عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 07-08-2010, 01:45 AM
الصورة الرمزية أم عبد الله
أم عبد الله أم عبد الله غير متصل
مراقبة الملتقيات
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
مكان الإقامة: أبو ظبي
الجنس :
المشاركات: 13,883
الدولة : Egypt
افتراضي الضبط بالحروف خشية التصحيف، وكيفيته

من صور جمع علمائنا بين الاختصار والدقة في الكتابة

الضبط بالحروف خشية التصحيف، وكيفيته


ظهر العقل العربي في كثير من تجلياته مائلًا إلى القصد والاختصار والبعد عن التفصيل والبسط؛ تمشيًا مع طبيعة البيئة العربية التي كان ينقصها في أحيان كثيرة عوامل هذا التفصيل والبسط.

ومما ظهرت فيه هذه الروح: الخط العربي؛ فمن المعلومِ أن الحروفَ الأصليَّةَ للعربية وإن كانت تسعةً وعشرين أو ثمانيةً وعشرين حرفًا - على الخلاف في عَدَدِها - إلا أن صُوَرَ هذه الحروف في الرسمِ الإملائيِّ أقلُّ من هذا العدد؛ إذِ استُخْدِمَتِ الصورةُ الواحِدَةُ لأكثَرَ مِن حرفٍ؛ قال القَلْقَشَنْدِيُّ في "صُبْح الأَعْشَا[1]في صِنَاعَةِ الإِنْشَا" (3/24-25): ((الحروف العربية على تِسْعَ عَشْرَةَ صورةً، وهي: صورةُ الأَلِفِ، وصورَةُ الباءِ والتاءِ والثاءِ، وصورةُ الجِيمِ والحاء والخاء، وصورَةُ الدالِ والذال، وصورةُ الراء والزاي، وصورَةُ السِّينِ والشين، وصورَةُوصورَةُ الطاءِ والظاء، وصورةُ العَيْنِ والغَيْن، وصورةُ الفاءِ، و[صورة] القافِ، وصورةُ الكافِ، وصورةُ اللامِ، وصورةُ الميم، وصورةُ النون، وصورةُ الهاء، وصورةُ الواو، وصورةُ اللام ألف، وصورةُ الياء؛ وفَرَّقُوا بينها بالنقط؛ وقَصَدُوا بذلك تقليلَ الصور للاختصار؛ لأن ذلك أَخَفُّ مِن أن يُجْعَلَ لكلِّ حرفٍ صورةٌ؛ فتكثُرَ الصُّوَر)). وواضحٌ أنه يَعُدُّ صُوَرَ الحرفِ حالةَ كونِهِ وحدَهُ ليس مُرَكَّبًا مع غيره.

الصادِ والضاد، من أجل ذلك؛ ولما كان كثير من كتب التراث والمخطوطات غيرَ منقوط، كما يعتري المنقوطَ منه ما يَصْرِفُهُ عن صوابِهِ الذي أراده قائلُه منه؛ ابتكر العلماء الأقدمون تقييداتٍ للحروف المُشْتَبِهة في الرسمِ عند خشيةِ الالتباسِ، بما يُسمى عند المُحَدِّثِينَ بضبط العبارة أو الضبطِ بالحروف، غيرَ أن من يتلمس هذه التقييداتِ لا يجدها قد جُمعت وصُنِّفَت في كتابٍ مِن كُتب أهل العلم؛ إذ مظنةُ جمعِ هذه التقييدات في مواطنَ خمسة:
1- في الكُتب المؤلَّفَةِ في التصحيف والتحريف؛ ككتاب "شرح ما يقع فيه التصحيفُ والتحريف" لأبي أحمدَ العَسْكَرِيِّ، وغيره.

2- وفي كتب عِلم مُصطلح الحديث، عند حديثهم عن علاج الاشتباه في الأسماء وصيانتها عن التصحيف والتحريف، وعند حديثهم عن كتابة الحديث وضبطِهِ؛ كـ"فَتْحِ المُغِيث" للسَّخَاوِيِّ، و"تدريب الرَّاوِي" للسُّيُوطِي، أو في مقدمات كتب ضبط أسماء الرواة؛ ككتاب "المُؤْتَلِف والمُخْتَلِف" للآمِدِيّ، وهو في أسماء الشعراء، وكتاب "تبصير المُنْتَبِه بتحريرِ المُشْتَبِه" لابن حجر، و"توضيح المشتبه" لابن ناصر الدين، وهما في أسماء رجال الحديث.

3- وفي كتب الإملاء؛ ككتاب "المَطَالِع النَّصْرِيَّة" للهُورينِيِّ الذي قيل عنه: إنه دستور الإملاء، وقد خَصَّصَ خاتمتَهُ للشَّكْلِ والنَّقْط، والكتبِ المتناوِلَةِ لعِلْمِ الرَّسْمِ والخَطِّ؛ كـ"صُبْحِ الأَعْشَى".

4- وفي كتبٍ مُتفَرِّقَةٍ لها اهتمامٌ بالحروفِ مِن بعضِ الوجوه؛ كـ"سِرّ صناعَةِ الإعراب" لابن جِنِّيْ، وهو كتابٌ أرادَ مؤلفُهُ أن يشتَمِلَ على ((جميعِ أحكامِ حروفِ المُعْجَمِ، وأحوالِ كُلِّ حرفٍ منها، وكيف مواقِعُهُ في كلامِ العرب)) كما نصَّ في مُقَدِّمَتِه، وككتاب "نَقْط المصاحف" لأبي عمرٍو الدَّانِي، وفي مقدِّمته كلامٌ عن الحروف وتعليلٌ لترتيبِها وتحديدٌ لما يُنقط وما لا يُنقط منها، وتعليلٌ لنَقْطِها ولمكانِهِ، وكـ"لسان العرب" الذي تحدثَ ابنُ منظور في مقدمته عن ((ألقاب الحروف وطبائعها وخواصِّها)) من الناحية الصوتية وطبائعها من الرطوبة واليبوسة وما إلى ذلك، وفي مَطَالِعِ أبوابِ كتابِهِ حديثٌ عن مخارِجِها ووصفِها؛ وككتاب "تنبيه الغافِلِين" للصَّفَاقُسِي، وفيه حديثٌ عن خصائص الحروف أيضًا، وله اهتمامٌ بها من الناحية الصوتية وخصوصًا من حيث أخطاءُ قارئي القرآن الكريم فيها حرفًا حرفًا.

5- وفي كُتب تحقيق التراث ونَشْره؛ ككتاب "تحقيق النصوص ونشرها" للأستاذ عبد السلام هارون، وكتاب "مدخل إلى تاريخ نشر التراث العربي، مع محاضرة عن التصحيف والتحريف" للدكتور محمود الطناحي (ص289 وما بعدها)، وكتاب "مناهج تحقيق التراث بين القدامى والمُحْدَثِين" للدكتور رمضان عبد التَّوَّاب (ص39 وما بعدها) فصل (علاج التشابه بين بعض الحروف)، وكتاب "تحقيق نصوص التراث في القديم والحديث" للصادق عبد الرحمن الغرياني (ص145- 146)، وكتاب "توثيق النصوص وضبطها عند المُحَدِّثِين" للدكتور موفَّق بن عبد الله بن عبد القادر، وكتاب "منهج تحقيق المخطوطات" لإياد خالد الطَّبَّاع.

فترى في كثير من هذه المصنفاتِ كلامًا مهمًّا عن التفريق بين التصحيف والتحريف ومَنْشَأ كُلٍّ منهما، وأن التصحيفَ هو الاختلافُ في نقط الحرف كـ(غيث) و(عتب)، وأما التحريفُ فهو الاختلافُ في شَكْلِ الحرف كـ(كعبة)(لعبة)، وقد حشد بعضُهم عددًا من الأمثلة الطريفة والنادرة في التصحيف والتحريف، وطُرُقِ العلماء الأقدمين ووسائلهم المعتادة وغير المعتادة في الحَذَرِ من ذلك، وعن فائدةِ الضبط بالحروف، كما وقفتُ في مقدمةِ كتابِ "ضبط الأعلام"((فيما اعتمدَهُ الأئمةُ في الضبطِ بالحروف؛ كالمُعْجَمَةِ، والمُهْمَلَة، والمُثَنَّاة... إلخ))، وعن ((قول بعضِهم: الزاي المعجمة، وأن ابنَ خَلِّكَانَ يقولُ ذلك لأنه يرسُمُها: الزاء)) هذا نصُّ كلامِهِ؛ ولكنه - رحمه الله - لم يستوفِ هذا الكتابَ تأليفًا وإعدادًا؛ كما يقولُ ناشرُ كتابِهِ. و لأحمد تيمور باشا، على ما كان نَوَاهُ مِن الكتابةِ

وهناك نصانِ حَوَيَا عددًا من هذه الألفاظ التقييدية للحروف العربية:
النص الأول: ما جاء في مقدمة كتاب "الوافي بالوَفَيَات" (1/54) - وهي مقدمةٌ مفيدةٌ جدًّا - إذ يقول: ((كيفيةُ ضبطِ حُروفِ المُعْجَم: قالوا: الباء الموحَّدَة، وبعضُهم يقولُ: الباءُ ثاني الحروف، والتاءُ المُثَنَّاة من فوقُ لِئَلَّا يحصُلَ الشَّبَهُ بالياء؛ فإنها مُثَنَّاةٌ ولكنها من تحتُ، وبعضُهم قال: ثالث الحروف، والثاء المثلثة، والجيم، والحاء المهملة، والخاء المعجمة، والدال المهملة، والذال المعجمة، والراء، والزاي، وبعضهم يقول: الراء المهملة والزاي المعجمة [كذا في مطبوع الكتاب، ولعل صوابها: والزَّاء المعجَمَة]، والسين المهملة، والشين المعجمة، والصاد المهملة، والضاد المعجمة، والطاء المهملة، والظاء المعجمة، والعين المهملة، والغين المعجمة، والفاء، والقاف، والكاف، واللام، والهاء، والواو، والياء المثناة مِن تحتُ، وبعضُهم يقولُ: آخِر الحروف.

تتمة: إذا أرادُوا ضبطَ كلمةٍ قيَّدُوها بهذه الأحرُفِ على هذه الصورة، فإن أرادوا لها زيادةَ بيانٍ قالوا: على وَزْنِ كذا، فيذكُرُونَ كلمةً تُوازِنُها وهي أَشْهَرُ منها، كما إذا قَيَّدُوا ((فَلُوًّا)) وهو المُهْرُ؛ قالوا فيه: بفتح الفاء، وضم اللام، وتشديد الواو، على وَزْنِ عَدُوٍّ؛ فحينئذ يكونُ الحالُ قد اتضح، والإشكالُ قد زال)). ا هـ.


والنص الثاني: قولُ الهُوريني في "المَطَالِع النَّصْرِية" (ص264-265): ((مِن البَيِّنِ أن المنقوطَ من حروفِ الهجاءِ خمسةَ عشَرَ حرفًا، والباقي غيرُ منقوط، وليس كلُّ منقوطٍ يُوصفُ بلفظِ المعجَم، ولا كلُّ متروكِ النقطِ يُوصَفُ بالمهْمَلِ أو المُغْفَل، وإنما الوصفُ بأحد الوصفَيْنِ يكونُ في الحرفَيْنِ المشترِكَيْنِ في الصورَةِ الخَطِّيَّة؛ كالحاء والخاء، والدال والذال، والسين والشين... إلخ، فيوصَفُ المنقوطُ بالمعجَمِ، والمتروكُ بالمهمَلِ، وهذا تمييزٌ لفظِيّ... نَعَمْ، الباءُ وأمثالُها لا تُوصَفُ بالمعجَمِ، بل بالموحَّدَةِ، والمُثَنَّاة الفوقية، والتَّحْتِيَّة، والمُثَلَّثَة، وكذلك الظَّاءُ يُقالُ فيها: المُشَالَة، والضاد: السَّاقِطَة)).

وهذانِ النَّصَّانِ وإن كانا أجمَعَ ما رأيتُ بخصوصِ ضبطِ الحروفِ؛ إلا أنهما يعوزُهُمَا الجمعُ التامُّ للضبطِ ومحاولَةُ التقسيمِ المرتبطِ بالتعليل.

وبتَأَمُّلِي لِمَا وَرَدَ في كلام العلماء وضبطِهم للحروفِ المشتَبِهة؛ وجدت أن للعلماءِ ضبطًا عامًّا للحروف كلها، وضبطًا يَخُصُّ بعضَ الحروفِ دُونَ بعض:
أولًا: الضبط العامُّ للحروف:
وهو الضبط الذي تشترك فيه الحروفُ كلها أو معظَمُها في بعض خُطواته، وله مسلكان؛ وهما: أن يُبتدأ بطريقةِ ذِكرِ اسم الحرف، أو بطريقةِ ألا يُبتدأ بها.

المسلك الأول: الابتداء في الضبطِ بطريقة ذكرِ اسم الحرف:
بالنظر في عادات العلماءِ في ضبطِ الحروفِ المشتبِهة يتبين أنَّ من مَنَازِعِهم المُهِمَّةِ في الضبطِ: الضبطَ بذكرِ اسم الحرف، فلو قِيلَ مثلًا - كما في "معالم التنزيل"(2/167) -: ((قَرَأَ حَمْزَةُ والكِسَائِيُّ قولَهُ تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ نَشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: 57] بالنُّون، وهي الرِّيحُ الطَّيِّبة))(النون) يمنعُ توهُّمَ القارئِ للكلام أنها كقراءة عاصِمٍ ﴿بُشْرًا﴾ بالباء؛ لَمَّا اشتبه مُسمى الحرفين أو صورتهما (ب)(ن)؛ لا سيما مع عدم النقط في كثير من المخطوطات، هذه هي الخُطوة الأُولَى في تقييدِهم وضَبْطِهم للحروفِ المشتَبِهة، وهي: الاكتفاءُ بذكرِ اسمِ الحرف، وقد يكون النَّصُّ على اسمِ بعضِ الحروفِ مُغْنِيًا عن غيرِهِ مِن الأوصاف في تجنُّب وقوعِ التصحيف والتحريف، وذلك كما في الأَلِف، والجيم، والزاي (إذا عُبِّرَ عنها هكذا؛ لا إذا قيل عنها: الزَّاء)، والفاء، والقاف، والكاف، واللام، والميم، والنون، والهاء، والواو. للبغوي فإنَّ ذِكْرَ اسمِ الحرفِ الذي اختلفت قراءتُهُ هنا

والخطوة الثانية: التنبيه على الإعجام والإهمال، والإعجام: هو نقط الحرف، والإهمال: هو عدمُ نَقْطِهِ، وهذه الطريقةُ إنما تُغني عن غيرِها غناءً تامًّا في الحروف التي ليس لها إلا نظير واحد في الاسم منقوطًا أو مهملًا وإن كان لها أكثرُ من نظير في المسمى (الصورة)[2]؛ فيقال عن الحرف المنقوط: (مُعْجَم)، وعن غيرِ المنقوط: (مهمل)، كالحاء والخاء، والدال والذال، والراء والزَّاء (عند مَن عبَّرَ بذَلِكَ عن الزَّاي)، والسين والشين، والصاد والضاد، والطاء والظاء، والعين والغين، فيقال في ضبط هذه الحروف: بالدال المهملة، وبالشين المعجمة، وبالعين المهملة... وهكذا، وفي "مفاتيح الغيب" للرازي (7/32): بالزاي المنقوطة من فوق، وفيه (21/211): ((أما ((رِئْيًا)) فقُرِئَ على خمسَةِ أوجُهٍ؛ لأنَّها إِمَّا أن تُقرأ بالراء التي ليس فوقَها نُقطة، أو بالزاي التي فوقَها نُقطة)).

وقد يعبر بـ(المنقوطة) بدلًا من المعجمة، كما عبر به أبو العباس القرطبي في "المفهم" وهو قليل.

وإنما يُلجأ إلى هذه الخطوة من النص على الإعجام والإهمال وعدمِ الاكتفاء بذكر اسم الحرف؛ لأن أسماء هذه الحروف أيضًا يدخلها الاشتباه مع عدم النقط، ولا يُحَقِّقُ ذكرُها وحدَهُ المقصودَ مِن تحديدِ الحرف؛ فلو اكتفى العالِمُ عند حديثِهِ مثلًا عن قراءةِ ابنِ عبَّاسٍ وعِكْرِمَةَ وابنِ يَعْمَرَ وعُمَرَ بنِ عبدِ العزيز والنَّخَعِيِّ وابنِ سِيرينَ لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: 9] - بأن يقول: ((فَأَعْشَيْنَاهُمْ، بالعين))، لَمَا اتضَحَ مقصودُهُ لبعض الناس عند عدَمِ النقط، ولَظَنُّوا أن الكلامَ إنما هو على قراءةِ الجمهور: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ﴾ بالغين المعجمة؛ فيُلجأ إلى أن يزيد وصفًا، فيقول في قراءة الجمهور: بالغين المعجمة، وفي القراءة الأُخرى: بالعين المهملة.

والخطوة الثالثة: التنبيه على عدد النُّقَط، وهذه أيضًا من طُرُقِهم في رفع الاشتباه بين أسماء الحروف، ويكفي هذا القيدُ في الحروف التي لها نظائرُ في الاسم والمسمى (الصورة) منقوطةٌ بعدد من النُّقَط يَختلفُ به الحرفُ عن نظيره في الاسم من الحروف؛ كالباء والثاء، فيقولون: بالباء الموحَّدة، والثاء المثلثة، أو يقال: بالباء بواحدة، وورد عنهم بقِلَّةٍ استخدامُ ذلك في غيرِ ما له نظائرُ منقوطةٌ، وذلك في قول أبي العَبَّاس القُرْطُبِيِّ: بالشين المثلثة.

والخطوة الرابعة: التنبيه على مكان النُّقَط، وهي خطوةٌ متداخلةٌ مع الخطوة التي قبلها؛ فقد يُغني أحدُهما عن الآخر، وقد يتحتم النص عليهما معًا، وهذه الخطوة تكونُ في الحروف التي لها نظائرُ في الاسم والمسمى (الصورة) منقوطةٌ من أعلى وأخرى من أسفل، كالباء والتاء والثاء والياء، فيقال عن الباء: التحتية، وعن التاء: الفوقية أو الفوقانية، وعن الياء: التحتية.

والأكثر في صنيعهم هو الجمعُ بين التنبيه على عدد النقط وعلى مكانها؛ فيقال عن التاء مثلًا: بالتاء المثناة الفوقية أو من فوق، وعن الياء: بالياء المثناة التحتية أو من تحت.

هذه هي الخطوات الأربعُ لضبطِ الحرف مع ذِكْرِ اسمه، فإن كانَتِ الخُطْوَةُ الأولى مزيلةً للالتباس وقفوا عندها، وإلا انتقلوا إلى الخطوة التي تليها، وما ورد في كلام العلماء مِن جمعٍ بين هذه الخطوات مع أن الالتباسَ ارتفع من الخطوة الأُولى، إنما يُحمل على مزيد التأكيدِ على الحرف، أو على خبرةٍ سابقة لهذا العالِمِ بوقوعِ تصحيفٍ أو تحريفٍ في هذا الحرف بعينه.

المسلك الثاني: عدم الابتداء في الضبط بطريقة ذكرِ اسم الحرف:
إذا لم يُبتدأ الضبطُ بذكر اسم الحرف، فإنَّ رفع الاشتباه يعتمدُ على وجود الحرف المرادِ ضبطُهُ في الكلمةِ مرسومًا ويُكتفى بذكرِ وصفٍ أو أكثَرَ مِن الخطوات السابقة لرفع الالتباس بغيره من الحروف، ولا يُعمل بهذا المسلك في الضبط مع الأَلِف، والكاف، واللام، والميم، والهاء، والواو، فالخطوات الواردة في الضبطِ مع عدم ذِكر اسمِ الحرف هي:

الخطوة الأولى: النص على الإعجام والإهمال، وذلك في الحروف التي لها نظيرٌ في المسمَّى معجمٌ وهي مهملةٌ أو العكس، وذلك في الدال والذال، والراء والزاي، والسين والشين، والصاد والضاد، والطاء والظاء، والعين والغين؛ فيتميزُ كلٌّ من النظيرين المعجَمِ والمهمَلِ بمجرَّدِ النص على الإهمال والإعجام؛ فيقال: بالمهملة أو: بالمعجمة، أو في الحرف الذي له نظيرانِ معجمان وهو مهمل، وهو الحاء، وهنا لا يتميز إلا النَّظِيرُ المُهْمَل.

والخطوة الثانية: التنبيه على عدد النقط، وذلك في الحروف التي لها نظائرُ في المسمى منقوطةٌ بعدد من النُّقَطِ يَختلفُ به الحرفُ عن نظيرِهِ أو نظائِرِهِ في المُسَمَّى مِنَ الحروف؛ كالثاء، والفاء والقاف، فيقال عن الثاء: بالمثلَّثة، وعن الفاء: بالموحدة، وعن القاف: بالمثناة.

والخطوة الثالثة: الجمع بين التنبيه على الإعجامِ والإهمال ومكانِ النقط: وذلك في الجيم والخاء؛ إذ لكلٍّ منهما نظيرٌ في المسمى (الصورة) معجمٌ ومهمل.

والخطوة الرابعة: الجمع بين التنبيه على عدد النُّقَط ومكانها، وذلك في الحروفِ التي لها نظائرُ في المسمى (الصورة) منقوطةٌ من أعلى وأخرى من أسفل، كالباء والتاء والنون والياء.

ثانيًا: الضبط الخاص ببعض الحروف:
هناك أوصافٌ خاصةٌ غيرُ تلك الأوصاف السابقةِ ضَبَطَ بها العلماءُ الحروفَ التي قد يقعُ فيها التباسٌ أو اشتباهٌ يُؤدِّي إلى التصحيف أو التحريف، وهذه الأوصافُ - فيما رأيت - تأتي إما مِن جهةِ رقمِ الحرف وترتيبِهِ ومكانِهِ بين حروفِ الهجاء، أو مِن جهةِ شكلِ الحرفِ وصورَتِهِ، أو من جهاتٍ أخرى غيرِ الخط والإملاء:
فأما الجهةُ الأُولَى: فقد استَعْمَلَ بعضُ العلماء وصفَ الحرفِ برقمِهِ وترتيبِهِ ومكانِهِ في حروفِ الهجاء؛ حتى يرفعوا التباسَهُ بغيرِهِ، وهذا في أوائل الحروف وآخِرِها في الترتيب؛ وذلك مع الباء والتاء والثاء والياء، فيقولون: بالباء ثانيةِ الحروف، وبالتاء ثالثةِ الحروف، وبالثاء رابِعَةِ الحروف، وبالياء آخِرِ الحروف، ويعنون بذلك ترتيبَ الحرف في الحروف الأَلِفْبَائِيَّة؛ وهذا الوصف يصدُقُ على ترتيبِ الأَلِفْبَائِيَّةِ الذي يَحْفَظُهُ الأطفالُ للحروف - وهو: (أ ب ت ث ج ح خ د ذ ر ز س ش ص ض ط ظ ع غ ف ق ك ل م ن هـ و لا ي) - وهو ترتيبُ كُتَّاب المَشْرِق، وكذا على ترتيبها عند قدماء كُتاب الأندلس والمغرب، وترتيبُ الحروف عندهم - كما نَصَّ عليه غيرُ واحد، منهم القلقشندي في "صبح الأعشى" (3/24) - هو: (أ ب ت ث ج ح خ د ذ ر ز ط ظ ك ل م ن ص ض ع غ ف ق س ش هـ و لا ي).

وأما الجهة الثانية: فقد وقفتُ على بعضِ الأوصافِ لحروفٍ خاصَّةٍ استنبطها العلماءُ مِن شكل الحرفِ وصورَتِهِ، أرادوا بها أيضًا رفعَ الالتباس والاشتباهِ بين الأحرف، فمِن ذلك:

التاء: قالوا: التاء الممطوطة، أو: التاء المجذوبة، أو: التاء المجبورة، أو: التاء المفتوحة، والوصف الأخير هو المشهور، ويعنون بكل ذلك حرفَ التاء (ت)؛ لئلَّا يلتبسَ بما تشابَهَ في اسمِهِ وصورته من الحروف كالباء والثاء، ويقولون: بالتاء المربوطة، ويقولون عنها أيضًا: بالهاء المندرجة تاءً، وصورتها: (ة)؛ لأنها عندما تكون في دَرْجِ الكلام ووَسَطِهِ تُنطقُ تاءً، أمَّا إنْ وُقِفَ عليها فتُنطقُ هاءً في أفصح لغاتها، وقالوا في مقابِلِها: بالهاء الصريحة، لهاء الضمير أو الكناية التي في (منه) و(إليه).

الضاد: قالوا: بالضاد الساقِطَة، أو المُنْبَطِحَة.

الطاء: قالوا: الطاء المُشَالَة، وهذا الوصف مستخدم مع الطاء في كتاب "تاج العروس" للزَّبِيدِيّ (3/258) (فصل الطاء المهملة المشالة) وفي غيره، وهو وصفٌ قليلُ الاستعمال مع الطاءِ كثيرٌ مع الظاء، والمُشَالَةُ بمعنى المُرْتَفِعَة؛ لأن عليها في رسمِها عصًا، في مقابل الضَّادِ التي ليست بمُشالة أي ليس في رسمها عصًا، هذا في التفريقِ بينها وبين الضاد، أما إن التبست بالظاء فيفرقون بينهما بأن يقولوا عن الطاء: بالمهملة، وعن الظاء: بالمشالة، أو: بالمعجمة المُشالة؛ لأن الوصف بالمشالة أكثرُ مع الظاء كما سبق.

الظاء: قالوا: بالظاء القائمة، أو: الظاء المُشَالَة.

وأما الجهة الثالثة: فهناك من الأوصاف الصوتية وغيرها ما يُلحقه العلماءُ بالحرف مما لا يتعلقُ بتقييدهم له ومما لا يدخل في سؤالك؛ ولكن هذه الأوصاف تستلزم تحديد الحرف؛ لأنه لا يوصف حرفٌ بهذه الصفة غير حرف واحد مثلًا، وذلك كما في قولهم عن الجيم: المعطشة، وهو النطق الفصيح لها، وعن الراء: المُكَرَّرَة، وهي صفةٌ مجتَنَبَةٌ في نطقها الصحيح، وعن الصاد: الخالصة، أي: غير التي فيها إشمام الزاي، وعن القاف: المعقودة، وهي الحقيقيةُ؛ لا التي تُنطق بين الكاف والقاف المعقودةِ فليست بكافٍ خالصة ولا قافٍ خالصة.

وفائدةُ معرفة الضبط بالحروف هي تعرُّفُ مصطلحاتِ الكتب التراثية، والتمكنُ من قراءة المخطوطات، أما في العصر الحديث وفي ظل الطباعة الحديثة واستخدام حروف الحاسوب الواضحة، فإن استخدام هذه الأوصاف والتقييدات بات قليلًا؛ لغناء وضوح الحروف وضبطها عنه غالبًا، وإن لم يَفْقِدْ ما يتميزُ به من وضوحٍ زائدٍ للمقصود.

هذا؛ والله أعلى وأعلم، وأعز وأكرم.

ــــــــــــــــــــ

[1] كتبتُ كلمة (الأعشى) بالألف لمشاكلة كلمة (الإنشا) وانظر في ذلك: "قواعد الإملاء" لعبدالسلام هارون (ص28). [2] أعني بذلك الجيم والحاء والخاء؛ فإن الثلاثة تشتبه في رسم الحرف (ج ح خ)، أما الاسم فتشتبه فيه الحاء والخاء فقط (حاء خاء) عند عدم النقط.


أحمد محمد محمد بدوي

الألوكة


التعديل الأخير تم بواسطة أم عبد الله ; 23-08-2010 الساعة 04:38 PM.
رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 35.41 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 34.75 كيلو بايت... تم توفير 0.65 كيلو بايت...بمعدل (1.85%)]