عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 06-09-2019, 05:12 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 19,132
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الصّوتيات عند ابن جني في ضَوء الدراسات اللغوية العربية والمعاصرة

الصّوتيات عند ابن جني في ضَوء الدراسات اللغوية العربية والمعاصرة
عبد الفتاح المصري



4-الصوت والحرف:‏


لكلمة الحرف عند العرب القدماء معان كثيرة(43)، وخاصة في مجال القراءات القرآنية، يعنينا منها هنا معنيان اثنان: الصوت المنطوق والرمز المكتوب، فبهذين المعنيين خاصة كان الحرف معروفاً عند العرب، وعند كثير من علماء أوربة لعهد قريب أيضاً(44)، وإذا ما تكلم اللغوي العربي عن الحرف، فإنه لم يكن يعني إلا الصوت اللغوي، وإذا عنى رمزه المكتوب نبه على ذلك فقال مثلاً (أما صورة الحرف في الخط) أو (هذا موجود لفظاً وخطاً) أو نحوه(45) ففكرة الحرف هذه كانت مسيطرة على الدراسات اللغوية العربية، إلا أنها في العصور الإسلامية المتأخرة أصبحت تعني غالباً الرمز الكتابي.‏

*ولكن الذي يعنينا من هذا مفهوم الحرف عند ابن جني، وهل فرق بينه وبين الصوت؟ وإذا كان فعل فماذا قال فيهما؟. نظر ابن جني إلى الحرف، كما نظر قبله الخليل وسيبويه، على أساس أنه عنصر ثلاثي الأجزاء، أي أن له جانب التسمية التي يعرف بها كالألف والهمزة والباء ونحو ذلك، وجانباً مسموعاً هو صوت الحرف، وجانباً مقروءاً هو رمزه الكتابي، لكنه بالإضافة إلى هذا، ميز بين الصوت والحرف، فقال في تعريف الأول(46) (الصوت عرض يخرج مع النفس مستطيلاً حتى يعرض له في الحلق والفم والشفتين مقاطع تثنيه عن امتداده واستطالته)، والصوت على هذا التعريف عام يشترك فيه الإنسان الناطق والحيوان الأعجم، لأن الاثنين يملكان هذه الأعضاء التي ذكرها، أما الحرف عند ابن جني فهو(47) (حد منقطع الصوت وغايته مطرفه)، وهو من مادة حرف التي يراد بها حد الشيء وحدته، وقد سمى المقطع حرفاً أيضاً، وهو ما يعرض للصوت فيثنيه عن امتداده كما مر (فيسمى المقطع أينما عرض له حرفاً)، والمعروف أن المقطع هو مخرج الحرف لا الحرف، فتسمية ابن جني لا تستقيم إلا على ضرب من المجاز(48).‏

*ونلاحظ أن ابن جني يقرن أحياناً الحرف بالصوت، ففي أول كتابه سر الصناعة ذكر علم الأصوات، والحروف، وعنون أحد أبوابه بذوق أصوات الحروف، كما ذكر أن بعض الحروف أشد حصراً للصوت، وقال مثلاً(49) (قد نجد من الحروف ما يتبعه في الوقف صوت، وهو مع ذلك ساكن، وهو الفاء والثاء والسين والصاد ونحو ذلك، وتقول في الوقف اف، اث، اس، آص) والأغلب أن يكون الصوت هنا بمعنى الهواء، كما يرى الدكتور كمال بشر(50). والمهم في الأمر أن الأمثلة السابقة يفهم منها أن الحرف غير الصوت.‏

*ولكن ابن جني قد يستخدم كلمة الصوت والحرف في معنى واحد، إذ ناوب بينهما في حديثه عن الإدغام، فذكر تقريب الصوت من الصوت، ثم عاد فذكر تقريب الحرف من الحرف، وقد يستخدم كلمة الصوت في معنى الحركة، كما فعل عند حديثه عن الإمالة، وعن كسر الشين والباء في نحو شِعير وبِعير، ويقترب هنا من استخدام المحدثين لهذه الكلمة. بل إنه استخدم كلمة الصويت، في خلال حديثه عن الصوت حين يدخل في تشكيل البنية، فإذا وقفنا على بعض الحروف بساكن تبع الحرف صويت كما في اح وآص، وهو صويت يضعف ويتضاءل للحس، على حد تعبيره إذا ما قلت يحرد ويصبر ونحوها(51)، والصويت هنا يغلب أن يكون مساوياً لما يسميه المحدثون الاحتكاك، على رأي الدكتور بشر.‏

*وهكذا نرى أن ابن جني عرف مصطلحي الصوت والحرف معاً، وإن كان عنده بعض اضطراب وتداخل في استعمالهما، ولكن الغالب على درسه الصوتي، كما يتضح لمتابعه، استعماله كلمة الحرف يعني بها الصوت، كما فعل سابقوه، ونرى هذا خاصة في مقدمة كتابه سر الصناعة إذ قال متحدثاً عن مضمونه(52) (أذكر أحوال هذه الحروف [حروف المعجم] في مخارجها ومدارجها، وانقسام أصنافها، وأحكام مجهورها ومهموسها، وشديدها ورخوها، وصحيحها ومعتلها، ومطبقها ومنفتحها، وساكنها ومتحركها، ومضغوطها ومهتوتها(53)، ومنحرفها ومشربها ومستويها ومكررها، ومستعليها ومنخفضها إلى غير ذلك من أجناسها)، فكلامه هذا واضح الدلالة على أنه يقصد من كلمة الحروف الأصوات، آية هذا أنه ذكر صفات، هي للصوت المنطوق لا للرمز المكتوب، ويجدر بنا أن نشير هنا إلى أن أكثر هذه الصفات ما يزال معروفاً في الدرس الصوتي الحديث، أما أصحاب هذا الدرس فيميزون بين الصوت والحرف على نحو واضح، قد يختلف بعض الشيء عن تمييز الأقدمين بينهما، وبين الاثنين عندهما، فروق تتصل بمفهوم الفونيم الذي سنشير إليه في مقبل الحديث(54).‏

5-الأصوات مفردة وتصنيفاتها:‏

*عدة الحروف عند ابن جني تسعة وعشرون، كما هي عند أكثر اللغويين العرب.‏

قال في سر الصناعة(55) (اعلم أن أصول حروف المعجم عند الكافة تسعة وعشرون حرفاً، فأولها الألف وآخرها الياء على المشهور من ترتيب حروف المعجم، إلا أبا العباس، فإنه كان يعدها ثمانية وعشرين حرفاً، ويجعل أولها الباء، ويدع الألف من أولها، ويقول هي همزة، ولا تثبت على صورة واحدة، وليست لها صورة مستترة، فلا أعتدها مع الحروف التي أشكالها محفوظة معروفة، وهذا الذي ذهب إليه أبو العباس غير مرضي عندنا)، وقد رأى ابن جني أن انقلاب الهمزة في بعض أحوالها لعارض يعرض لها لا يخرجها عن كونها حرفاً، وهي عنده ألف، وأتى على هذا بأكثر من دليل، ووضعها قبل الباء في ترتيب الحروف، ذلك أنها إذا وقعت أولاً كتبت ألفاً، ولا بد من تحقيقها، فنقول أَخَذَ وإبراهيم، ثم إن كل حرف سميته تجد في أول تسميته لفظه بعينه، فنقول جيم وأول هذه الكلمة لفظ الجيم نفسها، وكذلك إذا قلت ألف، فأول الحروف التي نطقت بها همزة(56) ولقد تحدثنا عن موضع الهمزة لصلتها بما نحن فيه من حديث عن الناحية الصوتية، وسنرى أن لهذا الموضع أهميته في ترتيب الحروف عنده.‏

*وقد صنف ابن جني الحروف تصنيفات عدة سنتحدث عنها فيما يلي واحداً بعد آخر، وقبل ذلك نحب أن نشير إلى أمر يذكره المحدثون اليوم هو (يعتمد تصنيف الأصوات اللغوية من الناحية الفيزيولوجية أو النطقية على المعرفة الدقيقة بأعضاء النطق، وعلى الفهم العلمي لعملية الكلام، ولذا يفيد البحث الصوتي من علم التشريح في التعريف بأعضاء النطق، ومن علم الفيزيولوجيا في معرفة وظائف هذه الأعضاء، وكيفية قيامها بهذه الوظائف)(57)، ولننظر الآن في تصنيفات ابن جني للأصوات، فسنرى أنه اعتمد فيها على هذين الأمرين.‏

1-الصوامت والصوائت:‏

يميز المحدثون اليوم بين نوعين من الأصوات تبعاً لوضع الوترين الصوتيين في الحنجرة، وطريقة مرور الهواء من الحلق والفم أو الأنف، وهي عندهم صامتة وصائتة، فالصامت (Consonant) هو الصوت الذي (يضيق عند صدوره مجرى الهواء فيسمع له صفير أو حفيف أو ينحبس لحظة فيسمع له انفجار مثل ص، ف، ومثل، ب، ك). أما الصائت (Vowel) فهو الصوت الذي (ينتج عن اهتزاز الحبلين الصوتيين دون قفل أو تضييق أو انسداد نسبي في منطقة جهاز النطق أعلى المزمار)(58). والأصوات الصامتة في اللغة العربية هي ما سماه العرب بالحروف، وعددها ثمانية وعشرون وهي همزة القطع والباء والتاء والثاء والجيم والحاء والخاء والدال والذال والراء والزاي والسين والشين والصاد والضاد والطاء والظاء والعين والغين والفاء والقاف والكاف واللام والميم والنون والهاء والواو في نحو (ولد – يوم) والياء في نحو (يلد، بيت)، أما الأصوات الصائتة فهي الحركات الثلاث المعروفة، فإذا طالت كانت منها حروف المد الألف في نحو قال، والياء في نحو الراعي، والواو في نحو يدنو.‏

*وقد أطلق العرب على الصامت اسم الساكن والصحيح، وعلى الصائت أسماء حروف المد أو حرف العلة أو حرف اللين، ولكن منهم من جرى على استعمال المصطلحين صائت ومصوت في الدلالة على الحركات، فابن جني مثلاً سمى حروف المد – وهي حركات طويلة – بالحروف المصوتة، إلى جانب تسميتها بحروف المد واللين فقال(59) (الحروف الممطولة هي الحروف الثلاثة اللينة المصوتة، وهي الألف والياء والواو. اعلم أن هذه الحروف أين وقعت، وكيف وجدت، بعد أن تكون سواكن يتبعهن بعضهن غير مدغمات، ففيها امتداد ولين ونحو قام وسيربه وحوت وكوز وكتاب وسعيد وعجوز).‏

*وما يعنينا هنا أكثر من التسمية والمصطلحات هو أن العرب اعتنوا بالصوامت والصوائت في آن معاً، وعرضوا لمميزاتها الصوتية على نحو يتقن – بوجه عام – مع ما حدده علماء الأصوات المحدثون، ومنهم من فرّق بين الصوائت الطويلة والقصيرة، ولكنهم أولوا الأصوات الصامتة عناية خاصة، ووجهوا إليها معظم جهودهم وبحوثهم الصوتية، فنظروا فيها من حيث مخارجها وصفاتها المختلفة، وإن لم يقدموا لنا تعريفاً علمياً لها، ويعود اهتمامهم الملحوظ بالصوامت إلى نظرية الأصول عند علماء العربية، فأصول الكلمات أصوات صامتة، وإلى وجود رموز مستقلة للحروف سابقة لرموز الحركات(60).‏

*ولعل في طليعة ما يهمنا من الحديث عن الأصوات الصامتة والصائتة طريقة الأقدمين في التمييز بينهما، فالخليل مثلاً وزع الحروف على مخارجها، ونسب كل مجموعة منها إلى مخرج كالحلق واللهاة واللسان والشفتين، ثم رتب الحروف في مدرج المخارج على نحو يشعر بإدراكه للفرق بين النوعين، فقد أتى بخمسة وعشرين حرفاً على نسق متصل في سلسلة واحدة، وسماها الحروف الصحاح، ثم أتبعها بمجموعة أخرى فيها حروف المد، ومعها الهمزة، وسماها هوائية، وإن كان أخطأ في موضع الهمزة، على ما يرى الدكتور كمال بشر(61) وفي تسميته لحروف المد بالهوائية أتى بأهم خاصة من خواص الحركات، وهي حرية مرور الهواء في حال النطق بها، فلا يقف في طريقها عائق، أو لا يتعلق بها شيء، حسب عبارته.‏

*أما ابن جني فيستوقفنا فصل في كتابه سر الصناعة دعاه (ذوق أصوات الحروف)، فيه نقرأ قوله(62) (سبيلك إذا أردت اعتبار صدى الحرف أن نأتي به ساكناً لا متحركاً، لأن الحركة تقلق الحرف عن موضعه ومستقره، وتجتذبه إلى جهة الحرف التي هي بعضه، ثم تدخل عليه همزة الوصل مكسورة من قبله، لأن الساكن لا يمكن الابتداء به، فنقول اك، اق، اح، وكذلك سائر الحروف، إلا أن الحروف أشد حصراً للصوت من بعضها، ألا تراك تقول في الدال والطاء واللام اد، اط، ال، ولا تجد للصوت منفذاً هناك..).‏

*يعتمد ابن جني في ذوقه للحروف هنا على أساس اعتمده قبله الخليل، وفي قوله هذا نلاحظ إدراكه الواضح لأهم ما يميز الحروف الصامتة من الصائتة، فالأولى قد يقف هواؤها وقوفاً تاماً (فلا تجد للصوت منفذاً هناك، والثانية (حروف المد) يمتد فيها الهواء في مجراه ويستمر في الامتداد لا يمنعه شيء حتى ينتهي بانتهاء نطق الصوت نفسه، يتابع فيقول (فإن اتسع مخرج الحرف حتى لا يقتطع الصوت عن امتداده واستطالته استمر الصوت ممتداً حتى ينفد.. فيفضي حسيراً إلى مخرج الهمزة، فينقطع بالضرورة عندها إذ لم يجد منقطعاً فيما فوقها، والحروف التي اتسعت مخارجها ثلاثة الألف ثم الياء ثم الواو)، وينبه الدكتور إبراهيم أنيس على أن طريقة ابن جني والخليل في ذوق الحروف لا تتحقق فيها الدقة التامة فيقول(63) (يجب الاحتراز في اختبار الصوت المجهور من الإتيان قبله بألف وصل، كما كان يفعل القدماء من علماء الأصوات، لأن الصوت حينئذ لا يتحقق فيه الاستقلال الذي هو أساس التجربة الصحيحة).‏

*على أن الفرق بين الصوت الصامت والصائت يبدو على نحو أوضح عند ابن جني في تصوير بارع ودقيق، عند مقارنته جهاز النطق عند الإنسان بالناي والعود، وقد ذكرنا هذا التصوير قبلاً، ونجتزئ منه هنا قوله(64) (وقد شبه بعضهم الحلق والفم بالناي، فإن الصوت يخرج فيه مستطيلاً أملس ساذجاً، كما يجري الصوت في الألف غفلاً بغير صنعة، فإذا وضع الزامر أنامله على خروق الناي المنسوقة، وراوح بين أنامله اختلفت الأصوات. وسمع لكل خرق منها صوت لا يشبه صاحبه، فكذلك إذا قطع الصوت في الحلق والفم باعتماد على جهات مختلفة كان سبب استماعنا هذه الأصوات المختلفة)، وهنا يميز ابن جني بين الصامت والصائت تمييزاً يوافق ما تجري عليه الدراسات اللغوية المعاصرة فهذا الصوت المستطيل الأملس هو الصائت الذي لا يعترضه عائق، وذلك الذي اعترضه ما يقطع امتداده هو الصوت الصامت، ويسمي ابن جني الصامت صحيحاً والصائت حرف مد واستطالة فقد قال(65) (جميع الحروف صحيحة إلا الألف والياء والواو اللواتي هن حروف المد والاستطالة.. إلا أن الألف أشد امتداداً وأوسع مخرجاً)، وفي نطق هذه الألف خاصة تتوضح ظاهرة حرية مرور الهواء وانطلاقه.‏

*ولم يكتف ابن جني بمجرد التمييز بين الصامت والصائت، بل تحدث عن الصوائت حديثاً خاصاً، وأدرك نوعاً من العلاقة يقوم بين الحركة وحروف المد يتوضح في النص التالي الذي يستوقف النظر (اعلم أن الحركات أبعاض حروف المد واللين، وهي الألف والياء والواو، فكما أن هذه الحروف ثلاثة، فكذلك الحركات ثلاث وهي الفتحة والكسرة والضمة، فالفتحة بعض الألف، والكسرة بعض الياء والضمة بعض الواو، وقد كان متقدمو النحويين يسمون الفتحة الألف الصغيرة والضمة الواو الصغيرة، وقد كانوا في ذلك على طريق مستقيمة)(66) ويؤخذ من هذا النص أمر هام هو أن الحركات تشترك مع حروف المد في ناحية النطق والوضوح السمعي، إلا أنها اقصر من تلك الحروف، فهي أبعاض لها، ودليل ابن جني على هذا أنك متى أطلت الحركة صارت حرف مد، وفي هذا يقول(67) (ويدلك على أن الحركات أبعاض لهذه الحروف أنك متى أشبعت واحدة منهن حدث بعدها الحرف الذي هي بعضه)، ويأتي بأمثلة على هذا منها أنك إذا أشبعت فتحة عين عمَر حصلت على عامر، وإذا أشبعت ضمة عين عُمر حصلت على عومر، (فلولا أن الحركات أبعاض لهذه الحروف وأوائل لها لما نشأت عنها، ولا كانت تابعة لها) وعلى هذا يمكن أن نعد حروف المد عند ابن جني حركات طويلة –على نحو ما يرى المحدثون- وإن لم ينص على أنها حركات، فهذا مفهوم من كلامه(68)، إذ أن الحركات والحروف تتفق في كل شيء مع فارق واحد هو الطول والقصر، ثم إن إشارة ابن جني إلى متقدمي النحويين تذكرنا بأن هؤلاء أدركوا ما وضحه وهذا ما نلاحظه إذا نظرنا في صنيع الخليل حين اخترع علامات الضبط التي ما نزال نستعملها إلى اليوم (إذ أخذ من حروف المد صورها مصغرة للدلالة عليها، فالضمة واو صغيرة في أعلى الحرف لئلا تلتبس بالواو المكتوبة – والكسرة ياء متصلة تحت الحرف، والفتحة ألف مبطوحة فوقه)(69).‏

*وقد عد ابن جني الفتحة أولى الحركات وأدخلها في الحلق، وبعدها الكسرة ثم الضمة، فإذا بدأت الفتحة، وتصعدت تطلب صدر الفم والشفتين اجتازت في مرورها مخرج الياء والواو فجاز أن تشمها شيئاً من الكسرة أو الضمة، ومن هنا كانت ظاهرة الإمالة Inclination، وهي جنوح بالألف إلى الكسرة وظاهرة التفخيم Velaiarsation وهي جنوح بالألف إلى الضمة، والإمالة والتفخيم في الألف عنده حرفان مستحسنان يؤخذ بهما في القرآن الكريم وفصيح الكلام، معنى هذا أن ابن جني عرف الحركات الفرعية، ونص على هذا بوضوح فقال: (وهناك حركات فرعية أخرى كالتي بين الفتحة والكسرة والتي بين الضمة والكسرة ومحصولها على الحقيقة ست حركات) فإذا نظرنا إلى الحركات بمنظار المحدثين رأيناها في العربية ثلاثاً في الوظيفة والتمييز بين المعاني، ولكنها في النطق تسع، ذلك أن كل حركة يصيبها التفخيم أو الترقيق، وقد تكون في مرتبة متوسطة بينهما، وإذا عددنا حروف المد حركات طويلة كان لنا من كل حركة ست صور ويصبح مجموع الحركات عندئذ ثماني عشرة(70) وواضح أن التفخيم أو الترقيق للحركة أو نطقها بين بَين لا يؤثر في المعاني إنما هي صور نطقية، والمهم فيما نحن فيه أن ابن جني تنبه على طرائق نطق الصوائت، وذكر صعوبة النطق في بعضها، فلو تكلفت مثلاً أن تشم الكسرة أو الضمة رائحة الفتحة لاحتجت إلى الرجوع إلى أول الحلق، وفي هذا مشقة.‏

*بقي أن نشير إلى رأي ابن جني في قضية خلافية قديمة هي: ترى ما السابق الحرف أم الحركة؟ وقد رأى بعض العرب أن السابق هو الحركة. ووقف آخرون موقفاً وسطاً فقالوا بأنهما يحدثان معاً، أما ابن جني وقبله سيبويه، فقد رأيا أن موضع الحركة من الحرف بعده لا قبله، وهو رأي لم يحاول المحدثون أن ينقضوه لأن الأدلة والشواهد التي جاء بها ابن جني كانت قوية(71).‏

2-مخارج الأصوات:‏

رتب ابن جني الأصوات الصوامت حسب تتابع مواضع نطقها، وهي المخارج، من الحلق إلى الشفتين على النحو التالي:‏

ء ا هـ ع ح غ خ ق ك ج ش ي ض ل ر ن ط د ت ص ز س ظ ذ ث ف ب م و.‏

ثم قال(72) (فهذا هو ترتيب الحروف على مذاقها وتصعدها، وهو الصحيح. فأما ترتيبها في كتاب العين، ففيه خطل واضطراب ومخالفة لما قدمنا آنفاً مما رتبه سيبويه، وتلاه أصحابه عليه، وهو الصواب الذي يشهد لنا التأمل بصحته)، فهو ينص صراحة على مخالفته لترتيب الخليل للحروف، وإن كان وافقه في عددها، وهي مخالفة واضحة في عدد من الموضع، من ذلك مثلاً أن الخليل جعل العين أولاً وتليها الحاء والهاء، في حين أن الهمزة والألف والهاء تسبقها عند ابن جني، وأن الخليل وضع القاف بعد الغين مباشرة في حين أن الخاء تفصل بينهما عند ابن جني.‏

*كما أن ابن جني خالف ترتيب سيبويه في بعض المواطن القليلة – وإن ذكر ترتيبه هو الصواب – يمكن حصرها بدءاً من القاف في ترتيب ابن جني وانتهاء بالضاد، فقد جاء ترتيب سيبويه لهذه الحروف الستة على النحو التالي(73) (ك، ق ض، ج، ش، ي).‏

وقد وزع ابن جني الحروف على المخارج بدءاً من الحلق وانتهاء بالشفتين، فاجتمع لديه ستة عشر مخرجاً، وعلى هذا العدد يتفق أكثر العلماء اليوم، أما ترتيب هذه المخارج فهو على النحو التالي:‏

1-من أسفل الحلق وأقصاه مخرج الهمزة والألف والهاء.‏

2-من وسط الحلق مخرج العين والحاء.‏

3-من أدنى الحلق مع أول الفم مخرج الغين والخاء.‏

4-من أقصى اللسان مخرج القاف.‏

5-من أسفل من ذلك وأقرب إلى مقدم الفم مخرج الكاف.‏

6-من وسط اللسان بينه وبين وسط الحنك الأعلى مخرج الجيم والشين والياء.‏

7-من أول حافة اللسان. وما يليها من الأضراس مخرج الضاد.‏

8-من حافة اللسان، من أدناها إلى منتهى طرف اللسان، فويق الضاحك، مخرج اللام.‏

9-من طرف اللسان بينه وبين ما فويق الثنايا مخرج النون المتحركة.‏

10-من فويق مغارز الثنايا مخرج الراء.‏

11-بين طرف اللسان وأصول الثنايا مخرج الطاء والدال والتاء.‏

12-بين الثنايا وطرف اللسان مخرج الصاد والزاي والسين.‏

13-بين أطراف اللسان وأطراف الثنايا مخرج الظاء والذال والثاء.‏

14-من باطن الشفة السفلى وأطراف الثنايا العليا مخرج الفاء.‏

15-مما بين الشفتين مخرج الباء والميم والواو.‏

16-من الخياشيم مخرج النون الخفيفة الساكنة.‏

*وفي هذا الترتيب يمكن أن نلاحظ ما يلي:‏

1-بنى ابن جني حديثه عن مخارج الحروف على ما قاله الخليل وسيبويه(74)، ولكنه تفوق عليهما في الدقة في ترتيب الأصوات وتوزيعها على المخارج، وتفوقه على الخليل أوضح.‏

2-إن ابن جني، ومعه الأقدمون، تعودوا أن ينسبوا النطق إلى اللسان خاصة ولا غرابة في هذا، فهو عضو هام، لأنه مرن وكثير الحركة في الفم عند النطق.‏

3-إذا قارنا ترتيب المخارج عند ابن جني بترتيبها عند المحدثين رأينا أن ترتيبه تصاعدي في حين أن ترتيب اليوم عكسي أو تراجعي يبدأ من الشفتين راجعاً إلى الحنجرة، فإذا قلبناه إلى ترتيب تصاعدي، كان على النحو التالي(75):‏

ء هـ- ع ح – ق – خ غ ك و – ي – ج ش- ر ز س ص – ت د ض ط ل ن – ث ظ – ف – ب م (و).‏

*وبالمقارنة أيضاً يتضح لنا أن بين الترتيبين – القديم والحديث – نواحي اختلاف ونواحي اتفاق(76) أما نواحي الاختلاف، فيمكن أن نغض النظر عن كثير منها لسببين اثنين أولهما التقارب والتداخل بين مخارج النطق وعدم وجود حدود فاصلة فصلاً تاماً بين بعض هذه المخارج، وثانيهما الملاحظة الذاتية والخبرة الشخصية التي تختلف بين الأفراد في نطق الأصوات، ومع هذا يمكن أن نذكر بعض أوجه الاختلاف بين الترتيبين فيما يلي:‏

1-جعل ابن جني مخرج القاف أقصى الحنك، ووضعها بين الغين والخاء، موافقاً في هذا الخليل وسيبويه، مخالفاً ما نقوله اليوم في وصف مخرج القاف، فنطقها يتم اليوم برفع أقصى اللسان حتى يلتقي بأقصى الحلق مع عدم السماح للهواء بالمرور من اللسان فجأة، فيندفع صوت انفجاري، القاف إذن، كما ننطقها اليوم في الفصحى، وفي قراءة القرآن الكريم خاصة، صوت لهوي انفجاري، ولا يمكن عدها كذلك في الموضع الذي وضعها فيه ابن جني.‏

2-نسب ابن جني، وقبله سيبويه – موضع النطق بالضاد إلى منطقة تلي الجيم والشين والياء، قريبة من وسط الحنك أي أنها لثوية حنكية. وقد عد النحاة القدامى هذا الحرف من خصائص اللغة العربية، وأن الأعاجم لا قدرة لهم على النطق به إذ يلاقون صعوبة في ذلك، وقد وصفوا مخرج هذا الحرف القديم وصفاً دقيقاً بقولهم أنه يخرج من أول حافة اللسان، أو كما يقول ابن جني(77) (إن شئت تكلفها من الجانب الأيمن وإن شئت من الجانب الأيسر، أو من كليهما)، ومعنى هذا أن الضاد أقرب إلى الحرف المنحرف أو الجانبي كاللام، وهذا يختلف عن نطقنا للضاد اليوم، إذ أنها تتفق والدال والتاء والطاء في المخرج، وهذه الأصوات الأربعة أسنا نية لثوية(78).‏

*حروف الصفير الثلاثة (الصاد والزاي والسين) جعل ابن جني مخرجها مما بين الثنايا وطرف الأسنان أي أنها أصوات سنية بالتعبير الحديث، في حين أنها لثوية بحسب نطقنا الحاضر لها، ولهذا يجب أن تكون سابقة على الطاء والدال والتاء لا تالية لها، وأن تكون مع الراء مجموعة الأصوات اللثوية، ولعل مما يسوغ لابن جني ترتيبه المذكور اهتمامه بالتقاء طرف اللسان بالأسنان وإهماله لالتقاء مقدم اللسان باللثة، كما يلاحظ أن فصله بين منطقتي الأصوات الحادية عشرة والثانية عشرة لم يكن واضحاً.‏

4-إن أهم مظهر يخالف به ترتيب ابن جني ترتيب اليوم هو خلطه الصوت الصائت بالصامت، مع أنه أدرك الفرق بينهما تمام الإدراك على نحو ما ذكرنا، فلقد ذكر الألف في جدول المخارج، وهي صوت صائت لا مكان لها فيه، وإذا سلمنا بوضعها فيه بالنظر إلى ذكره الواو والياء في الجدول نفسه(79)، فإن الاعتراض يقوم على قرنها بالهمزة وجعلها من مخرج واحد، مع أن الهمزة صوت حنجري، فالألف ليس مخرجها الحنجرة أو الحلق كما فهم ابن جني، وإنما هي حركة يتعدد موضع نطقها بوضع اللسان وضعاً معيناً في الفم تجاه الحنك الأعلى، ويبدو أن ابن جني ركز اهتمامه على مكان آخر سماه أقصى الحلق (والحق أن موضوع الهمزة والألف في العربية يشكل صعوبة ظاهرة في الدرس اللغوي عندهم (عند العرب)، وقد خلط العلماء بينهما خلطاً واضحاً، وأتوا فيهما بمناقشات تتسم بالغموض وعدم الإدراك الحقيقي لطبيعة هذين الصوتين)(80).‏

*أما عن اتفاق ترتيب ابن جني مع الترتيب الحديث فنلاحظ فيه ما يلي:‏

1-إن مخرج الجيم والشين والياء من وسط الحنك الأعلى، وهذا يوافق ما يراه كثير من المحدثين اليوم.‏

2-مخرج اللام كما وصفه ابن جني يوافق ما يمكن أن نطلق عليه اليوم اسم صوت لثوي حنكي أو لثوي فقط، ولكن مع صفات أخرى تنتج عن مرور الهواء من جانبي الفم.‏

3-مخرج النون من طرف اللسان بينه وبين ما فوق الثنايا، يعني أنها صوت أسناني لثوي، أو لثوي فقط، وهذا يوافق ما جرى عليه أكثر علماء الأصوات، وهذا يعني أن اللام والنون متقاربتان في المخرج أو هما من مخرج واحد بضرب من التوسع.‏

4-مخرج الراء يوافق ما نعبر عنه اليوم بالصوت اللثوي، وهناك تقارب بين الراء واللام والنون، ويعد بعض المحدثين هذه الثلاثة أصواتاً لثوية وقد أثبتت تجارب هؤلاء أن القدماء –ومعهم ابن جني- كانوا على حق في الربط بين هذه الأصوات الثلاثة، ذلك أنها تشترك –ومعها الميم- في قرب المخرج، والوضوح السمعي Sonority وفي الشيوع وكثرة الدوران على الألسنة لسهولتها، ولهذا شبهت بأصوات اللين وتسمى جميعاً بالأصوات المائعة Liquids(82) أو أشباه الحركات، وقد عرف ابن جني شبه النون والميم بحروف اللين فقال (82) (إنهم أدغموا النون في الميم لاشتراكهما في الغنة والهوى في الفم، ثم أنهم حملوا الواو في هذا على الميم، فأدغموا فيها النون لأن الواو ضارعت الميم بأنهما من الشفة، وإن لم تكن النون من الشفة، فأجازوا إدغام النون في الياء) وقد علق الدكتور إبراهيم أنيس على هذا الكلام وغيره للمبرد فقال(83) فنحن إذن نرى أن بعضاً من علماء العربية المتقدمين قد أحسَّ ببعض ما نحس به، وإن أخطأ تفسيره، فعمد إلى المنطق يفسر به الظواهر اللغوية) يعني أن الصوت الشائع كالنون والميم يتعرض للإدغام.‏

5-وصف مخرج الطاء والدال والتاء، وهي أصوات أسنانية لثوية، وصفاً دقيقاً، يناسب نطقنا الحالي لها، وكذلك وصفه لمخرج الظاء والذال والثاء، وهي أصوات أسنانية ووصفه لمخرج الفاء، وهي صوت أسناني شفوي، وقد بلغ ابن جني غاية الدقة في ترتيب الفاء والباء والميم.‏

*مما سبق عرضه يبدو لنا أن نقاط الاتفاق بين وصف ابن جني لمخارج الحروف ووصف المحدثين لها أكثر من نقاط الاختلاف، وهذا يدعونا إلى الأخذ برأي الدكتور كمال بشر حين قال(84) (أما وصف ابن جني للمخارج بالصورة التي سجلها في كتابه وترتيبه لهذه المخارج فهو يدل على قوة ملاحظته وذكائه النادر، والحق أن النتائج التي وصل إليها هذا العالم في هذا الوقت الذي كان يعيش فيه لتعد مفخرة له ولمفكري العرب في هذا الموضوع ومما يؤكد براعتهم ونبوغهم في هذا العلم أنهم قد توصلوا إليه من حقائق مدهشة دون الاستعانة بأية أجهزة أو آلات تعينهم على البحث والدراسة كما نفعل نحن اليوم).‏

الأصوات المجهورة والمهموسة:‏

تصنف الأصوات الصامتة بحسب وضع الوترين الصوتيين في جهاز النطق إلى مجهورة ومهموسة. فإذا ما تذبذب هذان الوتران عند النطق بصوت ما سمي هذا الصوت مجهوراً Voiced، وفي نطقه ينحبس جري النفس، وإن لم يفعلا كان الصوت مهموساً Voiceless وفي نطقه يجري النفس بالحرف، والأصوات المجهورة في العربية خمسة عشر، هي الباء والجيم والدال والذال والراء والزاي والظاء والعين والغين واللام والميم والنون، ويعد منها الواو في نحو (ولد وحوض) والياء في نحو (يترك وبيت)، وما عدا ذلك فأصوات مهموسة وعددها اثنا عشر.‏

تحدث العرب الأقدمون عن ظاهرتي الجهر والهمس، ولكن حديثهم كان غامضاً ويمكن القول أن هذا الحديث أضعف نقطة في الدراسة الصوتية العربية لأنها ترتبط بالناحية التشريحية ودراسة جهاز النطق(85) ويلاحظ أن هؤلاء –ومعهم ابن جني- لم يشيروا إلى الوترين الصوتيين ولم يهتموا بهما، مع أن أوضاعهما هي الأساس في تصنيف الأصوات إلى مجهورة ومهموسة، ولهذا نجد بعض الخلاف في إطلاق هاتين الصفتين على الأصوات بين القدامى والمحدثين.‏

*عرف ابن جني الصوت المجهور –نقلاً عن سيبويه- بأنه(86) (حرف أشبع الاعتماد من موضعه ومنع النفس أن يجري معه حتى ينقضي الاعتماد ويجري الصوت)، وعكسه المهموس فهو (حرف أضعف الاعتماد من موضعه حتى جرى معه النفس)، وهذا كلام، لا ذكر فيه للوترين الصوتيين، كما ترى. وعلامة المهموس عنده أنه يمكنك تكريره مع جري الصوت نحو سَسَس، ولو تكلفت مثل ذلك في المجهور لما أمكنك.‏

*وعنده أيضاً أن الأصوات المهموسة عشرة هي الهاء والحاء والخاء والكاف والشين والسين والصاد والتاء والثاء والفاء ويجمعها قولك (سكت فحثه شخص)، وما عداها فمجهور، وابن جني هنا، كسيبويه وغيره من علماء العربية- يخرج القاف والطاء، وهما نظيران مفخمان للكاف والتاء-من الأصوات المهموسة، وهذا لا يوافق نطقنا الحالي لهذين الصوتين في العربية الفصحى(87)، مع ملاحظة أن نطق القاف يعد مشكلة في اللغة المحكية، فهي تارة مهموسة وردت مجهورة في نحو قال، كال، آل..‏

4-الأصوات الشديدة والرخوة والمتوسطة:‏

هذا التصنيف للأصوات الصامتة مبني على حالة ممر الهواء في أثناء النطق بالصوت فقد يعترضه عوائق تمنع خروجه منعاً تاماً أو جزئياً أو يصيبه انحراف، فيخرج من جانبي الفم أو الألف، وعلى هذا الأساس قسم ابن جني الأصوات، كسابقيه، إلى شديدة ورخوة ومتوسطة، فقال(88) (وللحروف انقسام آخر إلى الشدة والرخاوة وما بينهما، فالشديدة ثمانية أحرف، وهي الهمزة والقاف والكاف والجيم والطاء والدال والتاء والياء، ويجمعها في اللفظ أجدت طبقك أو أجدك طبقت، والحروف التي بين الشديدة والرخوة ثمانية أيضاً وهي الألف والعين والياء واللام والنون والراء والميم والواو، ويجمعها في اللفظ (لم يرو عنَّا)، وإن شئت قلت (لم يروِّ عنا) وإن شئت قلت (لم يرعونا)، وما سوى هذه الحروف والتي قبلها هي الرخوة).‏

*والصوت الشديد عند ابن جني هو(89) (الذي يمنع الصوت من أن يجري فيه، ألا ترى أنك لو قلت الحق والشط، ثم رمت مد صوتك في القاف والطاء لكان ذلك ممتنعاً). ويقابل ما يسمى اليوم بالانفجاري Plosive مع ملاحظة أن ابن جني، كغيره من العلماء العرب يعد الجيم صوتاً شديداً، في حين أنها ليست كذلك اليوم، أما الصوت الرخو عنده فهو(90) (الذي يجري فيه الصوت، ألا ترى أنك لو قلت المس والرش والشح، ونحو ذلك، فتمد الصوت جارياً مع السين والشين والحاء) ويقابل عندنا اليوم ما يسمى بالاحتكاكي Fricative والأصوات الرخوة عند ابن جني هي الفاء والثاء والذال والظاء والزاي والسين والشين والصاد والضاد والخاء والغين والحاء والهاء، ويلاحظ أن الضاد في تصنيف ابن جني رخوة في حين أنها شديدة، ثم إنه يفضل العين هنا ليعدها من الأصوات المتوسطة. ويجعل من هذه الأصوات أيضاً الراء واللام، والأول مكرر والثاني جانبي في اصطلاح اليوم، كما يجعل منها الواو والياء وهما أنصاف حركات، بل يجعل منها الألف وهي حرف صائت لادخل له في تصنيف الأصوات الصامتة، لهذا نقول أن تصنيف ابن جني هنا يخالف تصنيفنا لها في أمور ويوافقه في أمور.‏

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 37.78 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 37.16 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (1.65%)]