّ، هزَّ. والمثال: "ما كانت في أوله واو أو ياء" يعني مثل: وعد، ينع. وكتاب "ذوات الثلاثة" عرفه بقوله: "ما كانت العين منه حرفاً من حروف المد واللين" وهو "الأجوف". وهذه التسمية "ذوات الثلاثة" مأخوذة من رد الفعل الأجوف إلى نفسك، أي تصريفه بصيغة المتكلم، نحو: قمت، بعت، نمت. أما كتاب ذوات الأربعة فهو عنده: "ما كانت اللام منه حرفاً من حروف المد واللين"، وهو "الناقص"، نحو: حكى، سعى، دنا.. فعند تصريف هذه الأفعال ونظائرها بصيغة المتكلم يصير بناؤها أربعة أحرف، إذ تقول: حكيت، سعيت، دنوت.‏

وذكر السرّ في إفراد المهموز بكتاب بقوله: "والهمزة كالحرف السالم في الحركات، وإنما جعلت في حروف الاعتلال لأنها تلين فتلحق بها".(19)‏

وراعى الفارابي في ترتيب أبواب معجمه المظاهر الصرفية من تجريد وزيادة وتثقيل وحشو وإلحاق، في الثلاثي والرباعي والخماسي وما ألحق به، كما راعى في ترتيب الأفعال المثال والأجوف والناقص والمهموز والمضاعف، وأخذ بمنهج مراعاة الترتيب الهجائي وفق باب الحرف الأخير؛ أي ما يعرف اليوم بنظام باب الحرف الأخير فصل الحرف الأول، على غرار ما صنع اليمان بن أبي اليمان البندنيجي المتوفى سنة 284هـ في معجمه "التقفية في اللغة" الذي رتّبه البندنيجي وفق باب الحرف الأخير أو القافية كما نُقل عنه.(20) ولم يكن معجم الفارابي "أول معجم سلك هذا النظام الذي أخذ به الجوهري" كما قرر الدكتور أحمد مختار عمر في مقدمة التحقيق.(21).‏

وأخذ بنظام الباب الأخير بعد الفارابي: القاضي نشوان بن سعيد الحميري (من علماء القرن السادس الهجري)، وابن منظور، والفيروزابادي وغيرهم.‏

وإذا كنا قد وقفنا قليلاً عند المعجم "ديوان الأدب" فلأنه: "أول معجم عربي جامع اتبع نظام الأبنية في ترتيب الألفاظ ولم يأخذ التأليف في الأبنية قبل الفارابي صورة المعجم الكامل الذي يتجه إلى حصر المادة اللغوية، وتوزيعها على الأبنية في نظام معين، وإنما اتجه بعض اللغويين إلى حصر الأبنية والتمثيل لها، واتجه بعض آخر إلى العناية ببعض الأبنية، ومحاولة حصر ألفاظها، أي أن عملهم كان فاقداً لأهم عنصرين من عناصر المعجم الكامل وهما: الشمول والترتيب".(22)‏
يتبع


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 28.35 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 27.73 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (2.19%)]