عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 09-08-2020, 05:48 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 45,074
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الأدب الإسلامي بين النظرية والتطبيق

الأدب الإسلامي بين النظرية والتطبيق
د. محمد بن سعد الدبل

معالم وخصائص تراعي في الموضوعات التالية:
1- نظرة الأدب الإسلامي تصحيح للعلاقة بين الأدب والعقيدة.
2- نظرية الأدب الإسلامي تحقيق للتوافق بين العقيدة والحس الأدبي.
3- نظرية الأدب الإسلامي حماية للقيم الفنية.
4- نظرية الأدب الإسلامي حاجة ملحة[7].


وإذا أردنا تطبيق هذه النظرية على هذه الموضوعات دراسة وبحثا فإنه لابد من كلام مستفيض على هذه الموضوعات واحدة واحدة، ولعل من أوثقها صلة بنظرية الأدب الإسلامي موضوع "نظرية الأدب الإسلامي حماية للقيم الفنية، وهذا يتطلب الوقوف على معرفة الخصائص الفنية التالية:
1- التجربة الشعورية.
2- ألفاظ النص الأدبي.
3- معاني النص الأدبي.
4- مراعاة الصلة بين موضوع النص الأدبي وتوجيهات العقيدة الإسلامية.


وأول ما يحسن التنبيه عليه هو "معرفة الكيفية التي بها يولد النص الأدبي قصيدة كان أو مسرحية أو غير ذلك؟
إن كل من عانى مخاض الأدب في نفسه يجيب عن هذا السؤال بما يدل على أنه وجد في أعماقه شيئا مبهما تفاعل أو تفاقم بفعل مؤثرات خارجية أو داخلية، ثم وجد طريقه إلى خارج الذات، وهذا هو ما يعرف "بالتجربة الشعورية" التي هي رصيد إنساني عام يشترك فيه البشر بنسب متفاوتة، ولكن الأديب يتميز بتوقد الانفعال فيها وبالقدرة على التعبير عنها بأدوات لغوية مناسبة[8].


وحول التجربة الشعورية عند الأدباء القدماء، يقول ابن رشيق القيرواني: إنما سمي الشاعر شاعرا لأنه يشعر بما لا يشعر به غيره، ويفسر ابن رشيق التجربة بنتائجها، وينظر إلى ما يأتي به الشاعر من معني مولد ولفظ مبتدع فيقول : إذا لم يكن عند الشاعر توليد معنى واختراعه، أو استظراف لفظ وابتداعه، أو زيادة فيما أجحف فيه غيره من المعاني أو نقص مما أطال سطره من الألفاظ أو صرف معنى إلى وجه آخر كان اسم الشاعر عليه تجاوزا ولم يكن له إلا اللفظ والوزن[9].


ونلحظ مفهوما أخر للتجربة الشعورية حيث يوصي أبو تمام الشعراء على استخراج القصائد من أعماقهم مما يعينهم على إذكاء تجربتهم وحسن التعبير عنها، وفي المعاصرين عدد من الأدباء عالجوا فكره أو موضوع التجربة الشعورية يقول الأستاذ الأديب شفيق جبري: اترك الذهن في أثناء الكتابة على سجيته يطرح الأفكار، وتنثال عليه الألفاظ انثيالا، وما أذكر أني كنت أقف في طرح الأفكار أو كنت أعني باختيار الألفاظ، وإنما كنت أسرع الإسراع كله فكانت الأفكار يدفع بعضها بعضا، وكانت الألفاظ يجر بعضها بعضا، فإذا هدأ الذهن بعد هيجانه وأتيت على الموضوع كله طويت الورق ساعات أو يوما أو يومين ثم عدت إلى موضوعي بعد هذا الزمن فإذا وجدت لفظا في غير محله نقلته، وإذا وجدت لفظا لا يصور ما أريد أحسن تصوير غيرته[10].


ومن الأسس المتينة القوية الثابتة التي تقوم عليها نظرية الأدب الإسلامي وصحة وجوده بين الآداب، موضوعات العقيدة، تلك الموضوعات التي تبنى ولا تهدم، فهي قيم أخلاقية رفيعة ليس هذا مجال حصرها وتعدادها.


ولكننا سنقف على شيء من هذه الأسس التي تنبني عليها النظرية القائمة اليوم، أعني نظرية الأدب الإسلامي.


فهناك من الأسس التي عالج بها الأدباء والنقاد القدماء موضوعات الأدب خروج الأديب بوجه عام والشاعر بوجه خاص على أهداف العقيدة والتقاليد المرعبة فلقد أخذوا على ابن هانئ الأندلسي تجاوزاته العقدية وعابوه على استعانته على صلاح دنياه بفساد أخرته.


"وأقول في هذا الأساس المبني المرعى. أعني أساس مراعاة موضوعات الأدب المنطلقة من توجيه العقيدة مراعاة للقيم والتقاليد.


وأقول: ما أكثر هؤلاء النقاد والأدباء في حياتنا الأدبية المعاصرة ممن يتسم في عطائه الأدبي بصلاح دنياه على حساب فساد أخرته، فقد طغت المجاملات، وكاد أن يعم خطرها، فكثيرا ما يستحسن الرديء ويترك الجيد، لا أقول يستقبح - فإن الأدب الجيد تفرضه جودته، وقد كثر النفعيون المنتفعون الذين يكاد عيشهم لا يأتي إلا من خلال أدبهم، وليكن ما يكن هذا الأدب، يقول الناقد القديم عبدالقاهر الجرجاني في هذا التوجيه السديد حين قرأ قول المتنبي ذلك القول المشتط في المبالغة:
يترشفن من فمي رشفات
هن فيه أحلى من التوحيد



يقول عبدالقاهر:
وأبعد ما يكون الشاعر من التوفيق إذا دعته شهوة الأغراب إلى أن يستعير للهزل والعبث من الجد ويتغزل بهذا الجنس[11]، ومعلوم أن عبدالقاهر الجرجاني صاحب منهج نفسي في نقد الأدب إذ يعتمد في تقويمه للأعمال الأدبية على دعامة الذوق الفطري الذي ينبع من أعماق النفس البشرية في تصورها للأشياء حسنا وقبحا ومن ثم التعبير عنها بواسطة الفن الأدبي الذي الشعر الواحد من فنونه الرفيعة.


وهذا يعنى أن على الأديب مراعاة ما أوصى به نقاد الأدب عند نقل التجربة الشعورية بواسطة العبارة، ومن وصاياهم في هذا الشأن ما جاء في صحيفة بشر بن المعتمر التي منها: "خذ من نفسك ساعة نشاطك وفراغ بالك وإجابتها إياك، فإن قليل تلك الساعة أكرم جوهرا،وأشرف حسا، وأحسن في الأسماع، وأحلى في الصدور، وأسلم من فاحش الخطأ وأجلب لكل عين وغرة من لفظ شريف ومعنى بديع.


وأعلم أن ذلك أجدى عليك مما يعطيك يومك الأطول بالكد والمطاولة والمجاهدة، وبالتكلف والمعاودة.. وإياك والتوعر فإن التوعر يسلمك إلى التعقيد، والتعقيد هو الذي يستهلك معانيك، ويشين ألفاظك.


ومن أرام معنى كريما فليلتمس له لفظا كريما فإن حق المعنى الشريف في اللفظ الشريف، ومن حقهما أن تصونهما عما يفسدهما ويهجنهما.. فكن في ثلاث منازل/ فإن أولى الثلاث: أن يكون لفظك رشيقا عذبا وفخما وسهلا/ ويكون معناك ظاهرا مكشوفا وقريبا معروفا أما عند الخاصة إن كنت للخاصة قصدت، وأما عند العامة إن كنت للعامة أردت.


ومدار الشرف على الصواب وإحراز المنفعة مع موافقة الحال وما يجب لكل مقام من المقال.. فإن أمكنك أن تبلغ من بيان لسانك وبلاغة قلمك، ولطف تداخلك، واقتدارك على نفسك إلى أن تفهم العامة معاني الخاصة، وتكسوها الألفاظ الواسطة التي لا تنزل على مستوى الدهماء، ولا تجفو عن الأكفاء، فأنت البليغ التام.


فإن كانت هذه المنزلة لا تواتيك ولا تعتريك ولا تسمح لك عند أول نظرك، وتجد اللفظة لم تقع موقعها، ولم تصل إلى قرارها وإلى حقها من أماكنها نافرة من موضعها. فلا تكره نفسك ولا تكره لفظك على اغتصاب الأماكن والنزول في غير مواطن الكلام، فإنك إذا لم تتعاط قرض الشعر الموزون، واختيار الكلام المنثور لم يعبك بترك ذلك أحد، وإن أنت تكلفت الألفاظ ولم تتخير محكم النسج والعبارة ولم تك حاذقا مطبوعا، ولا محكما لسانك بصيرا بما عليك وما لك. عابك من أنت أقل عيبا منه. ورأى من هو دونك أنه فوقك.


فإن ابتليت بأن تتكلف القول وتتعاطى الصنعة، ولم تسمح لك الطباع في أول وهلة، وتعاصى عليك بعد اجالة الفكرة، فلا تعجل ولا تضجر، ودعه بياض يومك وسواد ليلك، وعاوده عند نشاطك وفراغ بالك فإنك لا تعدم الإجابة والمواتاة إن كانت هناك طبيعة.


فإن تمنع عليك بعد ذلك من غير حادث عرض، ومن غير إهمال. فالمنزلة الثالثة أن تتحول من هذه الصناعة إلى أشهى الصناعات إليك وأخفها عليك.. فالشيء لا يحن إلا إلى ما يشاكله. والنفوس لا تجود بمكنونها إلا مع الرغبة ولا تسمح بمخزونها مع الرهبة.


وينبغي للمتكلم أن يعرف أقدار المعاني، ويوازن بينها وبين أقدار السامعين، وبين أقدار الحالات. فيجعل لكل طبقة من كلامه كلاما. ولكل حالة مقاما حتى يقسم أقدار الكلام على أقدار المعاني، ويقسم أقدار المعاني على أقدار المقامات وأقدار المستمعين على أقدار الحالات[12].قال بشر بن المعتمر: فلما قرئت هذه الصحيفة على إبراهيم بن جبلة السكوني: قال: أنا أحوج إلى هذا من هؤلاء الفتيان[13] يعني الذين يعلمهم إبراهيم الخطابة والأدب ونقول: إن هذه النظرية من النقاد القدماء إلى الأدب في مضامينه ومبانيه/ نظرة سديدة صائبة. ذلك لأن الأدب قبل أن يكون صورة معبرة، وفكرة مصورة، وعاطفة مؤثرة، وعقلا متحركا، وقلبا نابضا، وشعورا صادقا. فهو لفظ ومعنى قبل أن يكون على شكل الصورة المرسومة/ والفكرة الموسومة، فعلى الأديب أن يراعي خصائص ألفاظه وخصائص معانيه، عارفا بقدرة من يتكلم إليهم ويخاطبهم ولولا ذلك لكان الأدب شعرا أو نثرا من الكلام العادي الرخيص الذي يمكن أن يعبر عنه كل ناطق ولولا الفوارق بين الناس في المستوى العلمي والثقافي ومردود الأثر، لما عرف جاهل من عالم، وأديب من متأدب، وغبي من ذكي، وحصر من فصيح، ومبعد من مقلد، ومبتكر من مكرر.


وإذا فلا غرابة أن يلح النقاد الأوائل على إتباع مقاييس النقد الأدبي في خصائص الألفاظ والجمل والتراكيب والمعاني، وأن يجعلوا الحديث عن هذه المسائل من أكبر مقاييس النقد فوق ما للذوق من معيار يمكن أن توزن به الأعمال الأدبية جودة ورداءة.


وإن قيل: ما صلة هذه الآراء النقدية بالحديث عن التجربة الشعورية، وبالكلام على نظرية الأدب الإسلامي؟؟ فالجواب: إنه حين يقع الأديب تحت وطأة التجربة الشعورية فليس له من معبر إلى نقلها سوى العبارة الأدبية التي تتطلب مراعاة هذه الآراء بإتباع الخصائص الفنية المقومة لنصه الأدبي شعرا أو نثرا، وهذا يعني مرحلة تطبيق نظرية الأدب الغائي النبيل الهادف وأضربه في الأدب الإسلامي ولهذه الخصائص الفنية لفظاً ومعنىً وصورة إرهاصات أولي في الشعر الجاهلي أفاد منها شعراء الإسلام في نقلتهم الشعرية الإسلامية مما كون صرحا أدبيا إسلاميا خرج في نقلته من النظرية إلى التطبيق على النحو الذي سنتبينه في بعض النصوص من الشعر الجاهلي ثم الإسلامي "فقد جاء الشعر الجاهلي وليد البيئة العربية ما قبل الإسلام، واستطاع تصوير حياة العرب من كافة جوانبها وبكل أبعادها، فكان جديرا بأن يسمى سجل العرب الحافل بأيامهم ومآثرهم وعاداتهم وتقاليدهم فمن ناحية الدين عبر الشعر عن الفراغ العقدي ذلك الفراغ المتمثل في عبادتهم الأصنام التي ظنوها تقربهم إلى الله زلفى وبين شدة حاجتهم إلى دين صحيح ينتشلهم من غياهب الوثنية إلى توحيد الله الواحد القهار.


ومن الناحية السياسية رصد الشعر أبعاد السياسة والحياة الخارجية للعرب - آنذاك موضحا أن العلاقة بين القبائل العربية. ما تكون واترا وموتورا إذ أن جذوة العصبية القبلية كانت على أشدها في ذاك العهد وكثيرا ما كانت تنشأ حروب بينهم لأتفه الأسباب، كما كان للتفاخر والتباهي بالأنساب والأحساب أثر في إشعال الفتن والحروب[14] التي لم يخمد أوزارها إلا الإسلام.


وكانت تلك الحياة مسرحا للشعر والشعراء حيث تصول الكلمة في شتى أغراض الشعر من فخر ومدح وهجاء ووصف وغزل وإليك رائعة من عيون الشعر الجاهلي للنابغة في مديح الغساسنة.
رفاق النعال طيب حجزاتهم
يحبون بالريحان يوم السباسب

تحييهم بيض الولائد بينهم
واكسيه الاضريج فوق المشاجب

يصونون أجسادا قديما نعيمها
بخالصة الأردان خضر المناكب

ولا يحسبون الخير لا الشر بعده
ولا يحسبون الشر ضربة لازب

حبوت بها غسان إذ كنت لاحقا
بقومي وإذا أعيت على مذاهبي[15]



في هذه القصيدة يرسم الشاعر النابغة صورة لما عليه العرب في جاهليتهم سواء في الجزيرة العربية أو ما جاورها من بلدان يقطنها فبعضهم يعمل تجارة أو سياحة كالشام واليمن والعراق. وأن حكامهم يتميزون على حكام غيرهم من الأمم وذلك ببعد الصيت وحب الكرم والإيثار ودماثة الأخلاق والإيثار ودمائه الأخلاق وبساطة المظهر وعفتهم عن الخيانة. والزور والفحشاء وتواصيهم بتعهد الجار وصيانة العهد والوفاء به ومقت الغدر والخيانة.

وهذه الأخلاق مما أقره الإسلام في تشريعه السماوي فقد قال صلى الله عليه وسلم: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق وإليك رائعة حسان بن ثابت من شعره الجاهلي فهي قصيدة ترسم صورة لمكارم الأخلاق التي كانت سائدة بين العرب وأقرها الإسلام: من هذه الرائعة قوله:
لنا حاضر فعم وباد كأنه
شماريخ رضوي عزة وتكرما

نود ذا المال القليل إذا بدت
مروءته فينا وأن كان معدما

وإنا لنقري الضيف إن جاء طارقا
من الشحم ما أضحى صحيحا مسلما
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 31.26 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 30.64 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (1.99%)]