عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 03-01-2020, 03:07 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 26,775
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التجديد الأصولي بين الضرورة والإهمال

التجديد الأصولي بين الضرورة والإهمال
محمد بن حسين الأنصاري

مواقف الناس من التجديد
تباينت مواقف العلماء والكُتَّاب في النظر إلى موضوع التجديد إلى طرفين ووسط:
الموقف الأول:
مانعوا التجديد، وهم الذين يريدون أن يبقى كل قديم على قدمه وشعارهم المرفوع(ليس في الإمكان أبدع مما كان!) يمثل هؤلاء بعض مقلدي المذاهب المتعصبين لها، والحرفيون الذين يقفون جامدين عند ظواهر النصوص(16)، أقول لهؤلاء: إن تراثنا بأمس الحاجة إلى التحقيق والغربلة، لتكثيف الفهم والتعقل، وتحري الاختيار والانتخاب، ومن ادعى غير ذلك فقد جنى على التراث أولاً، وعلى المتقدمين ثانياً؛ بالإدعاء لهم ما لم يدعوه لأنفسهم، ولا لمن سبقهم، وتعدى على المتأخرين ثالثاً؛ بوأد عقولهم في مهدها، والتشكيك في قدراتهم ومقاصدهم، كما أن ركام الخلافيات التي تفاقم أمرها في كتب علم الأصول يحتاج إلى عقل مجدد لاستخلاص الراجح من بينه.
وأؤكد في هذا السياق على عدم صحة اعتبار أن الماضي دائماً أفضل حالاً من الحاضر، والقادم أسوأ من الحاضر، فمجمل ما يتعلق به هؤلاء مردود من مقولات كَرَّست حالة الجمود والسكون والرهبة، والتقديس في التعامل مع التراث، وبالذات مع آراء واجتهادات العلماء السابقين، ورسَّخت حالة التقليد والتبعية، وأضعفت حالة الاجتهاد والتجديد(17)، "وأما الجانب النفسي-عند هؤلاء- فإن هناك لوناً من الخشية في الإقدام على تجديد كل ماله علاقة بالدين، حتى أن كلمة التجديد نفسها إذا وردت في معرض الحديث عن مسألة فقهية تقابل بالامتعاض خوفاً من أن تكون ذريعة للتحلل من أوامر الدين وشعائره شيئاً فشيئاً، والانتصار على هذا الجانب النفسي يحتاج إلى شجاعة وثقة بالنفس، وإيمان بأن الإسلام الذي ارتضاه الله ديناً للناس كافة يحض على إعمال العقل، ومحاربة الجمود، والعمل الدءوب من أجل أن تسود كلمة الحق، وأن تكون لها صولة وقوة حتى لا تخنس أمام ضراوة الباطل وإعصار التقليد والجمود"(18).
الموقف الثاني:
الغلاة في التجديد، وهم الذين يريدون أن ينسفوا كل قديم، وإن كان هو أساس هوية المجتمع، وهؤلاء في الحقيقة مبددون لا مجددون، وهم يكتبون تارة باسم التجديد الأصولي، وتارة بتجديد الفكر الإسلامي.
الموقف الثالث:
المتوسطون في التجديد، وهم الذين يرفضون جمود الأوليين وجحود الآخرين.
وهنا لا بد أن نفرق بين ما يبديه الذين يدعون إلى التجديد، الذي يظهر أنه امتداد للجهد الذي بذله علماء المسلمين منذ قيامهم بواجب الاجتهاد والإفتاء، وبناء صرح الفقه الإسلامي، وبين الذين يدعون إلى هدم الإسلام، وطمس معالمه، وقد بان لك فيما سبق أنهم متصفون بأسوأ من ذلك(19)، وهؤلاء المتوسطون اختلفوا في الضوابط الشرعية للتجديد، كما اختلفوا في التعاطي معها، منهم من توسع حتى كاد يصل إلى الغلاة، ومنهم من ضيّق حتى كاد يغلق الباب.
"وجملة القول أن التجديد في علم الأصول ضرورة دينية، وأن الدعوة إلى هذا التجديد تنطلق من مبدأ صلاحية التشريع الدائم للتطبيق، وأن هذه الدعوة لا تعني خروجاً على كل ما كتبه السلف في هذا العلم، فمنه ما لا يقبل التطور، ومنه ما جاء عن نظر واجتهاد، ولا أحد يستطيع أن يدعي فرضية متابعة أي مجتهد في أمر أداه إليه اجتهاده فقط، فإن ذلك أقصى ما يقال فيه، إنه رأي، والرأي مشترك"(2).
مقترحات التجديد الأصولي
مما أقترح تهذيبه وتفعيله في علم الأصول ما يلي:
أولاً: الرجوع التام إلى الأصول والمصادر التي تَكون منها هذا العلم: فتجديد علم الأصول لا يكون مثمرا إلا برجوعه لمصادره الأصلية، وانعتاقه مما خالطه من العلوم الأجنبية عنه، ومصادر أصول الفقه اثنان: الأدلة الشرعية بفهم السلف، واللغة العربية، قال القرافي: "والحق أن مسائل أصول الفقه معلومة - كما قال التبريزي - بالاستقراء التام من اللغات"(21)، وما سوى ذلك من الفروع فهو مساعد لضبط الأصول لا ناتج لها.
ثانياً: تنقيح علم الأصول من فضول المسائل التي لا علاقة له بها: كمسائل علم الكلام، والمنطق، والفلسفة، وجمل من مسائل المصطلح، والبلاغة، والنحو، وذلك يكون بطريقين:
1- بإفراد هذه المسائل عن العلم، مع ذكر السبب، وبيان أثرها على العلم، وقد كتب في هذا المجال عدة رسائل منها: المسائل المشتركة للعروسي، وهناك بحثان كلاهما قيد الإعداد، الأول: "علاقة علم المنطق بعلم أصول الفقه" رسالة جامعية لأخي الأستاذ/ وائل الحارثي، والثاني: "أثر الأصول الكلامية في بناء القواعد الأصولية" لأخي الأستاذ/ سلطان العميري، كما أن هناك بحثان كلاهما مطبوع الأول: "البحث النحوي عند الأصوليين" للسيد مصطفى جمال الدين، الثاني: "المباحث اللغوية وأثرها في أصول الفقه" لنشأت علي محمود.
2- بتصفية قواعد علم الأصول التي لها أثر ظاهر في الاستنباط مع أدلتها وأمثلتها، ومن أجود المحاولات في هذا المجال في نظري كتاب: "المصفى في أصول الفقه" لأحمد بن الوزير (ت: 1372هـ) فقد جرّد مسائل أصول الفقه من بعض ما علق بها.
والفرق بين الأول والثاني: هو أن الأول إبراز المسائل الدخيلة في هذا العلم؛ ليعلمها المتلقي، والثاني تصفية وتنقيح المسائل الأصولية المثمرة عن غيرها؛ ليسهل الوصول إليها.
ثالثاً: تفعيل جانب التطبيق على جانب التنظير في الدراسات الأصولية: وهذا له عدة جوانب:
1- ربط القواعد الأصولية بالأدلة، وذلك في محافل التدريس، والرسائل الجامعية، لبيان أصلها ومصدرها.
2- الاهتمام بذكر الأمثلة الفقهية لكل قاعدة، لبيان ثمرتها وإنتاجها.
3- الاهتمام بتطبيق القواعد الأصولية على النوازل الفقهية المعاصرة، وبيان فاعليتها.
رابعاً: التحديث والإضافة للتراث الأصولي: وذلك بأمور:
1- صياغة التراث الأصولي وتحديثه بأسلوب عصري مدعوم بالأمثلة والترجيح، وتحرير المصطلحات ما أمكن خاصة في المناهج الدراسية الأصولية.
2- إضافة ما لا بد منه كالمقاصد الشرعية، ولا سيما في المناهج.
3- تقليل الاعتماد على المتون الصناعية ما أمكن، خاصة المنظومات؛ لما فيها من التعقيد وقلة الفائدة.
4- الاهتمام بالموضوعات الأصولية التي كثر الكلام حولها كالمصالح والنسخ وغيرها.
خامسًا: التجديد من جهة الصياغة وطريقة التأليف: وهذا له طرق:
1- مؤلَف يهتم بإعادة الصياغة لبعض القواعد الأصولية.
2- مؤلَف يهتم بأخطاء الأصوليين في طريقة التأليف، قال الشاطبي: "كل مسألة مرسومة في أصول الفقه لا ينبني عليها فروع فقهية، أو آداب شرعية، أو لا تكون عونا في ذلك، فوضعها في أصول الفقه عارية، والذي يوضح ذلك أن هذا العلم لم يختص بإضافته إلى الفقه إلا لكونه مفيدا له، ومحققا للاجتهاد فيه، فإذا لم يفد ذلك، فليس بأصل له"(22).
الخلاصة: أن علم أصول الفقه ينبغي أن نتجاوز به في عصرنا مرحلة الاجترار والتكرار إلى مرحلة التجديد والابتكار، حتى يكون الاجتهاد-ولا سيما في القضايا العامة التي تواجهنا فيها مشكلات جمة- ناضجا متطورا، لا يقف عاجزا أمام ما تتمخض عنه الحياة كل يوم من نوازل، بحجة أن السابقين لم يتكلموا فيها، أو أنه لا يوجد لها شبه فيما اشتملت عليه كتب الفقه من مسائل(23).
هذا وإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمني والشيطان، والله ورسوله منه براء، ورحم الله من أهدى إليَّ عيوبي، سبحانك اللهم، أستغفرك وأتوب إليك.
-------------------------------
الهوامش:
(1) إشكالية تجديد أصول الفقه (ص/156)
(2) مجموع فتاوى ابن تيمية (2/42)
(3) المصدر السابق: (2/41-42)
(4) المصدر السابق: (2/86)
(5) التمهيد في أصول الفقه للخطابي (1/277)
(6) الاجتهاد للريسوني ومحمد باروت (ص/92-93)
(7) درء التعارض (2/98)
(8) المصدر السابق: (1/363)
(9) المستصفى (1/42)
(10) شرح مختصر الروضة (2/455)
(11) انظر: نفائس الأصول في شرح المحصول للقرافي (1/161) بتصرف.
(12) المحصول (1/18)
(13) قواعد الأصول ومعاقد الفصول (ص/49-5)
(14) نهاية السول (1/5-6)
(15) إرشاد الفحول (1/53-54)
(16) من أجل صحوة راشدة، للقرضاوي (ص/5-53) بتصرف.
(17) من التراث إلى الاجتهاد لزكي الميلاد (ص/256).
(18) نظرة نقدية في الدراسات الأصولية المعاصرة للدسوقي (ص/13-131)‏
(19) تجديد علم أصول الفقه للسريري (ص/89) بتصرف يسير.
(20) نظرات في علم أصول الفقه، طه العلواني، نقلا عن الدسوقي نحو منهج جديد لدارسة علم أصول الفقه (ص/484).
(21) العقد المنظوم (1/499)
(22) الموافقات (1/37)
(23) نظرة نقدية في الدراسات الأصولية المعاصرة، محمد الدسوقي (ص/13)‏.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 23.57 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 22.95 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (2.64%)]