عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 26-07-2020, 05:20 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 48,030
الدولة : Egypt
افتراضي :: سلسلة رموز الإصلاح



:: سلسلة رموز الإصلاح
العلاّمة عبد الحميد بن باديس



أسامه شحادة


العلاّمة عبد الحميد بن باديس




تمهيد:

دور العلامة ابن باديس في استقلال الجزائر عن فرنسا دور مركزي، إذ كان ابن باديس وطِيلة ربع قرن هو رافع لواء الهوية الإسلامية والعربية للجزائر في وجه فرنسا، والمحرض على رفض الذوبان والاندماج في الهوية الفرنسية، حتى كاد أن يعلن الثورة المسلحة عليها لولا أن توفاه الله عز وجل.
وهذا الدور المركزي لابن باديس لا يتضح إلا إذا فهمنا تاريخ الجزائر مع الاحتلال الفرنسي الذي استمر 130 عاماً، عانت فيه الجزائر وأهلها أشد المعاناة من التشريد والحبس والقتل ومصادرة الأموال والأراضي فضلاً عن محاربة الإسلام والعروبة، وكانت استراتيجية فرنسا ضم الجزائر لها نهائياً وإرسال فرنسيين لها ليكونوا سكاناً للجزائر بدل أهلها، في نموذج سابق على جريمة المستوطنين الإسرائيليين في فلسطين اليوم.
ولم يقف الجزائريون أمام هذا الوضع مكتوفي الأيدي، بل قاموا بمقاومة فرنسا عسكرياً ومدنياً بحسب ما قدروا عليه، وهو الذي سنفصل فيه قليلاً لنفهم الخلفية التاريخية التي جاء فيها ابن باديس.
الاحتلال الفرنسي للجزائر:
بعد قيام الثورة الفرنسية عام 1789م أصيبت فرنسا بانهيار اقتصادي وتعرضت لمجاعة قاسية نتيجة للحصار الاقتصادي والعسكري اللذين فرضتهما الدول الأوربية المعادية للثورة الفرنسية، ولم تجد فرنسا أمامها إلا اللجوء إلى الجزائر لشراء القمح منها، فما كان من والي الجزائر الداي حسين باشا إلا أن وضع تحت تصرفها فائض المحصول من الحبوب وأقرضها ربع مليون فرنك دون فائدة لشراء ما يلزمهم، ومن أجل ذلك أسست الحكومة الفرنسية خطاً ملاحياً خاصاً لنقلها.
وكانت فرنسا قد اعتمدت شركة يملكها يهوديان وسيطة بينها وبين الجزائر، حيث كانت تشتري من الجزائر بسعر وتبيع لفرنسا بسعر مرتفع بالأجل، مما رتب على فرنسا ديوناً تجارية للجزائر، أخذت تماطل في سدادها.
وفي عام 1827 حين قدم قناصل الدول الأجنبية لزيارة حاكم الجزائر الداي حسين لتهنئته بعيد الفطر، جرى حوار بينه وبين "دوقال" قنصل فرنسا وطلب منه أن يبلغ حكومته بضرورة الإسراع في تسديد الديون التي عليها للجزائر، فأساء القنصل الفرنسي الرد، فأمره الداي حسين بالخروج من حضرته، لكن "دوقال" لم يستجب للأمر، فقام الباشا بضربه بالمروحة التي كانت في يده، فكتب القنصل إلى بلاده بما حدث، وادّعى أنه ضُرب ثلاث مرات.
فاتخذت فرنسا من هذه الحادثة ذريعة للتخلص من ديونها للجزائر من جهة واستغلالها لمحاولة احتلال الجزائر والاستيلاء على خزينتها التي تحتوي على 150 مليون فرنك!!
فأرسلت فرنسا قطعة من أسطولها إلى الجزائر وطلب قائده من الداي حسين الاعتذار للقنصل إلا أنه رفض، فحاصر الفرنسيون الجزائر ثلاث سنوات، تكبدت فيها فرنسا الكثير من النفقات وضربت تجارة فرنسا، دون أن يعتذر الداي لهم.
وفي عام 1830 قام ملك فرنسا بإعلان الحرب على الجزائر وأعطاها طابعاً دينياً حيث اعتبرها "حملة مسيحية على بلاد البرابرة المسلمين"، وأنها في صالح كل العالم المسيحي.
ومما ساعد على فرض الحصار والاحتلال في النهاية أن الأسطول الجزائري كان قد تحطم في معركة نافارين في شبه جزيرة المورة باليونان عام 1827.
جرائم الإحتلال الفرنسي بالجزائر:
لنأخذ لمحة سريعة عن جرائم فرنسا تجاه الجزائر والجزائريين ونقارن بين أقوال الفرنسيين أنفسهم، ففي حين كان المنشور الذي وزعه الفرنسيون في بداية الاحتلال يقول: " إننا نحن أصدقاءكم الفرنسيين نتوجه الآن نحو مدينة الجزائر، أننا ذاهبون لكي نطرد الأتراك من هناك، إن الأتراك هم أعداؤكم وطغاتكم الذين يتجبرون عليكم ويضطهدونكم والذي يسرقون أملاككم وإنتاج أرضكم، والذين يهددون حياتكم باستمرار، إننا لن نأخذ المدينة منهم لكي نكون سادة عليها. إننا نقسم على ذلك بدمائنا وإذا انضممتم إلينا، وإذا برهنتم على أنكم جديرون بحمايتنا فسيكون الحكم في أيديكم كما كان في السابق، وستكونون سادة مستقلين على وطنكم.
إن الفرنسيين سيعاملونكم كما عاملوا المصريين، إخوانكم الأعزاء، الذين لم يفتأوا يفكرون فينا ويتأسفون على فراقنا طيلة الثلاثين سنة الماضية، منذ خرجنا من بلادهم، والذين ما يزالون يرسلون أبناءهم إلى فرنسا يتعلموا القراءة والكتابة ولكل فن وحرفة مفيدة، ونحن نعدكم باحترام نقودكم وبضائعكم ودينكم المقدس، لأن ملك فرنسا المعظم حامي وطننا المحبوب، ويحمي كل دين.
فإذا كنتم لا تثقون في كلمتنا وفي قوة سلاحنا، فابتعدوا عن طريقنا ولا تنضموا إلى الأتراك الذين هم أعداؤنا وأعداؤكم، فابقوا هادئين. إن الفرنسيين ليسوا في حاجة إلى مساعدة لضرب وطرد الأتراك، إن الفرنسيين هم، سيظلون أصدقاءكم المخلصين فتعالوا إلينا وسنكون مسرورين بكم وسيكون ذلك فرصة لكم، وإذا أحضرتم إلينا الأطعمة والأغذية والأبقار والأغنام فنسدفع ثمن ذلك بسعر السوق، وإذا كنتم خائفين من سلاحنا فأشيروا علينا بالمكان الذي يقابلكم فيه جنودنا المخلصون دون سلاح مزودين بالنقود في مقابل التمويل الذي تأتون به".
قارن هذا بما جاء في تقرير اللجنة الإفريقية عام 1833 إلى الحكومة الفرنسية التي كانت كلفتها بالتحقيق في الجرائم كما يلي:
"لقد حطمنا ممتلكات المؤسسات الدينية وجردنا السكان الذين وعدناهم بالاحترام.. وأخذنا الممتلكات الخاصة بدون تعويض.. وذبحنا أناسا كانوا يحملون عهد الأمان.. وحاكمنا رجالا يتمتعون بسمعة القديسين في بلادهم.. لأنهم كانوا شجعانا..".
أما الضابط الفرنسي مونتايناك فيقول: "هذه هي طريقتنا في الحرب ضد العرب.. قتل الرجال وأخذ النساء والأطفال ووضعهم في بواخر ونفيهم إلى جزر الماركيز البولينيزية باختصار: القضاء على كل من يرفض الركوع تحت أقدامنا كالكلاب، لقد أحصينا القتلى من النساء والأطفال فوجدناهم ألفين وثلاثمائة، أما عدد الجرحى فلا يكاد يذكر لسبب بسيط هو أننا لم نكن نترك جرحاهم على قيد الحياة".
أما سيمون دو بوفوار فكتبت تقول: "مند عام 1954 ونحن جميع الفرنسيين شركاء في جريمة قتل جماعي، أتت تارة باسم القمع وطورا باسم إشاعة السلام على أكثر من مليون ضحية رجالا ونساءً وشيوخا وأطفالا حصدوا بالرشاشات خلال عمليات المداهمة والتفتيش، أو حرقوا أحيانا من قراهم أو ذبحوا أو بقرت بطونهم، أو عذبوا حتى الموت. قبائل برمتها أسلمت للجوع والبرد، للضرب للوباء في مراكز التجميع التي ما هي في الواقع إلا معسكرات استئصال ومواخير عند الاقتضاء للنخبة من فرق الجيش، حيث يحتضر أكثر من 500,000 جزائري وجزائرية".
ويمكن تعداد صنوف الإجرام الفرنسي تجاه الجزائر بالتالي:
1- توطين الفرنسيين والأوروبيين في أملاك الجزائريين بعد طردهم منها أو قتلهم، وقد وصل عدد المستوطنين إلى مليون مستوطن.
2- إرهاق الجزائريين بالضرائب، رغم فقرهم، ومصادرة أموالهم والتساهل مع المستوطنين.
3- إصدار قانون الأهالي (الأنديجينا)، وهو قانون ظالم يكبّل حياة الجزائريين.
4- مصادرة الأوقاف، ومحاصرة القضاء الشرعي.
5- منع استخدام اللغة العربية أو تدريسها حتى في البيوت.
6- تمكين اليهود من الاستيطان في الجزائر ومنحهم الجنسية الفرنسية، حتى وصل عددهم إلى 30 ألف يهودي.
الاحتلال الفرنسي يحارب التعليم ويدعم الطرق الصوفية:
عمل الاحتلال الفرنسي على ضرب التعليم في الجزائر، لأن الشعب المتعلم سيكون شوكة في حلق المستعمر والمحتل، ورغم أن الجزائريين كانوا يتفوقون على الفرنسيين بنسبة التعليم قبل الاحتلال الفرنسي لبلادهم، يقول الجنرال فالز في سنة 1834م بأن كل العرب (الجزائريين) تقريبًا يعرفون القراءة والكتابة، حيث إن هناك مدرستين في كل قرية... وكتب الرحالة الألماني (فيلهلم شيمبرا) حين زار الجزائر في شهر كانون الأول عام 1831م، يقول: (لقد بحثتُ قصدًا عن عربي واحد في الجزائر يجهل القراءة والكتابة، غير أني لم أعثر عليه، في حين أني وجدت ذلك في بلدان جنوب أوروبا، فقلما يصادف المرء هناك من يستطيع القراءة من بين أفراد الشعب)..
وقد أحصيت أكثر من 2000 مدرسة في الجزائر سنة 1830م، ما بين ابتدائية وثانوية وعالية.
لكن الاحتلال الفرنسي عمل بكل قوة على محاربة العلم والمعرفة في الجزائر، فالفرنسيون عندما دخلوا مدينة قسنطينة في شمالي أفريقيا، أحرقوا كل الكتب والمخطوطات التي وقعت في أيديهم، في سلوك همجي بربري.
وحاربوا المدارس والتعليم، حتى أنه بعد أقل من قرن على (الاستعمار) أصبح أطفال الشعب الجزائري أميين لا يعرف القراءة والكتابة منهم إلا 5 % سنة 1914، وذلك بفضل سياسات فرنسا وتعاون الطرقيين معها أحباب الجهل والخرافة!!
كان الفرنسيون يعرفون أن أصحاب الطرق من مشايخ الصوفية في الجزائر سيكونون خير سند لهم، لأنه يبحثون عن مصالحهم المادية وهو ما يمكن لفرنسا أن تمنحهم إياه في مقابل تسكين الشعب الجزائري وقبوله للاحتلال الفرنسي.
ولذلك زادت عدد الطرق وأتباعها بشكل مخيف في الجزائر في عهد الاحتلال، حتى أصبح في العاصمة لوحدها 23 طريقة صوفية، لها 349 زاوية، فيها 57 ألف شيخ و6 ألاف مقدم، ويتبعها 295 ألف مريد، وحصيلة تبرعاتهم 7 ملايين!!
يقول مالك بن نبي في مذكراته "مذكرات شاهد القرن" ص 181: "هكذا كان الناس يشهدون كل عام موكب (القادرية) المهيب يأتي إلى (أفلو). راية ترفرف، وعلى رأسها ابن شيخ الطريقة (المقدّم) يلبس الثياب الخضراء من رأسه إلى قدميه، إنها ثياب أهل الجنة، وهو ذو ذكاء شيطاني يعرف كيف يبتزّ من السذاجة العامة للناس كل ما يريد.
لقد كان يملك في تلك الفترة في (وادي سوف) بستاناً للنخيل، مؤلفاً من حوالي ألف نخلة، وهو من هبات أولئك الذين يريدون أن يدخلوا الجنة في موكبه".
أما علاقتهم بفرنسا فيلخصها شيخ الطريقة التيجانية محمد الكبير في حديثه للكولونيل يسكوني: "إن من الواجب علينا إعانة حبيبة قلوبنا فرنسا ماديا وأدبيا وسياسيا، إن أجدادي قد أحسنوا صنعا في انضمامهم إلى فرنسا قبل أن تصل إلى بلادنا، ففي عام 1838 م كان أحد أجدادي قد أظهر شجاعة - نادرة في مقاومة أكبر عدو لفرنسا (عبد القادر الجزائري) وفي عام 1870 حمل سيدي أحمد تشكرات الجزائريين وبرهن على ارتباطه بفرنسا قلبيا، فتزوج من (أوريلي بيكار) وهو أول مسلم جزائري تزوج بأجنبية على يد الكردينال (لا فيجري) على حسب الطقوس المسيحية"، ولا نحتاج لتعليق على هذه الشهادة الصريحة في العمالة والخيانة.
ولذلك كانت معركة ابن باديس مع هؤلاء الطرقيين في البداية، ليطهّر الصف الجزائري قبل أن يصطدم بالفرنسيين.
حركات المقاومة الجزائرية ضد فرنسا
لم يقف الجزائريون مكتوفي الأيدي أمام الاحتلال الفرنسي بل قاوموه وتصدوا له في عدة محاولات كان أبرزها مقاومة الأمير عبد القادر الجزائري والتي استمرت 15 عاما (1832 – 1847)، ورافقها وتبعها عدد من المحاولات الجهادية لكنها لم تنجح في دحر الفرنسيين وإنما إيقاع خسائر جسيمة بها.
كما كانت هناك عدة محاولات سياسية لمقاومة فرنسا عقب الحرب العالمية الأولى مثل حركة الأمير خالد، حفيد الأمير عبد القادر، والتي عرفت باسم "وحدة نواب المسلمين" سنة 1919، وحركة "نجم شمال إفريقيا" التي أسسها عدد من العمال المغاربة المهاجرين في فرنسا سنة 1926، وحركة "اتحاد المنتخبين المسلمين الجزائريين" سنة 1927.
الإصلاح السلفي في الجزائر قبل ابن باديس:
لقد دخلت الجزائر في الإسلام على يد التابعين تحت قيادة أبي المهاجر دينار، ولذلك شهدت الجزائر ظهور العديد من الشخصيات السلفية في تاريخها مثل الفقيه أبي الفضل النحوي من علماء القرن الخامس الهجري، وأبي الحسن علي بن الحق الزويلي (ت 719هـ)، وتلميذه الحافظ ابن مرزوق الحفيد، وأحمد زروق في القرن العاشر الهجري وتلميذه ابن علي الخروبي، مثلما ظهر عبد الرحمن الأخضري (ت 953هـ)، وجاء بعده في القرن الحادي عشر الشيخ عبد الكريم بن الفكون (ت 1073هـ)، والشيخ محمد بن عبدالله الجلالي معاصر أحمد التيجاني الصوفي.
ولذلك فالسلفية ليست طارئة على الجزائر بل إن المذهب المالكي الذي يتبعه غالبية الجزائريين هو عين السلفية، ولذلك حين ظهرت دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب في الجزيرة العربية رأينا بعض الحجاج الجزائريين والمغاربة يؤيدها مثل ملك المغرب المولى سليمان، والسيد محمد السنوسي مؤسس الحركة السنوسية، والمؤرخ الجزائري أبو رواس الناصري الذي كان أول من عرّف الجزائريين بدعوة محمد بن عبد الوهاب.
وكان للطلبة الذين درسوا في جامع الزيتونة أو القرويين أو بتأثير الحركة السنوسية دور في حمل الدعوة السلفية والدعوة الإصلاحية، مثل الشيخ ابن الموهوب والشيخ صالح بن مهنا، والشيخ عبد القادر الجاوي (ت 1913) والذي من طلابه الشيخ حمدان الونيسي شيخ ابن باديس، والشيخ مصطفى بن الخوجة (ت 1915) وعمر بن قدور (ت 1915)، وممن ظهر في هذه المرحلة من المصلحين السلفيين الأستاذ محمد بن أبي شنب (ت 1929) والشيخ عبد الحليم بن سماية (ت 1933).
ولا ننسي هنا أن مجلة المنار التي يصدرها العلامة رشيد رضا كانت تصل للجزائر وأن محمد عبده زار الجزائر سنة 1903، وقد كان الجزائريون متعلقين بمجلة المنار بصورة كبيرة، لدرجة أنهم طالبوا رشيد رضا بألاّ يتعرض لفرنسا حتى لا تنقطع عنهم المنار!!
مولد ونشأة ابن باديس:
ولد عبد الحميد بن محمد المصطفى بن المكي ابن باديس سنة (1308هـ/ 1889م) في مدينة قسنطينة لأسرة عريقة بالعلماء والأمراء والسلاطين. ومن أشهر رجالات هذه الأسرة المعز لدين الله بن باديس مؤسس الدولة الصنهاجية (حكم: 406-454هـ/1016-1062م) الذي قاوم البدعة ونصر السنة وأعلن مذهب أهل السنة والجماعة مذهبًا للدولة.
ومن أجداده العلماء الشيخ المفتي بركات بن باديس دفين مسجد سيدي قمّوش بقسنطينة، والشيخ أحمد بن باديس الذي كان إماما بقسنطينة أيام الشيخ عبد الكريم الفكون في القرن الحادي عشر الهجري.
وبقيت أسرته من الأسر التي تشارك في الحكم، فجدّه لأبيه: الشيخ المكي بن باديس كان قاضيا مشهورا بمدينة قسنطينة وعضوا في المجلس العام وفي المجلس البلدي، وعمه أحميدة بن باديس كان نائباً عن مدينة قسنطينة أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، ورفع عريضة مع ثلاثة من النواب عام 1891م بأنواع المظالم والاضطهادات التي أصبح يعانيها الشعب الجزائري على يد الإدارة الاستعمارية الفرنسية ومن المستوطنين المهاجرين.
كما أن من عائلة ابن باديس من كانوا قادة كباراً في ثورة الأمير عبد القادر الجزائري وتم أسرهم وسجنهم في باريس، وأفرج عنهم مع الأمير عبد القادر الجزائري في عام 1852م وتم نفيهم إلى الشام.
لقي ابن باديس كل عناية ورعاية من والده الذي توسم فيه النباهة، حتى قال له: "يا عبد الحميد، أنا أكفيك أمر الدنيا، أنفق عليك وأقوم بكل أمورك، ما طلبت شيئا إلا لبيت طلبك كلمح البصر، فأكفني أمر الآخرة، كن الولد الصالح الذي ألقى به وجه الله".
وهو ما بقي يعترف به عبد الحميد، فقد قال في حفل ختم تفسير القرآن سنة 1938، وأمام حشد كبير من المدعوين ثم نشره في مجلته الشهاب: "إن الفضل يرجع أولاً إلى والدي الذي ربّاني تربية صالحة ووجهني وجهة صالحة، ورضي لي العلم طريقة أتبعها ومشرباً أرده، وبراني كالسهم وحماني من المكاره صغيراً وكبيراً، وكفاني كلف الحياة... فلأشكرنه بلساني ولسانكم ما وسعني الشكر".
أتم عبد الحميد بن باديس حفظ القرآن في سن الثالثة عشرة، ثم تتلمذ على الشيخ حمدان الونيسي، والذي نصحه بنصيحة سار عليها ابن باديس طيلة عمره، حين قال له: "اقرأ العلم للعلم لا للوظيفة"، بل أخذ عليه عهداً ألا يقرب الوظائف الحكومية عند فرنسا.
ثم تاقت نفسه للاستزادة من العلم فسافر لتونس في سنة (1327هـ - 1908م) والتحق بجامع الزيتونة وبقي هناك أربع سنوات، فدرس على العلماء وخاصة العلاّمة «محمّد النخلي القيرواني» والشيخ العلامة محمّد الطاهر بن عاشور، واستفاد من الشيخ الخضر حسين والمؤرخ البشير صفر والمصلح المجدد سعد الفياض، وقد كان جاداً في التحصيل حتى أنه اختصر دراسة الزيتونة من سبع سنوات إلى ثلاث سنوات فقط، ومكث بعدها سنة يدرس تطوعا على عادة جامع الزيتونة، وبذلك حصل على شهادة التطويع.
ولم يكتف بدروس الزيتونة بل ذهب للجمعية الخلدونية التي كانت تدرس العلوم العصرية مثل الحساب والمساحة والجغرافيا والكيمياء والطبيعيات، فتعلم العلم الشرعي وأصبح على دراية بما يحيط بالأمة من أحوال وتحديات.
ثم في عام 1913 عاد لدياره ولم يتجاوز عمره 23 سنة، ليباشر التدريس بالجامع الكبير، بسبب نفوذ والده وعلاقاته بالإدارة الفرنسية، لكن المغرضين من أصحاب الأهواء سرعان ما عارضوه وناصبوه العداء، حتى أنهم أطفأوا النور عليه وهو يدرس بالمسجد، فقرر السفر لبيت الله الحرام في نفس العام.
اللقاء بالبشير الإبراهيمي بالمدينة المنورة:
في المدينة لقي ابن باديس الكثير من العلماء المجاورين فيها أو الزائرين لها مثله، ومن أبرز من قابل فيها شيخه القديم حمدان الونيسي الذي طلب منه الإقامة عنده في المدينة، وهو الأمر الذي عارضه الشيخ حسين الهندي الذي أشار عليه بالعودة للوطن وخدمة الإسلام فيه والعربية، وهي النصيحة التي نفذها ابن باديس على أحسن وجه، وبقيت استراتيجيته حيث قال عن نفسه: "فنحن لا نهاجر، نحن حراس الإسلام والعربية والقومية، بجميع مدعماتها، في هذا الوطن".
أبرز ما حدث مع ابن باديس في المدينة تعرفه على رفيق دربه ونضاله فيما بعد الشيخ البشير الإبراهيمي، والذي سبق ابن باديس في سكن المدينة والاستقرار فيها مع والده قبل أكثر من سنة على لقائهما، وبقي هناك حتى 1920، حيث جاء للجزائر ليكمل مع ابن باديس طريق الدعوة التي بدأها.
فقد مكث ابن باديس والإبراهيمي ثلاثة أشهر يلتقيان يوميا بعد العشاء وحتى الفجر يتدارسان أحوال الجزائر وكيفية إصلاحه وبث النهضة الدينية والعلمية والسياسية فيه. وقد بين لنا البشير الإبراهيمي محتوى هذه اللقاءات حين قال: "وأشهدُ الله على أن تلك الليالي من عام 1913 هي التي وضعت فيها الأسس الأولى لجمعيّة العلماء المسلمين والتي لم تبرز للوجود إلا عام 1931».
العودة للجزائر:
في عودته للجزائر زار ابن باديس بلاد الشام ومصر حيث اجتمع برجال العلم والأدب وأعلام الدعوة السلفية، وزار الأزهر واتصل بالشيخ بخيت المطيعي حاملاً له رسالة من الشيخ الونيسي، فرحب به وأجازه ومنحه العالمية الأزهرية، وقد منحته هذه الرحلة معرفة واقع البلاد الإسلامية مما وسع مداركه وأكسبه خبرة غنية بتجارب سابقة، كما مكنته من التعرف بقادة الإصلاح فيها، ولذلك سنجد فيما بعد أن ابن باديس له صلات بكثير من رجالات الإصلاح في العالم العربي، وأن كثيراً من رجالات الإصلاح يتابع أخبار ومجلات ابن باديس.
حين وصل ابن باديس للجزائر، قام بعدة جولات بالقطار لأرجاء الجزائر ليتعرف عليها ويتعمق في فهم مشكلاتها.
بداية الدعوة والجهادي الفردي:
منذ عودة ابن باديس نهاية عام 1913 وحتى تأسيس جمعية العلماء المسلمين سنة 1930، سيكون ابن باديس شعلة من النشاط والحركة في سبيل نهضة الجزائر وتحررها، من خلال إنشاء جيل جزائري جديد يقوم بهذه المهمة.
فمنذ عودته بدأ بإلقاء الدروس في المسجد الكبير ثم تحول للمسجد الأخضر وهو المركز الرئيس لنشاطه ومساجد سيدي قموش وسيدي عبد المؤمن وسيدي بومعزة وسيدي فتح الله، حيث استحصل له أبوه على تصريح بذلك، ولم تقتصر دروسه على الكبار، بل خصص دروساً للصغار أيضاً بعد خروجهم من درس الكتاتيب القرآنية، وهذا أمر لم يكن معهوداً قبله.
وكانت دروسه تقام طوال النهار والليل، حيث كان يدرس عشرة دروس في اليوم، يتنقل فيها بين المساجد والنوادي، فانهال عليه الطلاب من كل مكان، حتى أصبح عنده أكثر من ألف طالب، وكان يستعين بأهل الخير على إيوائهم وإطعامهم.
وهذا تطلب منه التفكير في إنشاء مدرسة ابتدائية قرب مسجد بو معزة، ثم تنتقل إلى مبنى الجمعية الخيرية الإسلامية التي تأسست في عام 1917، ثم في سنة 1930 عرفت باسم مدرسة التربية والتعليم، تضمن قانون الجمعية: أنها تسعى "لنشر الأخلاق الفاضلة، والمعارف العربية والفرنسية، والصنائع اليدوية، بين أبناء وبنات المسلمين"، وذلك من خلال تأسيس مدرسة للتعليم، وملجأ للايتام، وناد للمحاضرات، ومعمل للصنائع، وإرسال بعثات طلابية للدراسة في الكليات والتدرب في المعامل الكبيرة على نفقة الجمعية.
ومن سعة أفق ابن باديس أن جعل تعليم الفتيات مجانياً بخلاف الطلاب الذين يدفع المقتدر منهم رسوماً رمزية، وذلك لتشجيع التعليم بين الفتيات.
وفي هذا يظهر سبق ابن باديس لإنشاء المدارس والجمعيات وتعليم الفتيات خصوصاً، على كثير من الدعوات والتجمعات العلمانية، ولكن للأسف أن هذا الميراث من السبق الحضاري يتنكر له كثير من محبي ابن باديس اليوم بلسان الحال إن لم يجمعوا لسان المقال أيضاً.
ومن هذه المدرسة نشأ جيل كامل في الجزائر متشبع بقيم الإسلام ولغته وآدابه، ويستطيع الخطابة ونظم الشعر وإلقاء المحاضرات، وقد أرسل بعض هؤلاء الطلبة للتوسع في العلم بجامع الزيتونة، وبعض آخر للتدرب في المعامل الكبري، وقد اعتمد ابن باديس على هذا الجيل في إنشاء جمعية العلماء المسلمين والقيام بمشروعه الإسلامي الكبير بمقاومة الاحتلال الفرنسي، بعد أن عمل بهدوء ودون ضجة لسنوات عديدة. ومع تدريسه للطلاب إلا أنه أيضاً كان يخصص يوماً لتعليم العمال ويوماً لتعليم النساء.
وبعد أن انتشرت الدروس في المساجد وأنشأ المدرسة، فكر ابن باديس بالتوسع في نشر فكره ومشروعه فدخل عالم الصحافة، ففي البداية تعاون مع جريدة النجاح (تأسست 1919) في الكتابة والتحرير، حيث كان يكتب بأسماء مستعارة هي القسنطيني والعبسي والصنهاجي، ثم وجد أنها لا تلبي طموحه فقام بتأسيس صحيفة "المنتقد" الأسبوعية في عام 1925 والتي شنت حملة قوية على العقائد الفاسدة والخرافات الشائعة، واستمرت "المنتقد" 18 عدداً ثم أوقفت بقرار تعسفي من الإدارة المحتلة.
وصحيفة المنتقد جاءت كمرحلة جديدة في دعوة ابن باديس وجهاده، إذ رأى ابن باديس أنه بعد 10 سنوات من التعليم، حان الوقت لمهاجمة الطرقية وخرافاتها بقوة، ولذلك جاء هذا الاسم "المنتقد" والذي يهاجم بشكل مباشر وفي الصميم المبدأ الصوفي الطرقي الضال "لا تعترض فتنطرد"، والذي يراد به إلغاء العقول والتفكير والاكتفاء بدور التبعية والتقليد للشيخ مهما كان موقفه خطأ أو ضلالاً.
ولكن قناة ابن باديس لم تهن أو تلين فبعد شهر يصدر جريدة "الشهاب" الأسبوعية تحت شعار "تستطيع الظروف أن تخيفنا، ولا تستطيع بإذن الله إتلافنا"، وفي عام 1929 تحولت إلى مجلة شهرية بسبب المضايقات من قبل الإدارة الفرنسية، وكان شعارها: "لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها"..
ومن أجل ضمان استمرار صدور المجلتين أنشأ ابن باديس المطبعة الجزائرية الإسلامية بقسنطينة سنة 1925، ليتجنب عوائق صدورهما إذا كانتا تطبعان في مطبعة مستأجرة!!
وفي هذه المرحلة يعود زميله الشيخ البشير الإبراهيمي سنة 1920 ليتعاونا في الإصلاح، ويكون لهما لقاء كل أسبوعين أو شهر على الأكثر، لأن البشير الإبراهيمي جعل مركز نشاطه في مدينة سطيف، وفيما بعد تأسيس جمعية العلماء المسلمين سيتقاسم أقطاب الحركة الإصلاحية المسئولية العلمية في المقاطعات الجزائرية الثلاث، حيث سيبقى ابن باديس مشرفاً على مقاطعة قسنطينة بما تضم من القرى والمدن، فيما يتولى الإبراهيمي مسئولية مدينة تلمسان العاصمة العلمية في الغرب الجزائري، أما الشيخ الطيب العقبي فسيكون مشرفاً على مقاطعة الجزائر.
ومن الواضح في مسيرة ابن باديس أنه يحاول أن يتجاوز أخطاء وعثرات تجارب المصلحين الجزائريين السابقين، فهو يتجنب أن تكون دعوته ضيقة النطاق سواء على صعيد الجغرافيا أو الشريحة المستفيدة، كما أنه يتجنب أن تكون دعوته فردية مرتبطة بشخصه ولذلك ينشئ مؤسسات: مدرسة/ مجلة/ مطبعة...، ويسعى للتكامل مع زملائه وعدم حصر الدعوة في مكان محدد فيتوزعون على المناطق ويلتقون دورياً، ويحاول أن يتطور مع الأحداث والمستجدات فلا يبقى بنفس الأسلوب مع تطور دعوته وقوته ولذلك نجده يتنقل من المسجد لفتح جمعية، ثم مدرسة، ثم يرسل بعثات للخارج، جريدة ومجلة، ثم مطبعة.
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 38.25 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 37.63 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (1.63%)]