عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 04-09-2019, 11:27 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 18,801
الدولة : Egypt
افتراضي رد: مصادر التراث الصوتي العربي

مصادر التراث الصوتي العربي
ـــ د.أحمد عزوز


علم القراءات والأداء القرآني:‏

تعد مصنفات التجويد من أهم مصادر التراث الصوتي، بل منابعه الأولى التي أدت دوراً مهماً في الحفاظ على النطق السليم لأصوات اللغة العربية.‏

فقد كان علماء القراءات من أحرص القوم على تناول المباحث الصوتية في مؤلفاتهم التي ضمت كثيراً من الخصائص والمصطلحات الصوتية مثل الإشمام والإشباع والاختلاس والمد، والتفخيم والترقيق ونحوها، كما وضعوا رموزاً كتابية تمثلها(29)‏

وجمع هذا التناول للمادة الصوتية بين النظري والتطبيق "فعرض لمخارج الحروف وصفاتها وتقسيماتها وفق ذلك، والملامح الأدائية لها في السياقات المختلفة والتجاورات المتنوعة"(30)‏

وما يعرف عن مراحلها الأولى هو أن أوّل من استخدم هذا المصطلح قريباً من معناه هو ابن مسعود الصحابي الذي كان ينصح المسلمين بقوله: "جودوا القرآن وزينوه بأحسن الأصوات" ويروى أنه كان يتفنن في تجويده وترتيله، وأن الرسول (ص) كان يجهش بالبكاء حين يسمع القرآن الكريم بترتيل ابن مسعود.(31)‏

ولعلّ تقنين قواعد القراءة القرآنية جاءت استجابة لدعوة ابن مسعود، فأصبح كل كتاب في القراءات يشتمل على مباحث في مخارج الحروف وطريقة نطقها وكذلك صفاتها المختلفة كما فعل ابن الجزري في مؤلفه "النشر في القراءات العشر"(32)‏

ومن الكتب المهمة التي وصلتنا في هذا المجال: الحجة لابن خالويه والحجة لأبي علي الفارسي والمحتسب لابن جني.‏

المصادر الصوتية:‏

على الرغم من تناثر الدراسة الصوتية في مصادر مختلفة من التراث العربي، وكثرة العلماء والباحثين في هذا الميدان، إلا أنه لم يظهر مصدر مستقل يجمع شتات القضايا الصوتية وضم متفرقاتها إلا في فترة متأخرة من مسيرة البحث اللغوي العربي، وذلك على يد ابن جني في كتابه "سرّ صناعة الإعراب"، ولدى ابن سينا في رسالته الشهيرة" أسباب حدوث الحروف".‏

وقد يرجع سبب هذا التأخر إلى "طبيعة المنهج اللغوي قديماً في معالجة جوانب الدرس اللغوي بين دفتي المصدر الواحد، إذ لم يكن هناك فصل دقيق بين فروع الدراسات اللغوية"(33)‏

ويعد ابن جني أول من نظر إلى المبحث الصوتي على أنه علم قائم بذاته، وأنه أوّل من استعمل مصطلحاً لغوياً للدلالة على هذا العلم ما زلنا نستعمله إلى الآن وهو علم الصوت، وكان على حق حين قال:" وما علمت أن أحداً من أصحابنا خاض في هذا الفن هذا الخوض ولا أشبعه هذا الإشباع"(34)‏

بمعنى أن كتابه لم يكن جمعاً لآراء السابقين وأفكارهم، وإنما تميّز بالإضافات الجادة، تعبر عن نظرته العلمية الصائبة ودقتها الفائقة، "وتبين أنها دراسة لغوية مهمة يجب على عالم اللغة أن يضعها في الاعتبار"(35)‏

ومما يثير الإعجاب في هذه الدراسة اهتمام ابن جني بالجانب العملي التطبيقي كما يلاحظ ذلك في المختبرات الحديثة المعتمدة على الآلات والأجهزة المتطورة.‏

فقد شبه الحلق بالناي (المزمار)، وشبه مدارج الحروف ومخارجها بفتحاته التي توضع عليها الأصابع، فإذا وضع الزامر أنامله على خروق الناي المنسوقة، وراوح بين أنامله اختلفت الأصوات، وسمع لكل خرق صوت لا يشبه صوت صاحبه، فكذلك إذا قطع الصوت في الحلق والفم، باعتماد على جهات مختلفة، كان سبب سماعنا هذه الأصوات المختلفة(36)‏

ويربط ابن جني بين علم الأصوات وعلم الموسيقى، فيقول: "إنّ علم الأصوات والحروف له تعلّق، ومشاركة للموسيقى، لما في صنعته الأصوات والنغم"(37)‏

وعلى العموم يمكن تلخيص محتويات الكتاب في العناصر التالية:‏

1. إعطاؤه المفهوم اللغوي للصوت والحرف، والفرق بينهما.‏

2. ذكره لعدد الحروف الهجائية العربية وترتيبها وذوقها. والحديث عن مخارجها وبيان صفات الحروف وتقسيمها أقساماً مختلفة.‏

3. التغير الذي يطرأ على بنية الكلمة فيؤدي إلى الإعلال أو الإبدال أو الإدغام أو النقل أو الحذف.‏

4. ائتلاف الحروف بعضها مع بعض لتكون الكلمات، وأثرها في فصاحة اللفظ التي ترجع إلى تباعد مخارج الأصوات.‏

أما ابن سينا فقد ركز في رسالته "أسباب حدوث الحروف" على الجانب الفيزيائي والتشريحي أكثر مما ركز على الجانب اللغوي، بسبب تخصصه الذي اشتهر به والثقافة التي نهل منها، فقد كان فيلسوفاً حكيماً وطبيباً خبيراً.‏

فهو يعرف الصوت بقوله: "أظن أن سبب الصوت القريب تموج الهواء دفعة وبقوة وبسرعة من أي سبب كان"(38)‏

ويحيل بهذا التعريف إلى البحث في ظاهرة فيزيائية هي الموجات الهوائية، والسبب القريب هو تموج الهواء والسبب البعيد هو علة تموج الهواء المتمثلة إما في القرْع وإما في القلع.‏

ويقول عن الحرف: "هو هيئة للصوت عارضة لها، يتميز بها عن صوت آخر مثله في الحدة والثقل تميزاً في المسموع"(39)‏

وقد اشتلمت الرسالة على ستة فصول تضمنت ما يلي:‏

1. حديثه عن سبب حدوث الصوت والحرف.‏

2. خصص هذا الفصل لمخارج الأصوات ومحابسها، ويقدم فيه صفات الأصوات منها الثقيل والحاد، خفوت الصوت وجهره، الصوت الأملس، والصلب المتخلخل.‏

3. يعرض فيه مكونات الحنجرة واللسان.‏

4. يبين ابن سينا في هذا الفصل كيفية صدور كل صوت من أصوات العربية، ويصف العملية العضوية في إنتاجه، ويرتب الأصوات بحسب مخارجها على شاكلة الخليل بن أحمد.‏

5. تحدث فيه عن أصوات سمعها في لغات أخرى غير العربية مثل السين الزائية والزاي السينية والزاي الظائية والفاء الشبيهة بالباء.‏

6. أما الفصل الأخير، فقد جعله لكيفية إنتاج أصوات بحركات غير نطقية كالشين التي تسمع عن نشيش الرطوبات والطاء التي تحدث عن تصفيق اليدين بحيث لا تنطبق الراحتان.‏

والرسالة درة ثمينة استطاع أن يولج بها ابن سينا علم الطبيعة إلى علم اللغة، فكشف عن أسرار غامضة مازالت من صميم الدراسة المعاصرة كظاهرة التموج الفيزيائية وكثافة الهواء في كل موجة وشكل الموجة وما يترتب عنه من صوت.‏

وهكذا يكون قد انفرد بحقائق له فيها فضل السبق والاكتشاف بعد الخليل وسيبويه وابن جني على عكس أولئك الذين أعادوا صياغة ماقاله أمثال هؤلاء العلماء. وفي ذلك يقرر إبراهيم أنيس: "ولما وقفنا على هذه الرسالة منذ بضع سنوات استرعى انتباهنا أنها تعالج طرفاً من الدراسة الصوتية اللغوية علاجاً فريداً يختلف اختلافاً بيّناً عن علاج سيبويه وأمثاله من علماء العربية"(40)‏

وأخيراً يتضح مما سبق أن الدراسة الصوتية العربية تناثرت في مصنفات عديدة ومتنوعة، إذ يعثر عليها الدارس في مصادر التجويد والبلاغة وإعجاز القرآن والنحو والصرف والمعاجم العربية.‏

ولا يكاد يجد الباحث مصدراً مستقلاً في هذا المجال إلا ما جاء على يد ابن جني في "سر صناعة الاعراب" وابن سينا في "أسباب حدوث الحروف".‏

الهوامش:‏

1- ينظر د. عبد الغفار هلال حامد، أصوات اللغة العربية. مطبعة الجبلاوي القاهرة مصر ط2- 1988 ص:14.‏

* يقرر فيرث: "إن علم الأصوات شب ونما في أحضان لغتين مقدستين هما العربية والسنسكريتية"، ويعلن برجستراسر سبق العرب للغربيين في الدراسة الصوتية قائلاً: "لم يسبق الغربيين في هذا العلم إلا قومان من أقوام الشرق وهما أهل الهند- يعني البراهمة- والعرب".‏

2- ينظرد. عبد المنعم عبد الله محمد، المقطع الصوتي في ضوء تراثنا اللغوي، مطبعة الجبلاوي، القاهرة، مصر ط1 1988 ص: 17.‏

3-4- المرجع السابق ص:17.‏

5- الخليل بن أحمد الفراهيدي، كتاب العين، تحقيق د. مهدي المخزومي، ود. إبراهيم السامرائي. مؤسسة دار الهجرة ط2- إيران 1409 هـ. ج1- ص:10.‏

6- الخليل بن أحمد، كتاب العين، ج1، ص:47.‏

7- المصدر نفسه ج1، ص:48.‏

8- د. عبد الغفار هلال حامد، أصوات اللغة العربية ص:9.‏

9- الخليل بن أحمد، العين ج1، ص: 57.‏

10- المصدر نفسه ج1، ص:49.‏

11- المصدر نفسه ج1، ص:52.‏

12- ينظر د. إبراهيم أنيس، الأصوات اللغوية، مكتبة الأنجلو المصدرية، ط: 5، 1975، ص: 104- 105.‏

13- ينظر د. أحمد مختار عمر، البحث اللغوي عند العرب، عالم الكتب، القاهرة- مصر، ط4، 1982، ص: 93.‏

14- ينظر، إبراهيم أنيس، موسيقى الشعر، ط4- القاهرة 1972- ص: 248.‏

15- أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر سيبويه، الكتاب، تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط2، 1982، ج4، ص:431.‏

16- المصدر نفسه ج4- ص:433.‏

17- المصدر نفسه ج4، ص 435- 436.‏

18- المصدر نفسه ج4، ص: 436.‏

19- أبو القاسم الزجاجي، الإيضاح في علل النحو، تحقيق مازن المبارك، مكتبة دار العروبة، القاهرة، 1959، ص:93- 94.‏

20- ينظر. عبد المنعم عبد الله محمد، المقطع الصوتي في ضوء تراثنا اللغوي، ص: 19.‏

21- الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر، البيان والتبيين، تحقيق وشرح عبد السلام هارون، مؤسسة الخانجي، القاهرة، مصر، ط: 3، ج1، ص: 79.‏

22- المصدر نفسه ج1، ص: 69.‏

23- محمد الصغير بنّاني، النظريات اللسانية والبلاغية والأدبية عند الجاحظ من خلال "البيان والتبيين"، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1983، ص: 112.‏

24- الجاحظ، البيان والتبيين ج1، ص: 79.‏

25- ابن سنان الخفاجي، سر الفصاحة، شرح عبد المتعال الصعيدي، محمد علي صبيح وأولاده، الأزهر، القاهرة، 1969، ص: 54.‏

26- عن الرماني، النكتُ في إعجاز القرآن، عن د. عبد الغفار هلال حامد، أصوات اللغة العربية، ص: 13.‏

27- الباقلاني، أبو بكر محمد بن الطيب، إعجاز القرآن، تحقيق السيد أحمد صقر، دار المعارف، القاهرة، 1963، ص44.‏

28- المصدر نفسه، ص: 46.‏

29- ينظر، د. محمود السعران، علم اللغة، دار الفكر العربي، القاهرة، مصر، ص: 101.‏

30- د. عبد المنعم، عبد الله محمد، المقطع الصوتي، ص: 21.‏

31- ينظر د. أحمد مختار عمر، البحث اللغوي عند العرب، ص: 93.‏

32- ينظر ابن الجزري، الحافظ أبي الخير محمد بن محمد الدمشقي، النشر في القراءات العشر، دار الكتاب العربي، جزءان.‏

33- د. عبد المنعم عبد الله محمد، المقطع الصوتي، ص: 18.‏

34- أبو الفتح عثمان بن جني، سر صناعة الإعراب، تحقيق الدكتور حسن هنداوي، القاهرة، مصر ج1، ص: 63.‏

35- د. عبد الغفار هلال حامد، أصوات اللغة العربية، ص: 10.‏

36- ينظر ابن جني، سرّ صناعة الإعراب ج1، ص:9.‏

37- المصدر نفسه ج1، ص:9.‏

38- ابن سينا، علي الحسيني- أسباب حدوث الحروف، راجعه وقدم له طه عبد الرؤوف سعد 1398هـ/ 1978م، مكتبة الكليات الأزهرية، ص: 8.‏

39- المصدر نفسه، ص: 10.‏

40- د.إبراهيم أنيس، الأصوات اللغوية، ص: 137.‏
----------------
*أحمد عزوز أستاذ مكلف بالدروس بمعهد اللغة العربية وآدابها جامعة السانية وهران‏

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 22.26 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 21.64 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (2.79%)]